المويتي: آي الذكر الحكيم حرز مكين للمؤمنين وحفظ لهم من همّ وغمّ في هذه الحياة

في محاضرة بعنوان «معية القرآن الكريم» –
متابعة: سيف بن سالم الفضيلي –
966529بيّن المحاضر خالد بن خميس المويتي في محاضرة له بعنوان «معيّة القرآن الكريم» أن آي الذكر الحكيم حرز مكين للمؤمنين وحفظ لهم مما قد يعتريهم من هم وغم في هذه الحياة. وأوضح أن الإنسان يثاب على تلاوة آي الكتاب العزيز، وبيّن أن أسماء سور القرآن هي توقيفية.
كما أشار في محاضرته التي ألقاها بجامع الأنوار بالمعبيلة الجنوبية إلى أن الله تعالى يؤيد رسله بما ينتشر في زمانهم من الخوارق، ومنبها إلى أن العقل السليم يرد على مزاعم المستشرقين القائلين بأن القرآن الحكيم من تأليف محمد، صلى الله عليه وسلم.
في بداية محاضرته قال خالد المويتي: كتاب الله سبحانه وتعالى هو حفظ لعباده المؤمنين وتثبيت لهم، ومنه يستمدون منهاج حياتهم الذي يسيرون على هديه في هذه الحياة الدنيا، وفي هذا المقام سنفصل معنى معية القرآن الكريم؛ فالمعية القرآنية تتمثل في أن القرآن الكريم يحفظ المؤمنين مما قد يعتريهم في هذه الحياة من هم وغم، وهو المعنى الحقيقي الذي ذكره الله تعالى لمعيته لعباده المؤمنين؛ فقد قال سبحانه لنبيه موسى عليه السلام وأخيه هارون: (إنني معكما أسمع وأرى)، وهو الشعور الذي كان عليه موسى عليه السلام حين قال: (قال كلا إن معي ربي سيهدين)، ويظهر في ثقة نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم- أن الله سيحفظه وصاحبه في الغار وهم بالقرب من أعدائهم حين قال الله تعالى: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)، وروي عن ابن عباس حال تفسيره لقول الله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين)، بالنصر والمعونة والحفظ في دنياهم وبالثواب والمغفرة في عقباهم .
ويضيف: المتأمل في آي الذكر الحكيم فهي حرز مكين للمؤمنين، فالمعوذتان نزلتا ليستشفي بهما الناس من عوارض الإنس والجان، وأذكار الصباح والمساء بهما من الآيات التي تثبت النفس وتقيها من عين الإنس والجان، كآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، وقول الله تعالى: (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) سبع مرات صباح مساء، وأواخر البقرة، والدعاء: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء) ثلاث مرات وغيرها كثير فيها حفظ للمؤمنين، وهنا تظهر معية القرآن الكريم لعباد الله المؤمنين.

تعريفات متعددة

القرآن الكريم له تعريفات متعددة سواء في الجانب اللغوي أو الجانب الاصطلاحي سنقتصر على تعريف واحد ؛ فالقرآن في اللغة هو مصدر مشتق من (قرأ) وأصله من (القرء) بمعنى الجمع والضم، يُقال: (قرأت الماء في الحوض)، بمعنى جمعته فيه، وسمي القرآن قرآنًا؛ لأنه يجمع الآيات والسور ويضم بعضها إلى بعض. وأما من حيث الاصطلاح فهو كلام الله المعجز بألفاظه وتراكيبه المتعبد بتلاوته المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم المنقول بالتواتر، المَبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة النّاس، وهذا التعريف يعد جامعًا مانعًا، وبه ستة قيود سنفصل كل قيد على حده.
القيد الأول (كلام الله): خرج بهذا القيد كلام البشر وغيرهم، ويخرج به كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يسمى سنة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، ويخرج به كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعزوه لربه من غير القرآن والذي يسمى الحديث القدسي ومنه قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله: (أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني)، وفي هذا القيد أيضًا رد على مزاعم المستشرقين الذي ينسبون القرآن الكريم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فالله يرد عليهم بقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، والعقل السليم يرد مزاعمهم كذلك فمن يكتب عن نفسه تجد اسمه يتكرر في كتابته كثيرًا، وذلك غير موجود في كتاب الله، فاسم النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد في كتاب الله إلا أربع مرات فقط، ولكن تكررت أسماء الأنبياء كثيرًا بل وفصلت قصصهم من لدن آدم إلى عيسى عليهما السلام .
أما القيد الثاني «المعجز بألفاظه وتراكيبه»، من هدي الله تعالى أنه يؤيد رسله بما ينتشر في زمانهم من الخوارق، ففي عهد موسى عليه السلام انتشر السحر والساحرون ؛ فأيد الله نبيه بالعصي التي ما إن التهمت حبالهم إلا خروا ساجدين، وفي عهد عيسى عليه السلام اشتهر الطب ؛ فأيد الله نبيه بشفاء الأمراض المستعصية كمن يولد أعمى والأبرص بل وقد يحيي الموتى بإذن الله، وفي عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم اشتهر الناس بالفصاحة وقوة الكلمة وكانت لهم أسواق للفصاحة كسوق عكاظ ومجنة وذي المجاز ؛ فأيد الله نبيه بالقرآن الكريم وتحداهم أن يأتوا بمثله فلم يستطيعوا قال تعالى: (قل فأتوا بكتاب من عند الله)، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور فلم يستطيعوا قال تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات)، ثم تحداهم أن يأتوا ولو بسورة واحدة فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا قال تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين).
ولقد آسر القرآن العظيم لُب زعامات قريش فهم أهل الفصاحة والبلاغة وأيقنوا أنه ليس من كلام أحد غير الله ولكنها العزة بالإثم، وفي ذلك قصص كثيرة نذكر منها قصة الوليد بن المغيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم ؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا لتعرض ما قبله. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا. قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له، أو أنك كاره له. قال: وماذا أقول ؟ فوالله! ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله! ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله ! إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة (رونقًا وحسنًا وقبولًا)، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر. فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره من غيره. فنزلت فيه: (ذرني ومن خلقت وحيدا).
وكتاب الله معجز بتراكيبه فلا يستطيع أحد أن يبدل كلمة مكان أخرى ولو كانت بنفس المعنى بل حتى الحروف؛ فمثلا حرف (و) من حروف العطف و(ثم) هي من حروف العطف كذلك لكن الأخيرة عطف مع المهلة بخلاف الأولى فيفسد المعنى حال الاستبدال، وقس على ذلك جميع التراكيب اللغوية في الكتاب العزيز.

تلاوته عبادة

ويبين المويتي في القيد الثالث «المتعبد بتلاوته» أي أن تلاوة القرآن الكريم عبادة، وأن الإنسان المؤمن يثاب على تلاوة آي الكتاب العزيز، وللتعبد صورتان، الأولى أن يتلى في الصلاة فلا تصح دون قراءة القرآن، والثانية أن يتلى خارج الصلاة سواءً في حالة القيام أو القعود، في السفر أو الحضر، في الليل أو النهار، قال عليه الصلاة والسلام: (من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).
والقيد الرابع المنزل على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- يخرج به الذي أنزل على غيره كالإنجيل والتوراة والزبور وصحف إبراهيم وموسى، ولهذا الوحي أمين هو جبريل عليه السلام، وكان نزول القرآن الكريم منجمًا أي متفرقًا وفي ذلك حكم متعددة منها تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا)، وللرد على شبهات المغرضين قال تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا)، وللتدرج بالتشريع؛ فتحريم الخمر مثلًا جاء على مراحل وكانت البداية في تقليص وقت شربه قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)، وبعدها بفترة طويلة نزل القول الفصل في حكمها قال تعالى: (رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه) فعمد الصحابة إلى جرار الخمر فهشموها.
والقيد الخامس المنقول بالتواتر، والتواتر ما رواه جمع عن جمع يستحيل اجتماعهم على الكذب في الغالب، وهكذا تناقل المسلمون كتاب ربهم نقلًا منضبطًا حفظًا في الصدور وكتابةً في السطور، فقد كان عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتبة يكتبون الوحي من أشهرهم الخلفاء الأربعة وزيد بن حارثة، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حدثت حروب الردة، فقاومها أبو بكر -رضي الله عنه- ومن معه بلا هوادة، وفي واقعة اليمامة قتل نحو سبعين صحابيًا من حفظة الكتاب العزيز، فأشار عمر الفاروق رضي الله عنه على أبي بكر إلى أن يجمع القرآن.
ويشير المويتي إلى أن الصدّيق رضي الله عنه كلف زيد بن حارثة رضي الله عنه بهذا الشرف العظيم فجمع القرآن الكريم في مكان واحد، وكان بيت أبي بكر الصديق المكان المناسب لحفظه، بعد وفاة أبي بكر الصدّيق، قام عمر فوضع ذلكم الجمع في بيت ابنته أمنا السيدة حفصة رضي الله عنها.
وفي عهد عثمان بن عفان أمر أن يجمع القرآن مرة أخرى، فجمع في مصحف واحد سميّ مصحف الإمام، كان ذلكم المصحف غير منقوط ولا معرب، وظل كذلك حتى جاء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فكلف أبا الأسود الدؤلي أن ينقط المصحف الشريف، وأما إعرابه فقد حدث بعد سنين متعاقبة. وختم المويتي محاضرته بالقيد السادس والأخير «المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس»، فجمهور العلماء يرون أن ترتيب المصحف الشريف هو أمر توقيفي، لم يكن للصحابة دخل في ترتيبه، بل حتى أسماء سور القرآن هي توقيفية، وقد مر بمراحل تنزيلية كانت كالتالي: أوّل ما نزل من الوحي على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان في غار حراء على جبل النور، فإن أول ما نزل من الوحي كان قول الله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم)، ثم تتابع نزوله مدة ثلاثة وعشرين عامًا حتى وفاته عليه الصلاة والسلام، ثلاث عشرة سنة منها في مكة، وبلغ عدد السور التي نزلت هناك ثلاثا وثمانين سورة، وقيل خمسا وثمانين، وعشر منها في المدينة المنورة، وقد بلغ عدد السور التي نزلت فيها إحدى وثلاثين سورة، وقيل تسعا وعشرين، كان أولها سورة المطففين وآخرها سورة التوبة.