امتلاك القدرات .. لاقتحام الأزمات والمشاكل المعقدة

العزب الطيب الطاهر –
مع انطلاق القمة العربية العادية الثامنة والعشرين غدا – الأربعاء – بمنتجع البحر الميت الهادئ برئاسة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تتصاعد التطلعات والأحلام باتجاه إعادة العافية إلى النظام الإقليمي العربي الذي شهد في السنوات الست المنصرمة تراجعا في مساحة فعاليته وتأثيره بالذات على صعيد المساهمة في إطفاء حرائق الأزمات المشتعلة في المنطقة 

 

،، مع انطلاق القمة العربية العادية الثامنة والعشرين غدا – الأربعاء – بمنتجع البحر الميت الهادئ برئاسة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تتصاعد التطلعات والأحلام باتجاه إعادة العافية إلى النظام الإقليمي العربي الذي شهد في السنوات الست المنصرمة تراجعا في مساحة فعاليته وتأثيره بالذات على صعيد المساهمة في إطفاء حرائق الأزمات المشتعلة في المنطقة، الأمر الذي دفع بالبعض لأن يقول إن هذا النظام ترك أمره لأطراف إقليمية ودولية، لتكون بديلا عنه وتفرض توجهاتها على المنطقة، في ضوء ما يحقق مصالحها وليس مصالح العرب،،
ويسعى الأردنيون في هذه القمة إلى استعادة أجواء قمة الوفاق والاتفاق التي عقدت في العاصمة الأردنية عمّان قبل ثلاثة عقود، على أمل أن يتحقق للقمة المقبلة شيء من نجاح قمة العام 1987 التي عقدت في أجواء من الانقسام والتشتت في الموقف العربي، وذلك في ظل تباين المعطيات والظروف المحيطة بها، والتي تتسم بقدر كبير من التعقيد والتشابك فضلا عن طبيعة الأزمات الملتهبة في المنطقة، والتي تختلف بنسبة مائة في المائة عن أزمات وتعقيدات القمة السابقة، ما يستوجب تغييرا في آليات التعامل حتى منهج قراءة هذه الظروف والمعطيات، فعلى سبيل المثال فإن دبلوماسية «تقبيل اللحى» التي كان ينتهجها القادة العرب لحل خلافاتهم لم تعد تشكل وصفة سحرية لمعالجة حالات التردي المتفاقمة التي تستشري في الساحة العربية من المحيط إلى الخليج، فضلا عن أنها لم تعد تحظى بالمصداقية لدى رأي عام عربي، وبات أكثر وعيا واتساعا في الأفق مع انتشار الثورة المعلوماتية والإعلامية، على نحو يجعله يتابع دقائق التطورات لحظة بلحظة.
وثمة أمل في أن تكون هذه القمة غير تقليدية، بمعنى أن تمتلك القدرة على اقتحام المعضلات والأزمات العربية الملتهبة التي لم تشهد أي مقاربة باتجاه تجاوزها وحلها منذ تفجرها، في غير قطر عربي قبل نحو ست سنوات، على الرغم من كل المساعي التي بذلت – وما زالت – إقليميا وعربيا، وللأسف غاب عنها الجهد العربي أو بمعنى أدق فرض عليها الغياب نتيجة عوامل تتعلق ببنية النظام الإقليمي العربي أو بعوامل من خارج الإقليم.
في ضوء ذلك بات من الضرورة بمكان أن تعيد هذه القمة حساباتها، باتجاه تفعيل الدور العربي في التعاطي مع هذه الأزمات، خاصة أن القضايا العربية غاب عنها الحسم العربي أو الموقف العربي – والتعبير للسفير أحمد بن حلي نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية الذي يقوم بدور هام في الجامعة- والذي يقول إنه -نتيجة لإدراك مخاطر هذا الغياب فستشهد القمة إعادة النظر في كل هذه الأمور وهو يرى في هذا السياق أن عقد اجتماعات في الآستانة للتفاوض (ثلاث جولات) بشأن قضية عربية ودولية محورية، مثل سوريا في ظل غياب عربي واضح هو أمر لا يستقيم، وبالتالي فإن دخول الدول العربية بجدية وقوة في هذه المسائل سيساعد على حلها، بينما الاتكاء في حل مشاكل المنطقة على الأطراف الخارجية يخرج عن التقدير السليم، وهو الذي يكمن في «أن يكون زمام الأمور بأيدينا كدول عربية وأن نحاول بلورة مواقف حتى لو كانت هناك خلافات، فإنه لابد أن يكون هناك قاسم مشترك وحد أدنى، للتعامل مع هذه القضايا التي تهم أمننا وحياتنا وكياناتنا».
وهنا يحذر بن حلي قائلا: «إن انهيار سوريا أو بقائها على هذا الحال يؤثر بشكل كبير على كل الدول العربية وعلى جامعة الدول العربية»، متابعا القول: إن تلك الأزمات في سوريا وليبيا واليمن كلها تؤثر سلبا على مسيرة العمل العربي المشترك وعلى الموقف العربي وعلى الصورة العربية أمام العالم، وهو ما يستوجب أن يكون زمام القضايا العربية بأيدي الدول العربية»، – وحسب منظوره – فإن جامعة الدول العربية لا زالت هي البيت الذي من الممكن في إطاره أن نصل إلى شيء حتى لو كان بسيطا، وذلك بالنسبة للتوافق وللتحرك المشترك وبالنسبة لصيانة أمن الدول العربية؛ لأن أمن أي دولة عربية على المستوى الوطني لا ينفصل عن الأمن الجماعي .. والجميع يدرك هذا وهو ما يستوجب ضرورة إعادة الحركة، وإعادة التفاعل والجدية والحسم للعمل العربي المشترك، وذلك للمساعدة في معالجة هذه الأزمات التي أصبحت عبئا ثقيلا على المنطقة، كونها بعد أن خلفت وراءها أزمات كثيرة مثل المهاجرين والنازحين السوريين ومعاناة كل من الأردن ولبنان جراء هذا التهجير.
ويضيف «بن حلي» في هذا الشأن أنه على الرغم من أن بعض الدول العربية تقدم مساعدات لدعم اللاجئين السوريين إلا أن هذا لا يكفي بينما الأهم هو السعي لحل تلك الأزمات حلا سياسيا، ويؤكد مجددا أن الحل السياسي لهذه الأزمات هو الأنسب، مشددا على أنه لن تحسم أي أزمة في العالم العربي عسكريا، فالأزمات بدأت سياسيا ولابد أن تنتهي سياسيا، وبالتالي فإن الحل السياسي لهذه الأزمات سيساعد أيضا على تجفيف البؤر التي يحاول الإرهاب أن يتغذى عليها ويستفيد منها.
وطبقا لرؤية الدكتور عمر الحسن رئيس مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية – في حديث لكاتب هذه السطور – فإن تفعيل الدور العربي في قمة البحر الميت ينطوي على أهمية استثنائية فهي – القمة – تعقد بينما يعيش المشهد العربي حروبا وصراعات وأزمات كثيرة في كل من (سوريا والعراق واليمن وليبيا والصومال) إضافة إلى تغيرات عالمية عديدة تؤثر في المنطقة ككل، ووصول إدارة أمريكية جديدة، معظم أعضائها ومستشاريها من اليهود، وهو ما يبعث بقدر من الشك والريبة لدى الدول العربية من تلك الإدارة، وذلك في الوقت الذي لا يملك فيه العرب خطة دفاع استراتيجية تحافظ على مصالحهم العليا، ومن ثم العمل على بناء استراتيجية دفاع متكاملة، إذ لم يعد بمقدور أية دولة عربية أن تواجه بمفردها المشكلات التي لم تعد تقتصر على جرائم الإرهاب فقط، بل تشمل قضايا أخرى لا تقل خطورة كقضايا اللاجئين العرب الموجودين في العالم، وانخفاض أسعار النفط، وتباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع مستويات البطالة، فجميع هذه المشكلات تهدد الأمن والاستقرار في العالم العربي.
وفي ظل تلك الأجواء المضطربة المحيطة بالقمة – ثمة من يرى- يضيف الحسن – عدم وجود جدوى من تلك القمة، وأنها لن تحقق أي نتائج ترقى إلى التحديات المفصلية التي تواجه المنطقة العربية، ولن تتجاوز قراراتها اللغة الدبلوماسية الرتيبة، خاصة بعض البنود التي اعتمدها مجلس الوزراء العرب الذي انعقد في القاهرة في 7 مارس الجاري؛ تحضيرا للقمة التي أتت تحاكي إجماعا تجميليا تقليديا لا يصل إلى مستوى القرارات المهمة، حيث تعد تلك القمة هي القمة العربية الأربعين منذ تأسيس جامعة الدول العربية في أربعينيات القرن الماضي، أي أن أربعين مؤتمرا للقمة قد عقد، ولا يزال الواقع العربي يزداد خطورة وتدهورا، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن هناك من ينتظر حدوث معجزة، خاصة أن تلك القمة ستشهد حضورا عربيا مكثفا لمعظم القادة العرب، وهو ما يعطي بصيصا من الأمل باحتمالية الوصول لحل عدد من المشكلات بالمنطقة بما في ذلك بعض المصالحات العربية العربية، وبناء عليه سيحاول القادة العرب الاتفاق على نصوص تحافظ على حدود دنيا من القواسم المشتركة، متجنبين ملامسة المسائل الخلافية لعدم قناعة الأردن بإمكانية تحقيقها في الظرف الراهن، وبالتالي ضرورة الالتفات لقضايا أخرى تحقق قدرا أكبر من التوافق والاهتمام، وفي صدارتها القضية الفلسطينية وتطوراتها، باعتبارها قضية العرب المركزية، والأزمات العربية في سوريا وليبيا واليمن والعراق، ومكافحة الإرهاب.
ويخلص الدكتور الحسن إلى القول: إن معيار نجاح قمة عمان ليس بانعقادها على غرار قمم سابقة رفعت هذا الشعار، بل في قدرة رئاستها في العمل خارج أروقة القمة على إنجاح ملفات مهمة، ومنها المصالحات، والتسويات الإقليمية، وهي التي يجيد الأردن التعامل معها، فمن غير المتوقع أن تحل القمة العربية كل الأزمات بالمنطقة، بقدر ما يمكن لها أن تسجل عودة الوفاق العربي من جديد، وصناعة مناخ أفضل من السائد، وهذا بحد ذاته سيكون إنجازا.