«أجندة» ساخنة وقضايا طارئة .. في ظروف غير مواتية

محمد حسن داوود –
,, من الطبيعي أن تتجه الأنظار صوب الدولة الأردنية في الأيام القليلة المقبلة ليس من داخل الدول العربية فحسب، ولكن أيضا من قوى إقليمية أخرى ومن جميع أنحاء العالم لمتابعة ومعرفة كيفية تعاطي القادة العرب مع قضاياهم الطارئة وواقعهم الراهن الذي يدعو للأسف بكل تأكيد ,,

ولا شك في أن هناك حالة من الاستقطاب الشديد ما بين الرؤى الواقعية التي ترجح انعقاد قمة عربية تقليدية على غرار القمم السابقة التي حافظت على الحد الأدنى من مظاهر تحفظ ماء الوجه للعمل العربي ولو ببيان نمطي يمكن لأي دارس للعلوم السياسية أن يتوقع محتواه ومضمونه منذ وقت مبكر، ومن حيث المبدأ ليس من قبيل المبالغة التأكيد على أن ما قد تتمخض عنه القمة من بيان تقليدي وقرارات ومواقف متوقعة أمر طبيعي في ضوء العوامل والظروف التي سبقت وواكبت انعقاد القمة ذاتها، ويرى أنصار هذا التيار أنه لا بأس من ذلك في ضوء الظروف القاسية التي تعقد في ظلها القمة العربية من كافة النواحي التي تمر بها الدول العربية أمنيا وسياسيا واقتصاديا ومجتمعيا وحتى على المستويات النفسية والمعنوية، فليس خافيا حجم الخلافات القائمة بين الدول العربية وبعض قادتها مما جعل الجولات المكوكية للأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط بين العديد من العواصم وكذلك الاتصالات العاجلة والقمم الثنائية أمرا محتوما عشية القمة للحفاظ على الحد الأدنى كما سبق الذكر ليتمكن القادة العرب من الاجتماع والخروج بأفضل النتائج في أسوأ الظروف، ومرة أخرى يمثل أنصار هذا التيار أغلبية لا يستهان بها على صعيد الدول العربية كافة في ضوء حالة التشرذم الواضحة بشدة علاوة على الحروب الأهلية والمآسي الكبرى التي تضرب سوريا وليبيا واليمن والعراق، فضلا عن مظاهر توتر أخرى في أكثر من دولة وخلافات حادة مع دول الجوار.
ولكن في مواجهة هذا التيار الواقعي أو المتشائم أو فاقد الأمل في أي قدرة على العمل العربي المشترك والفاعل، هناك تيار آخر يرى – أو هكذا يرغب في أن يرى – أن ما تعاني منه الأمة العربية حاليا ليس إلا تفاعلات تاريخية ظرفية نتيجة عوامل داخلية وخارجية ستأخذ بكل قطع مداها الزمني إلى أن تستهلك نفسها بنفسها بمرور الوقت حتى تعود الأمور لطبيعتها، ويستند أنصار هذا التيار إلى وقائع تاريخية وكذلك جغرافية عديدة، وهم يتفقون مع أنصار التيار الأول في أن القمة العربية تواجه بالفعل أجندة ساخنة جدا متخمة بالأزمات والقضايا المعقدة التي لن تساعد الظروف القائمة في صياغة حلول ناجعة لها، وإن كانوا يعولون على صوت العقل للحيلولة دون مزيد من التدهور في ضوء التحديات الجسام التي تهدد الوجود العربي ذاته، وما بين التمنيات والآمال فإنهم يرون أن ذلك ليس مستحيلا وأن المطلوب على الأقل حاليا هو وضع الأقدام على أول الطريق ويحددون لذلك جملة من الخطوات التي يمكن أن تقود إلى وضع عربي أفضل نسبيا.
ويأتي على رأس الخطوات المطلوبة لوضعية أفضل إصلاح العلاقات العربية – العربية وتغليب المصالح المشتركة والمصير الواحد بمزيد من التحاور والاتصالات للقفز فوق الخلافات وتجديد وتطوير مضامين الرسالة الإعلامية العربية، خاصة بعد أن أصبح المشهد الإعلامي العربي مزدحما بالعديد من الفضائيات والإذاعات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، وتحول الإعلام إلى مشارك أساسي في تشكيل الرأي العام العربي وفي صناعة القرار، ومن هنا تأتى أهمية عملية ترشيد الخطاب الإعلامي العربي ليلتزم بحرفية المهنة وصدق الكلمة وبقواعد السلوك الأخلاقي والإعلامي وبالحس الوطني والقومي في تناوله للعلاقات العربية – العربية، مع ضرورة التفريق بين الخطاب السياسي والإعلامي حتى لا تكون العلاقات العربية عرضة لتيارات جارفة من الخلافات والتراشق بالاتهامات عند نشر خبر أو رأي هنا أو هناك على غرار ما حدث بين مصر والسودان قبل أيام.
ولقد بات القادة العرب مطالبين باستعادة زمام المبادرة في معالجة الأزمات الحادة التي تعانى منها دول عربية مثلما هو الحال في سوريا واليمن والعراق وليبيا والصومال، هذه الدول المهددة بوحدتها وكياناتها، والعمل على وقف النزيف في الجروح المفتوحة في الجسم العربي من خلال وضع هذه الأزمات على طريق الحل في الإطار العربي أساسا، مع الاستفادة من الدعم الدولي، كعامل مساعد للجهود العربية، والكف عن تصدير أزماتنا العربية إلى المجتمع الدولي والمراهنة على الحلول الدولية، خاصة ونحن ندرك الأجندات والمصالح التي تحرك القوى الدولية في مثل هذه الحالات وهى تستفيد وتستغل ذلك، ومدى استغلالها لهذه الأزمات، وكذلك إعادة النظر بشكل سريع في مفهوم الأمن القومي بأبعاده المختلفة العسكرية والإنمائية وحتى الغذائية .. وغيرها، وتشكيل مظلة أمنية عربية جماعية والاستغناء عن المظلات الخارجية في التسلح وفي الدفاع وفى التحكم في مفاتيح القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم والأخذ بناصية العلم والتكنولوجيا في المجالات الصناعية الحيوية بما فيها الصناعات العسكرية والطاقة النووية لاستخداماتها السلمية، وفي الردع النووي عند الحاجة الماسة لتحقيق التوازن والأمن الإقليمي ..
ومن باب المشاركة والإحساس بأهمية تحمل النخب الثقافية لمسؤولياتها فقد تعالت مطالبهم ضمن رؤيتهم لخطط لم الشمل وتفعيل العمل العربي المشترك بمواجهة موجات الإرهاب المتتالية والمتزايدة، ودحر الفكر المنحرف والمتطرف وإنقاذ الشباب العربي من مصادرة أحلامهم ومستقبل أوطانهم من قبل بائعي الأوهام وتجار الدين، وتجفيف المستنقعات التي تفرخ الإرهاب، ووأد النعرات الطائفية والانغلاق التي تتغذى على ما يفرزه الإرهاب من آفات على حساب التعايش السلمي بين مكونات الشعوب واستقرارها، ودعم النهوض بآليات العمل العربي المشترك وفي مقدمتها جامعة الدول العربية من خلال تأكيد القرار السياسي لتحديث ميثاق الجامعة والالتزام بتنفيذ قراراتها، وتمكينها من المقومات الضرورية للاستجابة للمتطلبات العربية ومواكبة قريناتها من المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى، وبلورة موقف استراتيجي عربي لضبط العلاقات مع دول الجوار الجغرافي للوطن العربي من خلال حوار صريح وجدي لنزع فتيل الاحتقان والتوتر في المنطقة، وطرح كافة المشاكل العالقة على طاولة البحث بغية تحقيق التوازن الإقليمي، ومصالح كل طرف بعيدا عن أسلوب الهيمنة وبسط النفوذ على حساب المصالح العربية العليا والاستقرار في المنطقة. إضافة إلى بحث طبيعة العلاقات العربية مع القوى الكبرى في العالم، أخذا في الاعتبار المتغيرات التي طرأت على العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة وتولي إدارة أمريكية جديدة تتبنى نهجا مختلفا في التعامل مع قضايا العالم وبينها الشرق الأوسط مما يحتم على أصحاب الشأن الارتقاء إلى مستوى المسؤولية برؤى ومواقف تجاري العصر ومتغيراته. ولا شك في أن كل هذه الخطوات السابقة يصعب تحقيقها في جلسات قمة لن تتجاوز اليومين، فهي بكل تأكيد تمثل خطة وبرامج طويلة المدى وربما تحتاج إلى سنوات لإقرارها في ظروف طبيعية، فما بالنا والأوضاع شديدة الالتهاب في واقعنا العربي وباتت لا تحتمل أي علاجات أو عمليات شاملة للإصلاح حتى لا تسبب مزيدا من الارتباك أو الاحتقان، ولكن المطلوب كذلك بالتأكيد ألا تترك الأمور هكذا نحو مزيد من التدهور، فقد كان من الضروري أن تنطلق خطط الإصلاح والتطوير منذ سنوات عديدة وأغلب الظن أن إهمالها وتركها سنوات طويلة وصل بأمتنا العربية إلى المشهد الراهن، ومن ثم فان كل الأمل أن تعطي قمة الأردن إشارة انطلاق حقيقية نحو خطط إصلاح العمل العربي المشترك وتفعيله بإرادة سياسية شاملة وأكبر قدر من حسن النوايا، والأهم من ذلك استشعار حجم المخاطر والتحديات الخطيرة التي تعترض أمتنا العربية من المحيط إلى الخليج، ولا تستثني أحدا.