ما بين المظهر والجوهر .. في حتمية «لم الشمل»

علاء الدين يوسف –
,, ليس من المنطقي التعامل مع تعبير «لم الشمل» من منطلق عاطفي أو شكلي خاصة في الظروف الراهنة التي تمر به أمتنا العربية ووصلت بها إلى مستوى غير مسبوق من التدني في أوضاعها الداخلية وعلاقاتها البينية ما يجعل قمة الأردن فرصة عاجلة لوضع أسس جديدة لمنظومة أفضل أو وضع حد للتدهور على أقل تقدير ,,  

الواقع أن «لم الشمل» أصبح مسألة جوهرية وضرورية أكثر منها مجرد مسألة شكلية أو عاطفية مثلما سبقت الإشارة، فلم يعد من المقبول الاكتفاء بالحفاظ على دورية الانعقاد للقمة العربية كأنها تمثل منتهى الآمال للعمل العربي المشترك، وكذلك من غير المقبول استمرار العمل داخل دوائر وجزر منعزلة دون تحقيق وحدة الهدف لتتحول هذه الدوائر المغلقة إلى دائرة كبيرة مفرغة تتوه فيها القضايا الحيوية لأمتنا العربية وعلى رأسها بالتأكيد إحياء العمل العربي المشترك الذي بات في خطر جسيم ووصوله إلى درجة غير مسبوقة من التردي، وليس أدل على ذلك من لجوء أطراف عربية عديدة إلى التعامل الاستراتيجي مع قوى إقليمية أو دولية خارج الفضاء العربي حتى لو كان ذلك على حساب القضايا العربية الحيوية والمصيرية أو العلاقات العربية البينية. لقد كان لافتا على سبيل المثال عودة المغرب مجددا إلى الاتحاد الإفريقي لاستئناف عضويتها في المنظومة الإفريقية بعد سنوات من الغياب الطوعي، وبرغم أن القرار المغربي هو قرار سيادي من الدرجة الأولى ويعد عملا إيجابيا إلا أنه يعكس بشكل أو بآخر رغبة المغرب في الارتباط بمحيط أكثر اتساعا تمارس فيه دورها الحيوي سياسيا واقتصاديا، وأغلب الظن أن المحيط العربي لم يعد يحقق لها مثل هذه الطموحات فلجأت للمحيط الإفريقي مجددا، وعلى الشاكلة نفسها سارت دول عربية أخرى مما يجعل منظومة الأمن القومي العربي في مواجهة اختبار «تكون أو لا تكون».
قمة الأردن غدا (الأربعاء) تواجهه إشكالية كبرى، وأغلب الظن أنها لن تتمكن من صياغة تصور شامل لها وسط هذه الأجواء المشحونة والمتوترة في ساعات معدودة تتعلق بمفهوم الأمن القومي والمنظومة المتكاملة للعمل العربي المشترك، وليس خافيا أن الأوضاع العربية ليست في أفضل حالاتها في التعاطي مع كثير من الخلافات والقضايا العربية – العربية والعربية – والخارجية التي تتطلب مواقف أمنية أو عسكرية وتنسيقا أكبر في إطار منظومة متكاملة للأمن القومي العربي، ولكن الدول العربية خسرت الكثير بسقوط مئات الآلاف من الشهداء وعشرات أمثالهم من الجرحى والمصابين والمشوهين فضلا عن تدمير القدرات الاقتصادية والتنموية والعسكرية لعديد من الدول العربية نتيجة العجز عن التدخل السريع والناجز لاحتواء مشاكل متصاعدة في مهدها أو الوصول إلى حلول عملية وناجعة لها قبل أن تتفاقم وتصل إلى مرحلة اللاعودة ولو بأقل الخسائر والأضرار، ومن المؤسف أن السلاح العربي الذي كان يجب أن يوظف لخدمة القضايا والمواقف العربية تم توظيفه بدلا من ذلك في قتل العربي لأخيه العربي، وليس هذا فحسب وإنما كان الطرف الأجنبي عادة هو الطرف المنقذ لبلد عربي في مواجهة خلاف عربي آخر.
أيضا في كل هذه الأزمات دفعت الدول العربية أثمانا باهظة نتيجة عدم القدرة على العمل المشترك وغياب المفهوم الحقيقي للأمن القومي العربي سواء في الناحية الهجومية أو حتى الدفاعية، أو تبني مواقف مشتركة تجنب العرب ما هو أسوأ، وبدا ذلك واضحا في التعامل مع التطورات والتداعيات التي تعيشها الأمة العربية منذ أحداث «الربيع العربي» حيث تعرضت جامعة الدول العربية لأوضاع جديدة طارئة ومفاجئة أصابتها حتى اليوم بارتباك شديد خاصة أن سلسلة من الزلازل العنيفة ضربت قوى كبرى فيها إلى حد الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية، فكانت العشوائية هي السبيل الوحيد للتعامل مع هذا الوضع الجديد من خلال تحديد كل دولة لمواقفها ومصالحها.
وفي ضوء هذه الحقائق المؤلمة فإن منظومة الأمن القومي الناجحة تحتاج بالقطع إلى تحديد سلوكيات ومناهج واضحة لأولويات العلاقات البينية وأيضا لطبيعة وأهداف العمل الإقليمي المشترك وتحديد علاقات تتسم بالثبات والاستمرارية والوضوح في التعامل مع دول الجوار الإقليمي، هذا المنهج أيضا لا يزال غائبا في منظومة الأمن القومي العربي، فالتعامل مع دول الجوار خاصة إيران وتركيا تنقصه الرؤية الاستراتيجية، وحتى مع دول التخوم الإفريقية يفتقد الشيء ذاته، والواضح أن الدول العربية تتعامل بشكل اجتهادي وكل على حدة تجاه تلك الدول، ولقد طال الحديث عن مظاهر الفشل في إقامة منظومة أمن قومي فاعلة لجامعة الدول العربية منذ إنشائها حتى يومنا هذا برغم ظهور أفكار ومؤشرات على ضرورة تحقيق ذلك من خلال منظومة متكاملة، إلا أنه يجب الأخذ في الاعتبار أن الحقائق القائمة اليوم في دولنا العربية تختلف كلية عن تلك التي ولدت فيها جامعة الدول العربية فضلا عن أن النظم السياسية العربية ليست واحدة في طبيعتها ومكوناتها مما يصعب من إمكانية الاتفاق على أهداف ومناهج واحدة، ومن هذا المنطلق يصعب الحديث عن منظومة أمن قومي عربي واحدة وفاعلة رغم أهميتها وضرورتها لإصلاح وتفعيل جامعة الدول العربية حاضرا ومستقبلا، وأغلب الظن أن ذلك لن يتحقق إلا بحزمة من الإجراءات التي يجب أن تكون عاجلة ومدروسة بحيث تكرس مفهوم الحفاظ على العلاقات البينية واستمرارية العمل المشترك مهما كانت درجة الاختلاف في وجهات النظر.
ومن ثم وبعيدا عن الشكليات أصبح من الضروري على الدول العربية اتخاذ سلسلة من الإجراءات والتحركات الجوهرية العاجلة ليس لدعم مسيرة العمل المشترك فحسب، ولكن للحيلولة دون وصول العرب إلى السيناريو الكارثي الذي يصل بهم إلى ما هو أسوأ، وعلى رأس هذه التحركات حتمية إصلاح العلاقات العربية البينية، باعتبارها المنطلق الأساسي لما سيأتي بعد ذلك، وتنقية أجواء العلاقات العربية وإزالة الغيوم التي تسود أفقها فيما بين بعض الدول العربية، والعمل على استعادة المبادرة والفعل للموقف العربي الواحد، وهو ما يتطلب التحرك الميداني من القيادات، عبر تحرك الحكماء، وتكثيف الزيارات الميدانية، واستعمال الدبلوماسية العامة عبر شخصيات عربية مرموقة أو مجموعة حكماء لإجراء الاتصالات واستكشاف الحلول لمعالجة أزمات عربية معينة ما بين هذه الدولة أو تلك، وكذلك التشاور حول المسائل التي نريد كعرب وكدول وكمجموعة طرحها جماعيا، بعيدا عن إرباك الموقف العربي بطرح مبادرات غير مدروسة أو مواقف غير ناضجة وليس بشكل تلقائي ودون تحضير، والعمل على إرساء أساليب وأطر توائم ما بين المصالح الوطنية لكل دولة والمصالح الجماعية المشتركة، وإزالة الشكوك وهى إحدى النقاط السوداء وعدم الثقة التي تطرأ في السماء العربية من حين لآخر، وعدم السماح للاختلاف في الرأي أن يتحول إلى خلافات تسيء للعلاقات العربية وتنعكس سلبا على المواطن العربي. ومن المهم جدا – وربما ظهرت مؤشرات مبكرة على ذلك – إبقاء القضية الفلسطينية مهما كانت المشاكل والأزمات على رأس الأولويات العربية وفي دائرة الاهتمام الدولي، خاصة بعد أن فشلت جميع المساعي والمبادرات بما فيها المبادرة العربية لإيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، ودخلت القضية حالة الجمود بسبب اختلال المعادلة مع قوة الاحتلال الإسرائيلي المحصنة ضد أي محاسبة أوعقاب من المجتمع الدولي، وأيضا بسبب الوضع الفلسطيني والعربي، وهذا الواقع يتطلب أفكارا خلاقة ومقاربات جديدة لكسر هذه المعادلة المختلة، وبدون شك تمثل البرلمانات العربية روافد هامة للدبلوماسية العربية في تحريك هذا الواقع لنصرة القضية الفلسطينية، وتوفير سبل الدعم الكافي لصمود الشعب الفلسطيني، وبالتأكيد ليس في ذلك أي شبهة للمتاجرة بالقضية الفلسطينية أو الدم الفلسطيني، فوجود قضية مركزية يلتف حولها العرب في هذه المرحلة الخطيرة أمر شديد الأهمية للم الشمل العربي من الناحيتين الظاهرية والجوهرية بعدما استطاعت قوى إقليمية ودولية تحويل أمتنا العربية إلى شظايا متفرقة.