كتاب «بُغية الفلاحين» في الأشجار المثمرة والرياحين

يوافق بين المعرفة النظرية والتجربة العملية وما بين العلم والخرافة والفلكلور –

تتعلق مادة الكتاب بعلم الزراعة (الفلاحة) بشكل عام حسب المعرفة السائدة في الدولة الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط (العصور الوسطى). يضم هذا الكتاب الذي تم نشره في مجلدين مجموعة من المعارف الزراعية ضمن مساحات زمنية وجغرافية تمتد زمنيا من القرن السادس الميلادي وحتى القرن الربع عشر الميلادي ومستمدة من بيئات جغرافية أندلسية، شامية، آسيا الصغرى – عراقية – يمنية، لكن التجربة الزراعية اليمنية واضحة بصورة كبيرة ولها حيز كبير في جزئيات الكتاب.
يجمع الكتاب ما بين المعرفة النظرية والتجربة العملية، وما بين العلم والخرافة والفلكلور، كما جمع أيضًا في طياته معلومات مستمدة من علوم أخرى كمعاجم اللغة، والفقه والجغرافيا، والفلك، والطب، والصيدلة. كذلك وجدت فيه معلومات عن إنتاجية الأرض والضرائب المفروضة عليها والمكاييل والموازين المستخدمة في اليمن في عصر بني رسول.
يشير الدكتور خالد الوهيبي إلى أن العمل في هذا المشروع انقسم إلى قسمين. اهتم القسم الأول بدراسة متخصصة حول المؤلف وماهية الكتاب، وتطرق إلى دراسة المخطوطات التي تمت الاستعانة بها في منهجية التحقيق. أما القسم الثاني، فيتمثل في مادة تحقيق الكتاب، أي إخراجه من حيز المخطوط إلى المطبوع، حيث تمت المقارنة ما بين النسخ المستخدمة، كما تم توضيح كل الكلمات الصعبة والغامضة والمصطلحات الواردة في النص، والتي تحتاج إلى توضيح، والتعريف بكل الشخصيات والأماكن.
وتتمثل أهمية هذا الكتاب الذي طبع في جزءين كبيرين، وأضيفت إليه فهارس في نهاية الجزء الثاني في أن هناك عدّة نقاط إيجابية أَعْطَتْ لهذا الكتاب أهميةً علميةً تاريخيةً كبيرةً كعمل علمي مهم فِيْ الزراعة. وتتلخص هذه الأهمية في:
أولاً: يُعَدُّ كتاب بُغْيَةُ الفلاحينَ، أكبرَ كتابٍ من حيث الحجم ألّفَ فِيْ علم الزراعة فِيْ اليمن، وفي شبه الجزيرة العربية فِيْ العصر الإسلامي الوسيط.
ثانيًا: حَفِظَ نصوصًا زراعية تعود إلىْ كتب مفقودة كليًّا أوْ جزئيًا. ومن الكتب المفقودة كليًّا هي: كتاب الإشارةُ فِيْ العمارةِ للملك المجاهد، وكتب المفضل بن علي الأزدي «مجموع لمنافع الأشجار والنبات» و«الفلاحة». وهناك كتب لمْ تصل للمؤلف كاملة، وجدت بعض نصوصها فِيْ «بغية الفلاحين» مثل كتاب «مُلحْ المَلاحَة» للملك الأشرف، و«ديوان الفلاحة» لابن بصال، و«دلائل القبلة» لابن القاص، و«عُمدة الطبيب» لأبي الخير الأندلسي.
ثالثًا: يمكن استخدام النصوص المنقولة من المصادر والموجودة فِيْ كتاب بُغْيَةُ الفلاحينَ، فِيْ تحقيق الكُتب التي لا تزال فِيْ هيئة مخطوطة، أوْ استعمالها فِيْ إعادة تحقيق الكتب المطبوعة أوْ التي لم تحققْ تحقيقًا علميًا صحيحًا.
رابعًا: يعتبر هذا الكتاب، من أهم الكتب شمولية حول أساليب الزراعة وطرقها فِيْ اليمن فِيْ العصر الإسلامي الوسيط. ويعتبر هذا الكتاب مصدرًا مهمًا حول المحاصيل المزروعة فِيْ اليمن وأماكن زراعتها (الجغرافيا الزراعية) فِيْ العصر الإسلامي الوسيط. كما يعتبر هذا الكتابُ مصدرًا مهمًا لمعرفة النباتات ذوات الاستخدام الطبي والصيدلي، والمعادن وأماكن وجودها فِيْ اليمن فِيْ العصر الإسلامي الوسيط.
خامسًا: يعتبر أحدَ المصادرِ التي يمكن الاعتماد عليها فِيْ معرفة المكاييل والموازين المستعملة فِيْ اليمن فِيْ عهد بني رسول وفي العصر الإسلامي الوسيط ككل.
سادسًا: يعتبرُ هذا الكتابُ أحد المصادر التي يمكن الاعتماد عليها فِيْ معرفة إنتاجية الأرض الزراعية، والضرائب المفروضة عليها فِيْ اليمن فِيْ عهد بني رسول.
سابعًا: يعتبر هذا الكتابُ مصدرًا مهمًا لمعرفة انتقال بعض المحاصيل والنباتات من بيئات أخرى (الحبشة، شرق إفريقيا، الهند، شرق آسيا) إلىْ اليمن فِيْ العصر الإسلامي الوسيط.
ثامنًا: هذا الكتاب يعطي فكرةً جيدةً عنْ اهتمام سلاطين بني رسول بشؤون الزراعة. ويعطي الكتاب بيانات مفصلة عنْ الإنتاج العلمي والاهتمامات المعرفية لملوك بني رسول.
يتناول هذا الكتاب في مجمله جملة من الموضوعات تشمل الأرض الزراعية وأنواع التربة الصالحة للزراعة، والأسمدة وأنواعها المستخدمة لتخصيب التربة، مواضع وجود المياه وكيفية استخراج المياه، وأنواع المياه وخصائصها، حراثة الأرض وتقليب التربة، الأوقات المناسبة للزراعة والتقويم الزراعي.
كما يتناول الكتاب زراعة المحاصيل كالحبوب، والبقوليات، والخضروات الورقية والجذرية، والقرعيات، والشبت، والكزبرة، والكمون، أنواع الزهور والورود، والأشجار المثمرة، كالعنب والحمضيات واللوزيات، والنارجيل، وقصب السكر، والقطن. كما ذكر أيضًا، ما يصاحب زراعة هذه المحاصيل والأشجار كعمليات الحرث والبذر والحصاد والتذرية والتخزين.
يتطرق الكتاب أيضًا إلى تقليم الأشجار المثمرة وتهجينها، ومنافع المحاصيل والأشجار المثمرة لصحة الإنسان، وطرق التخلص من الحشرات وغيرها من الآفات المضرة بالمحاصيل والأشجار.
في فصله الأخير، تناول المؤلف إنتاجية الأرض الزراعية في اليمن والضرائب المفروضة عليها، والمقاييس المستخدمة لقياس الطول والوزن والكيل والنقد في اليمن في عصر بني رسول، الأماكن المناسبة لبناء المساكن وخصائص الأقاليم الجغرافية وتأثيرها على الزراعة.
تم تصنيف هذا الكتاب، الذي تم تدشينه خلال فعاليات معرض الكتاب 2017، أحد المراجع الأساسية في مجال الزراعة وهندسة التعامل مع وسائل الري التقليدية في شبه الجزيرة العربية.