المستثمر المحلي في الميزان

سالم بن سيف العبدلي –
samadshaan@yahoo.com –

الاستثمار بكافة أنواعه دائما ما يخضع لعدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها من العوامل، وهناك اعتبارات متعددة تختلف من مستثمر إلى آخر تحدد طبيعة ونوع استثماره ومكان ووقت إنجازه، ويوجد نوعان من الاستثمار هما المحلي والذي يكون مصدره رؤوس أموال محلية واستثمار أجنبي والذي يكون مصدره رؤوس أموال مستوردة أو قادمة من الخارج، وكلا النوعين لهما جوانب إيجابية وسلبية على الاقتصاد الوطني وعلى المستثمر نفسه ولا مجال للدخول في تفاصيل هذا الموضوع في هذه الوقفة.
نتحدث اليوم عن ظاهرة لاحظناها بشكل واضح وهو تزايد الاستثمار الأجنبي في السلطنة في الوقت الذي نجد أن المستثمر المحلي لا وجود له في السوق المحلي عدا في بعض القطاعات المحدودة طبعا ليس لدينا أرقام محددة إلا أننا من خلال متابعة الواقع نستنتج هذا الوضع، إن تزايد الاستثمار الأجنبي يدل دلالة أكيدة على أن المناخ الاستثماري في السلطنة جاذب للاستثمار ومشجع رغم وجود بعض العقبات التي ما زالت تواجه المستثمر والتي تحدثنا عنها بالتفصيل في مقالات سابقة.
خلال السنوات الماضية قامت الدولة بتوفير بيئة جاذبة للاستثمار خاصة في قطاعات مهمة كالتجارة والصناعة والسياحة والصحة والتعليم والصناعات التحويلية والخدمات بكافة أنواعها وإن كانت هناك بعض العقبات التي ما زالت تعيق تنفيذ المشاريع الاستثمارية إلا أن القطاع الخاص استطاع ان يتكيف مع بعض منها ، كما أن الموقع الاستراتيجي للسلطنة ساعد على جذب الاستثمارات وقد دخلت رؤوس أموال أجنبية خاصة من شبه القارة الهندية والصين ومن بعض دول الجوار ورغم أهمية مثل هذه الاستثمارات إلا أنها لم تساهم بشكل مباشر في تنمية وتطوير الاقتصاد الوطني فهي لم توفر فرص عمل مناسبة للشباب العماني وعندما نقول مناسبة فإننا نعني مناسبة من حيث العدد والبيئة والمزايا والحوافز .
المستثمر المحلي الذي كان من الأولى أن يستثمر داخل الوطن نجد أن حضوره محدود للغاية وقد تركز استثماره أكثر في قطاع العقارات كونها سريعة الربح وهذا النوع من الاستثمار لا يعزز الاقتصاد الوطني بينما قطاعات مثل السياحة فإن جل المستثمرين فيه من الأجانب فأغلب الفنادق والمنتجعات السياحية يمتلكها مستثمرون أجانب إذا ما استثنينا شركة عمران وهي شركة حكومية 100%.
وفي قطاع التعليم نجد أن أغلب المدارس الدولية وبعض الجامعات الخاصة يستثمر فيها الأجانب أما المستثمر المحلي فوجوده محدود جدا عدا بعض الصناديق الاستثمارية المحلية التي تدخل في شراكة مع مستثمرين محليين وقس على ذلك قطاع الصحة فانتشرت المراكز والمستشفيات والمجمعات الطبية في العاصمة مسقط وبعض المدن الرئيسية وهي أغلبها مملوكة للأجانب، أما في قطاع التجارة فيوميا نشاهد افتتاح المجمعات التجارية الكبيرة والبعض منها يتوسع ويفتح فروعا في مختلف محافظات السلطنة وهي أيضا أصحابها ليسوا عمانيين.
أما في قطاع الأغذية فإن القطاع الخاص المحلي وجوده محدود جدا، فخلال الأربعين سنة الماضية هناك شركات استثمارية تعد على أصابع اليد قامت بالاستثمار في مشاريع مثل الدواجن والألبان وفي السنوات الثلاث الأخيرة دخلت شركة حكومية لتستثمر في هذا القطاع المهم وبمشاركة صناديق استثمارية محلية وإقليمية إلا أن المستثمر المحلي ما زال غائبا عن مثل هذا النوع من الاستثمار.
وأحيانا نتساءل لماذا هذه المؤسسات أو الشركات تتحايل على موضوع التعمين بعدة طرق ولا تترك للمواطن مجالا لكي يتقلد مناصب عليا، فإذا عرف السبب بطل العجب فهذه الشركات والمؤسسات المملوكة للأجانب هدفها في المقام الأول الحصول على أرباح طائلة وتعظيم عوائدها وتصدير صافي أرباحها إلى الخارج وكما يقال الأقربون أولى بالمعروف فتجدها تستقدم قوى عاملة من نفس جنسيتها وتعينهم على رأس الهرم أما العماني فعليه أن يقبل بالوظائف الدنيا وبالراتب الذي تحدده.
لا شك أن هناك بعض المبادرات والمحاولات إلا أنها خجولة جدا وأغلبها محاولات فردية من بعض المستثمرين والذين لا يمكن أن نطلق عليهم شركات، فهم من فئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والذين يشكلون أكثر من 80% كنسبة إلا أن رؤوس أموالهم لا تساوي شيئا أمام الشركات الأجنبية الكبيرة التي تستثمر في قطاعات واسعة.
لذا نقول إذا ما استمر الوضع كما هو عليه ولم تعد رؤوس الأموال المهاجرة إلى الوطن فإننا لن نشهد قطاعا خاصا حقيقيا يخدم الاقتصاد الوطني وهذه دعوة نقدمها للمخلصين من أبناء هذا الوطن وأصحاب رؤوس الأموال أن يشغلوا أموالهم داخل البلد فهو أولى وأضمن لهم من تشغيلها في الخارج.