أبعاد متعددة للتوتر بين أنقرة وأوروبا

سمير عواد –
مجرد مصادفة أن تكون تركيا بالذات، ضيف الشرف هذا العام في معرض السياحة الدولي الذي يُقام سنويا في ألمانيا، ويستقطب آلاف الخبراء والزائرين من ألمانيا وخارجها، كما يُعتبر اختبارا للاقتصاد السياحي في العالم، خاصة في ضوء النزاعات والأزمات الدولية، التي تؤثر سلبا على السياحة في دول العالم التي تشكل السياحة أهمية كبيرة لاقتصادها وعوائدها، مثل العديد من الدول العربية والإسلامية والإفريقية. مثال بسيط على ذلك، أن البلدان العربية المعنية مباشرة وغير مباشرة بالربيع العربي، لا تزال تعاني منذ مطلع عام 2011، من تراجع كبير في عدد السياح. وفي ضوء تسليط الأضواء في الوقت الراهن على الحرب الكلامية الساخنة بين تركيا وألمانيا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي مثل هولندا والنمسا، فقد تراجعت نسبة الحجوزات في تركيا من قبل الألمان، الذين يُعتبرون أبطال السياحة في العالم، بنسبة 58 بالمائة. وبينما يعاني البعض، يستفيد البعض الآخر، مثل بلغاريا وجزيرة «مايوركا» الأسبانية التي تُلقب بالولاية الألمانية رقم 17، نسبة للغزو الألماني لها على مدار العام.
والواقع الصعب للسياحة التركية، هو نتاج النزاع حاليا بين أنقرة وبرلين وعواصم أوروبية أخرى، خاصة أن العلاقات بين تركيا وألمانيا، الحليفين في حلف شمال الأطلسي «ناتو»، عرفت أوقاتا أفضل. وتعود العلاقات التركية الألمانية إلى العهد العثماني في القرن التاسع عشر، وبلغت ذروتها في تلك الفترة، عندما أصبحا أخوة في السلاح خلال الحرب العالمية الأولى، ولا يزال في ضاحية «فيلمرسدورف» في مدينة برلين، أول مقبرة إسلامية دُفن فيها جنود أتراك، وكانت توصف بأنها وثيقة جدا منذ عهد المستشار الألماني أوتو فون بيسمارك.
وفي عقد الستينات من القرن الماضي، أدركت ألمانيا أنها بحاجة ماسة إلى «عمال ضيوف» لمساعدتها في النهضة الاقتصادية، ولأن الألمان الذين كانوا قد بدأوا يتعافون من آثار هزيمة الحرب العالمية الثانية، لم يعودوا يرغبون في ممارسة وظائف من الدرجة الثانية، مثل قيادة الحافلات أو تشغيل المعامل، وبدأ العمال الضيوف يتوافدون من يوغسلافيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، أي الدول الأوروبية الفقيرة في تلك الفترة، إلى ألمانيا، ثم جاء الأتراك، وظن البعض أنهم سوف يعودون إلى بلدهم بعد سنوات قليلة، لكن في الغضون، يعيش الجيل الرابع منهم، ويبلغ عددهم أكثر من أربعة ملايين نسمة، يحق لنحو 1.6 مليون منهم، الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التي تجري في تركيا، مما جعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يخطط لحملة انتخابية في مدن ألمانية وأوروبية حيث توجد جاليات تركية كبيرة، لكنه كان يعتقد أن ذلك سوف يتم له دون عراقيل وهو ما لم يتحقق في الواقع بسبب الخلافات التي طرأت.
ويتفق المراقبون في أنقره وبرلين، أن العلاقات التاريخية والطويلة بين ألمانيا وتركيا، وصلت الى أدنى مستوياتها في هذه الفترة. فكل يوم تطالعنا الأنباء بانتقادات وصلت إلى حد الشتائم بين مسؤولين من البلدين، ويؤجج نار النزاع، الجيش الكبير من الصحفيين على الجبهتين. وقامت وزارتا الخارجية في أنقره وبرلين، مرارا باستدعاء السفيرين التركي والألماني، وكل مرة كان يتم تسليمهما مذكرات احتجاج. ولولا البعد الجغرافي، لربما تطور الأمر الى استنفار الجيشين التركي والألماني مثلا. وهذا الخلاف يحدث في الواقع في مرحلة حساسة، تحتاج فيها برلين إلى أنقره أكثر من أي وقت مضى. إذ يعيش في تركيا أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري. وقامت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بدور رئيسي لإبرام اتفاقية للاجئين مع أنقره، لهدف وقف تدفقهم عبر بحر «إيجه» إلى الجزر اليونانية على الضفة الأخرى، ولأنها تريد الفوز في سبتمبر المقبل بولاية رابعة في منصبها، فإن استمرار العمل بالاتفاقية يخدم هدفها، وتدفق موجة جديدة من اللاجئين، سوف يسبب لحملتها انتكاسة كبيرة. ولهذا السبب يتهمها خصومها السياسيين بالتزام الصمت على انتقادات أردوغان الذي استخدم عبارات قاسية عندما قال إنهم يستخدمون ممارسات «نازية» لمنع السياسيين الأتراك من السفر لألمانيا لهدف المشاركة في مهرجانات خطابية مؤيدة لمشروعه بتعديل النظام الرئاسي، وحصوله في المستقبل على صلاحيات أكثر.
ويعتقد البعض أن النزاع له أسباب عديدة تراكمت في السنوات الماضية، مثل التزام أوروبا الصمت عندما تمت محاولة الانقلاب على أردوغان في الصيف الماضي ولم يزر مسؤول أوروبي تركيا ليعرب عن تضامنه مع الرئيس التركي الذي اتهم حركة «فتح الله جولن» بالتخطيط للإطاحة به، وطلب من الأوروبيين تسليمه أتباع الحركة وأتباع حزب العمال الكردي الذين حسب قول أنقرة، ينعمون بالأمان في أوروبا ويخططون على أراضيها عمليات إرهابية في تركيا. ورفض أنقرة الصلح مع إسرائيل وإعادة إقامة علاقات استراتيجية معها، بعد التقارب الذي تم بين أنقرة وعواصم عربية. ثم النزاع التركي- الكردي، حيث تتهم أنقرة الأوروبيين بالتحيز لصالح الأكراد، وتسمح لهم بممارسة نشاطاتهم في بلدانهم في الوقت الذي يمارسون الإرهاب في تركيا. بالإضافة إلى رفض دول الاتحاد الأوروبي انضمام تركيا إلى الاتحاد، رغم أنها حصلت على وعد من الأوروبيين منذ عقود، بأن تجري مفاوضات العضوية معها. وقال سياسيون أوروبيون علنا أنهم لا يريدون دولة إسلامية في الاتحاد الأوروبي. كما أن الاتحاد الأوروبي لم يضع سياسة للتعامل مع تركيا. ثم قرار البرلمان الألماني الذي اعتبر جرائم العثمانيين ضد الأرمن «حرب إبادة»، رغم أن الألمان أنفسهم لم يعتذروا بعد عن حرب الإبادة التي قاموا بها ضد شعبي «هريرو» و«ناما» في ناميبيا، وكان أجدر بهم القيام بهذه الخطوة قبل أن يحملوا تركيا مسؤولية جرائم العثمانيين.
وتراقب برلين وشركاؤها في الاتحاد الأوروبي، التقارب الحاصل بين أنقرة وموسكو، والذي يكشف أن أنقرة تملك خيارات، مثل الانسحاب من حلف شمال الأطلسي، الذي كانت خلال الحرب الباردة تحمي جناحه قبالة روسيا. وان كان ذلك احتمال ضعيف تماما لأسباب تركية وغربية كما انه لا غنى للغرب عن تركيا كشريك في الحرب ضد «داعش».
وفي نهاية المطاف، لا غنى عن أنقرة، واستمرار الحرب النفسية ضد أردوغان، لا يخدم مصالح الأوروبيين الذين يحتاجون له اليوم أكثر من أي وقت مضى.