بعبارة أخرى – يوم المرأة وفسح النور

د. حسن مدن –

في الثامن من مارس الجاري مرّ اليوم العالمي للمرأة، ما يحفز على الوقوف أمام ما جرى التعارف على وصفه بـ : «قضية المرأة» التي هي على مقدار كبير من التشعب والتعقيد بحيث يصعب الإحاطة بتفاصيل هذه القضية في أنشطة يوم واحد، لكنا حسبنا أن نجعل من هذا اليوم محطة مراجعة دورية لما أنجزه المجتمع على طريق تلبية حقوق المرأة، ومنا يتعين على النساء أنفسهن أن يبذلنه من جهد في هذا السياق.
والحق أن الثامن من مارس هو من الأيام التي أصبحت عالمية، بفضل ما تحمله من دلالات مطلبية، لا بل وكفاحية، فهذا اليوم لم يكن في الأصل اختراعاً «ذكوريا»، تفضل به الرجل على المرأة، فالمكافحات من نساء العالم كن يحتفلن به، تخليداً لذكرى جرى اختيارها بعناية، كونها تعبر لا عن توق النساء للحرية والعدالة فحسب، وإنما عن نضالهن وتضحياتهن في سبيل بلوغ ذلك، قبل أن تختاره الأمم المتحدة يوماً عالمياً سنة 1977.
ففي مثل هذا اليوم من عام 1857، نظمت آلاف النساء العاملات في قطاع النسيج والخياطة مظاهرة حاشدة بمدينة نيويورك الأمريكية طالبن فيها بالتالي: تقليص ساعات العمل اليومية من 16 ساعة إلى 10 ساعات، ومساواة النساء مع الرجال في الأجور، وتحسين ظروف العمل. وتدخل الجيش لقمع تلك المظاهرة التي يُروى أنه سقط خلالها نحو 130 قتيلة، فضلاً عن اعتقال المئات.
حينها انبثقت فكرة اختيار عيد المرأة العالمي، في الثامن من مارس كل عام، فسحة لتأكيد حقوق المرأة التي أهدرت عبر التاريخ، وهذا العيد الذي بدأ بدلالات سياسية ومطلبية مباشرة سرعان ما اكتسب مغازيه الإنسانية العميقة كيومٍ للاحتفاء بالمرأة كرديف للحب وللجمال والحنان والأمومة والفضاءات العذبة.
ورغم أن بعض المناهج الحديثة في إطار اهتمامها بالتواريخ الفرعية، تميل إلى الحديث عن تاريخين منفصلين واحد خاص بالنساء وآخر خاص بالرجال، لكن التاريخ في نهاية المطاف هو تاريخ واحد وللبشر جميعاً بصرف النظر عن جنسهم، مع إقرارنا بأن ثمة خصوصية في قضية المرأة هي نتاج قرون من النظرة المتخلفة التي كرسها المجتمع نحوها، ما يجعل من غير المتيسرالنظر إلى هذا الموضوع ونحن في منجاة من تلك الظلال التي تفرضها تلك الخصوصية، دون النجاة من شرك التعقيد التي هي عليه، وهما خصوصية وتعقيد استدعيا مئات وربما آلاف الكتب التي تتحدث عن المرأة من الأوجه المختلفة، منذ أن أصبح المجتمع العربي معنياً بأسئلة النهضة منذ نحو قرن أو أكثر.
وحين طرحت تلك الأسئلة، كان الجزء المتصل بالمرأة أحدها. حتى أنه لن يتأتى الحديث عن المشروع النهضوي العربي، وعن ديناميكية التحديث التي شقت لنفسها طريقاً في المجتمعات العربية والإسلامية دون الوقوف على حجم ذلك التغير الذي أصاب مكانة المرأة ودورها، ووعيها، وعيها بنفسها كقضية ووعيها بالشأن الاجتماعي – السياسي العام.
ففي مطالع القرن العشرين، وفيما كان العالم يضج بالآمال والأحلام والمشاريع الكبرى، جرت النظرة إلى الحركة النسوية بوصفها إحدى روافع المجتمع الجديد المنشود الذي يحقق الحرية والكرامة والتكافؤ لأفراده من الجنسين. كانت الناس تنتقم من قرون القمع والاضطهاد والكبت الطويلة، وتتوق إلى مرافئ السعادة والعدالة والانعتاق
ولست هنا بصدد الوقوف مطولاً أمام الكتاب الذي أطلق الشرارة الأولى في الموضوع النسوي، أعنى به كتاب قاسم أمين «تحرير المرأة» الذي كان قد صدر عام 1899، في خواتم القرن التاسع عشر يوم كانت مصر خاضعة لنير الاحتلال البريطاني، لكن يتعين القول إن أهم ما في هذا الكتاب هي الروح التي أطلقها، والمناخ الذي أشاعته، وليس سقف المطالب أو الأهداف التي رسمها للمرأة، فهو على سبيل المثال اكتفى بالمطالبة بحق التعليم الابتدائي للبنات ولم يقترح إلا على النساء الفقيرات ومن لا عائل من الرجال لهن إكمال تعليمهن أو العمل وذلك حتى لا يلجأن إلى الأعمال غير اللائقة حسب قوله.
وهذا سقف تجاوزته فيما بعد رائدات الحركة النسوية بين بواكير القرن العشرين ومنتصفه من أمثال هدى شعراوي وسيزا نبراوي وبعدهما بفترة درية شفيق وأخريات، بل إن نساء اليوم، بما في ذلك المحافظات منهن، أكثر راديكالية من قاسم أمين فيما يخص مواضيع التعليم والعمل، والمشاركة في بعض مناحي المجال العام مثل السياسة.
تغيرت أشياء كثيرة في هذا العالم، ودخل عالمنا العربي بالذات مرحلة جديدة تشكل في جوهرها تراجعاً حتى عن قيم التحديث نفسها، وأشد ما تظهر معالم هذا الأفول في العلاقة مع قضية المرأة التي كانت حتى عقود قليلة مضت محكاً أو معياراً لجدية نهج التحديث نفسه، سواء في إطار الحكومات أو في إطار المؤسسات الأهلية أو حتى في الحياة الشخصية، فاشتدت الضغوط على المرأة، إنسانة وموقفاً ورؤية.
وحتى مريدو التحديث أصبحوا أميل إلى التوفيق منهم إلى الجرأة والوضوح والصراحة في ما يتصل بهذا الجانب تحديداً، بالصورة التي يبدو فيها خطاب رفاعة الطهطاوي في القرن التاسع عشر يوم وصف حال النساء في مصر بأنه بطالة معممة، أكثر جرأة ووضوحاً وشجاعة.
وإذ تبدو الدول العربية إجمالاً خجولة ومترددة في العلاقة مع حقوق المرأة، خاصة في ميدان الأحوال الشخصية، إذا ما استثنينا حالات نادرة، فإن بعض التيارات الفكرية والاجتماعية عوضاً عن أن تتوجه نحو معالجة القضايا الجوهرية المتصلة بالتنمية وبالحقوق السياسية توجه جهدها الأكبر نحو مصادرة الهامش المتواضع من الحرية والحقوق التي نالتها المرأة لتفرض إرهاباً ورعباً وتخنق منجزات «اللحظة الليبرالية» كما يسميها غسان سلامة.
والعبرة ليست فقط في سن التشريعات العادلة، على أهمية ذلك، إنما في توفير البيئة الضرورية لتطبيقها، بل إن كثيراً من الدول تصادق على الاتفاقية الدولية الخاصة بمنع أوجه التمييز ضد النساء: «سيداو»، من أجل تفادي أية إحراجات أو ضغوط دولية عليها تطال ملفات أخرى، لكنها تتحفظ على مواد جوهرية في الاتفاقية، معفية نفسها منها، ما يجعل من مثل هذه المصادقة منقوصة، كونها لا تذهب نحو الجوهر، وتكتفي بالسطح.
ورغم الزيادة الكبيرة في أعداد اللاتي يذهبن إلى المدارس والجامعات من النساء العربيات، وأعداد من انخرطن في سوق العمل، فإننا بالمقابل نشهد تردياَ مضطرداً في أوضاع النساء في مجالات أخرى.
لنعاين ما تفعله الحروب العبثية الجارية في أكثر من بلد عربي: سوريا والعراق واليمن والسودان، إضافة إلى تبعات الاحتلال الصهيوني للأرضي الفلسطينية، وحالة عدم الاستقرار في بلدان عربية أخرى لنرى حجم القسوة والعنف التي تنال النساء والأطفال منها حصة كبيرة، ولعل حال مخيمات اللاجئين السوريين في البلدان المجاورة لسوريا خير شاهد.
وإذ ننساق فرادى أو جماعات نحو هذا الحجر على المرأة فإننا ندفع مجتمعاتنا إلى ما يشبه الجاهلية الجديدة بحيث نفقد ما تبقى لدينا من فسح ضئيلة للنور.
تعنون النسوية المرموقة فاطمة المرنيسي أحد فصول كتابها القيم: «الخوف من الحداثة» بعنوان شديد الدلالة هو: «نشيد النساء: نحو الحرية». وفيه تذهب إلى أن النساء متلهفات للغوص في المغامرات والمجهول، ورمز ذلك التلهف تلك الأم الفلسطينية الشجاعة التي نشاهدها يومياً على الشاشات تقف غير مرعوبة تجاه الجنود الاسرائيليين.
وتذهب فيه أيضاً إلى أن النساء العربيات لا يخشين الحداثة لأنها فرصة منتظرة لبناء شيء آخر، «إنهن متلهفات للرسو على تلك الشطآن الجديدة، حيث الحرية ممكنة، فطوال قرون كن ينشدنها وهن سجينات، لكن لم يكن أحد يصغي».