يوميات – «… وأنا لا صِفَة لي»

عبدالله حبيب –

(تابع من الحلقة السابقة): الجمعة، 24 أغسطس 2001، لوس أنجِلوس كاليفورنيا:
[…] قالت لي إن شابَّة جميلة من إحدى مناطق عُمان الساحل قُتِلَ محبوبها في حادث سير شنيع يوم زفافهما، وأنها أصيبت بشلل عقلي كامل أمام الفاجعة بحيث لم تستطع أن تستوعب ما حدث بطريقة عقلانيَّة أو موضوعيَّة، بل تعاملت مع الأمر على أنه خيانة منه، وهجر لها، وغدر بها في يومهما الموعود. لم تذرف دمعة واحدة، بل أنها في الوقت الذي كان يُدفَن فيه المحبوب كتبت قصيدة عتاب عشقيِّ نبطية شهيرة يجهل كثير ممن يرددونها إعجابا خلفيتها، وتبدأ هكذا (اقتباسا من الذاكرة): «ما عَرْف مني شِ الذي جاك/‏‏‏ ما حيدني دست الخطا فيك/‏‏‏ شطَّيت بي وشْقيت مضناك/‏‏‏ مسموح كان الهجر يرضيك/‏‏‏ بتقاسم العمر ويَّاك/‏‏‏ وللِّلي طلبت الزود بعطيك/‏‏‏ يا ريف روحي كيف بنساك/‏‏‏ ونْتِه لذيذ النوم يهنيك». وأنا طريقة إلقاء […] التَّقَمُّصيَّة للمقطع الشعري الحزين جعلت فؤادي يغرورق بالرماد وأحتضنها كمن لا يريد إلا أن نُدفن معا في القبر نفسه.
ران علينا صمت رهيب. كيف يمكن التعبير عن كلمة «رهيب»؛ كيف يمكن قولها بكلمة أو كلمات أخرى؛ كيف؟. بكينا معًا في الصمت كل بطريقته.
يا حبيبي
لا ترحل عني اليوم أو غدًا
لا ترحل عني حتى في الأمس
حتى قبل أن تعرف أُمِّي أُمَّك
وأختي أختك
لا ترحل عني يا حبيبي أبدًا
أبدًا يا حبيبي
أبدًا يا حبيبي
يا حبيبي
أبدا.
الجو صحو والسماء صافية على غير مألوف هذه المدينة الأكثر تلوثًا في هذه البلاد، خاصة في الصيف، بحيث إني كنت أشير إلى التلال، والهضاب، والجبال التي تحدُّ البصر تحت مملكة الرب على الطريق السريع إلى المطار، تحت طلقة الغياب حين تسددها الأقاصي. ما هو أقصى ما يمكن أن يحدث اليوم غير اليتم؟.
كانت الخضرة الخجلى مُجَلَّلَة بألوان أخرى تخترقها، وتهادن المكان في هويَّته. وكانت المباني، والهيولى البُنِّيَّة بعض الشيء، وأشباح مجسَّدة من فيلم سيرغي بارادجانوف «ظِلال أسلاف منسيين أو خيول النار» تبدو جميعها بين رموشي مثل إغماضة من يتسرب إلى مقلتيه ما يضطره إلى إغماض عينيه: قشَّة باهتة، شيء من لوعة، شيء من غبار، شيء من حنان، شيء من شعر عتيق لم يُكتب لغاية الآن، شيء من يتم. كل شيء ليس إلا حنانًا غاب لفرط ما هو صارم في عاطفته – حنان آثر أن ينصرف. وأنا سأغمض عيني وأفتحهما على مكان آخر، في زمن آخر، و[…] ستغمض عينيها وتفتحهما على مكان آخر، في زمن آخر.
قضيت معها في المطار بضع ساعات كان كل منا يختلق فيها الكلام اختلاقا، وكان كل حرف من الحنان يذوي مثل فقاعة ما أن يُلفظ. لم أكن أدري قبل ذلك أن اللغة لا تزال تتخلق.
حاولنا أن نصمت عوضا عن افتعال الكلام فما استطعنا.
حاولنا أن نأتي بشيء غير الكلام وغير الصمت فما استطعنا.
ألقت رأسها على صدري، وأبقيت روحي تحت رأسها، وشربتُ دموع عينيها. كنت أحاول استغفار رأسها، وكنت أحاول مغفرة صدري.
احتضنتها وقبَّلتها كمن يتعلم كيف يفعل ذلك للمرة الأولى في آخر نقطة يُسمح للمودعين بالوصول إليها مع المسافرين عند الممر المؤدي إلى الطائرة. تابعتها بنظري وهي تتماهى مع المسافرين الكثيرين في الممر الضيق قبل أن ينقشعوا جميعًا قبيل الباب الأخير، باب السماء المنحرف إلى مدخل الطائرة حيث كانت هي، في قميصها الحليبي، تستدير وتبتسم كمن ينتحب، وترفع ذراعها اليمنى بالوداع كمن دعته السماء إلى الذهاب، وتلوّح بكفها، ثم تختفي.
اختفى العالم مني، فتهاويت في الصالة الزجاجية وعيناي مصوبتان إلى العجلات التي ما أن بدأت تتحرك، بعد دهر سريع من ذلك، حتى قفزت من مقعدي وصرت أتبعها في ذهابها عني.
بعد نحو دقيقة كانت عيناي تنفصلان بالتدرج عن الطائرة المقلعة التي ذهبت أولا باتجاه سحابة بيضاء كبيرة ووحيدة كي تتزود بالوقود للرحلة الطويلة إلى الجانب الآخر من العالم. كان الجو صحوًا والسماء صافية بحيث أن لا شيء قطع عليَّ لوعتي لحوالي دقيقتين.
وبعد أن ذهب إلى السحابة البيضاء الكبيرة للتزود بالوقود للرحلة الطويلة، انحرف الشجن المعدني الطائر الضخم إلى اليسار نحو المحيط الهادي؛ دقيقة، دقيقتان، ثم اختفى.
لقد اكتمل يتمي الآن على الأرض، بل وأكثر.

السبت، 25 أغسطس 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
هاتفت أمي في المستشفى. الالتهاب الروماتيزمي للمفاصل وهشاشة العظام يتلفان حياتها منذ سنوات طويلة، وحالها يزداد سوءًا.
كم كان صوتها الآتي عبر القارات والمحيطات متعبًا وحنونا في التلفون. كيف لي أن أغفر لبعدي الدائم عنها؟. كيف لي أن أسامح الظروف والأقدار التي جعلتني أسكب دمع عينيها اللتين لم ترياني في أحد أسوأ الظروف لمدة حوالي سبع سنين متواصلة؟. كيف أستطيع أن أغفر له ولهم؟. كيف؟.
فليهبط الحنان على العالم الليلة إكرامًا لأمهاتنا، أنبل خلق الله وأكرم من مشى على الأرض.

الأحد، 26 أغسطس 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
قرأت رواية بدرية الشحية «الطواف حيث الجمر». لم أحبها على الرغم من جرأتها الثيماتيَّة؛ ففي الإبداع ليست اللغة بالنيَّات (كانت سالمة بنت سعيد بن سلطان قد…).
عليَّ استئناف القراءات الأكاديمية الخاصة بالبحث فقد سوَّفتُ ذلك أكثر مما ينبغي. عليَّ كذلك استئناف تعلم الإسبانية. عليَّ أن أفعل الكثير وأنا لا أفعل أي شيء على الإطلاق.

الإثنين، 27 أغسطس 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا.
أتميز غضبًا فقد اغتال الصهاينة أبو علي مصطفى، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وذلك بصاروخي «هيلفاير» أطلقتهما مروحية من نوع «أباتشي» لا يمكن بالطبع إلا أن تكون مصنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية. لا يجني من يَحبون نحو الهزيمة على أنفسهم فحسب، ولكن كذلك على أعظم مُحْتَمَلات الكبرياء والنصر لدى شعبهم. أتذكر مداخلة تلفزيونية لجورج حبش: «قلنا له [يقصد ياسر عرفات]: يا عمي، والكفاح المسلح؟، قال: انتهى. قلنا له: طيب، فيه عودة للاجئين؟. قال:لا. قلنا له: طيب، فيه تعويضات؟. قال: لا. قلنا له: طيب، والقدس؟. قال: ما بعرف». أما القتلة فيعلمون أكثر من غيرهم «ان المقاومة الفلسطينية هي أنبل ظاهرة أنجبتها الأمة العربية» (عبدالناصر) (*).
وصلتني رسالة من مصلحة الضرائب تطلب مني دفع مبلغ تسعمائة وتسعين دولارًا وتسعين سنتًا، هذا في الوقت الذي يفترض أن يعاد إليَّ نحو ستمائة دولار. لا توفر أمريكا فرصة إلا وتنتهزها كي تجعلني أحبها أكثر. لكن عليَّ محاولة حبها ولو قليلا ففيها سأقضي ما تبقى لي من عمر، وليس هناك خيار آخر. لا أريد العودة إلى «أرض الأجداد» حتى وأنا في تابوت.

الثلاثاء، 28 أغسطس 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
لم يكن من الضروري أن يكون اليوم مزدحما هكذا.

الأربعاء، 29 أغسطس 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
لم يكن من الضروري أن يكون اليوم فارغا هكذا.

الخميس، 30 أغسطس، 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
لم يكن من الضروري إطلاقا أن يكون اليوم مدعي التوازن هكذا.

الثلاثاء، 4 سبتمبر 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
ذبابة كبيييييييييييييييييييييييييييييييييرة!.

الأربعاء، 5 سبتمبر 2001، لوس أنجِلوس، 2001:
فأر كبيييييييييييييييييييييييييييييييييير!.

الخميس، 6 سبتمبر 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
حين يموت إنسان ما، ينبغي أن يموت الجميع معه («الإنسان كونٌ صغير، والكون إنسان كبير»، إبن عربي).

الجمعة، 7 سبتمبر 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
لم يعد مقنعًا أن الشكل والمضمون هما شيء واحد (لقد انزلق النقد في «تجاوز» هذا).

السبت، 8 سبتمبر 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
ليس هناك داع ولا معنى لكل هذا.
ينبغي أن يتوقف كل شيء.

الأحد، 9 سبتمبر 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
عصرًا، في وسط الصالة تمامًا، وأنا جالس القرفصاء، وضعت سيجارة في فمي، وأشعلت القداحة. وفي اللحظة التي انبثقت فيها الشعلة من الفتحة الصغيرة، ورفعتها إلى اللفافة، بدأت الهزة الأرضية (4.2 بمقياس ريختر).
أكملت إشعال السيجارة، وسحبت نفيسا، ثم استلقيت بسرعة على الأرضية الدائخة (عملاً بالنصيحة المعروفة في حال وقوع هزة أرضية) وسيجارتي في فمي أمجها، بينما انطلقت صرخة نسائية مذعورة.
لا الموت أخذني وأنا أدخن، ولا لوس أنجِلوس اختفت إلى الأبد.
يا للأسف.

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
لا أريد أن أكلم أحدًا، أو أرى أحدًا، أو استمع إلى أحد.
لا أريد سواي شاهدًا على اختفائي في الأبد.

الأربعاء، 26 سبتمبر 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
لن تجعلني الحروب قادرًا على النوم.

الخميس، 27 سبتمبر 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
في الأيام الفائتة فعلت كل شيء بكثرة: عملت بكثرة، وتبطَّلتُ بكثرة، ونمت بكثرة، ونشطت بكثرة، وصحوت بكثرة، وسرحت بكثرة، وركَّزت بكثرة، وشربت بكثرة، ووعيت بكثرة، ولا أستطيع أن أصف ما حدث بكثرة أكبر.

الجمعة، 28 سبتمبر 2001، لوس أنجِلوس، كاليفورنيا:
قرأت حوارات مطوَّلة مع بورخِس. في مكان منها يقول إن الشخصية الوحيدة في أعماله هي بورخِس (ولكن لأن بورخِس أعمى فهو لا يرى نفسه، ولا الأشياء، بوضوح شديد، ولذلك تتخلق شخصيته والعالم متلونان بالظلال).
لكن «لا صباح ولا مساء. إنما الصباح والمساء لمن تأخذه الصفة، وأنا لا صفة لي» (البسطامي).
————
(*): بعد أقل من شهرين من ذلك، وفي 17 أكتوبر 2001 قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المعروفة تاريخيّا بأنها أكثر الفصائل الفلسطينية ثأرًا لشهدائها إن في فلسطين «الخط الأخضر» أو الـ67، أو في أي مكان آخر في العالم برَّا، أو بحرا، أو جوَّا، والأكثر -أي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- إصرارا ونجاحا في فك أسر معتقليها من سجون الاحتلال بعملية نوعية في قلب الكيان الغاصب أصابت جهازي «الشين بيت» و«الموساد» بالرعب. كانت العملية الثأريَّة الأسطورية مهداة إلى ذكرى أبو علي مصطفى وتحمل اسمه، وذلك باغتيال وزير السياحة الصهيوني المتطرف رحبعام زئيفي الذي كان يدعو إلى ممارسة التطهير العرقي بصورة صريحة. كان هذا من أوائل دعاة «الترحيل/‏‏‏الترانسفير/‏‏‏ transfer» بمعنى «ترحيل» كل من هو عربي في فلسطين إلى بلدان عربية وعدم السماح لأي عربي بالبقاء في فلسطين. من أكثر نعوته «تهذيبًا» للفلسطينيين أنهم «نمل»، و«قمل»، و«سرطان». ولذلك لا غرابة أنه بعد خدماته العسكرية، بما في ذلك في حرب أكتوبر 1973، عينه إسحاق رابين (زعيم جناح «الحمائم» وصاحب «الوديعة» التي تلمَّظ واستشهد بها ياسر عرفات طويلا مثل علكة نفد منها السُّكَّر حتى انتفخت أوداجه) مستشارًا في مكتبه «لمكافحة الإرهاب». في 1988 أسس زئيفي حركة سياسية عنصرية متطرفة تحمل اسم «موليديت» (الكلمة تعني «الوطن» بالعبرية)، وهي حركة تهدف إلى تهجير جميع الفلسطينيين من عرب الـ48 إلى سوريا ولبنان والأردن؛ بل أن تطرفه السُّعاري المجنون حقا جعله يدعو صراحة لغزو الأردن وتوطين الفلسطينيين هناك. بهذا يتضح بسهولة أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد اختارت هدفا «مُعتَبَرًا جدًا» خاصة وانه كان محاطا بحراسة سريَّة على مدار الساعة للثأر لأمينها العام كي تثبت أنها تستطيع ما هو فوق الاستطاعة كما هو حال النساء والرجال الاستثنائيين الذين يتركون الإنسان العادي والصغير في شأنه العادي والصغير («لن يعرف العالم الأمان طالما ان شعبي لا ينعم بالأمان»، الشهيد وديع حدَّاد، قائد قطاع عمليات المجال الخارجي، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين). (هامش أضيف إلى المتن في يوم الخميس، 9 مارس 2017، مسقط).