نجم أفل عن سماء الفن، والعزاء مسيرة حافلة بالعطاء

كتبت – شذى البلوشية –

هكذا يتوقف القلب المملوء بكل المشاعر الطيبة دون سابق إنذار، دون أن يترك لنا فرصة الوداع، دون ابتسامة تسبق دموع الرحيل، ولعلّ الدمع يحتبس أمام الرحيل المفاجئ، لأحد أبرز قامات الفن العماني، وأحد نجوم الدراما والمسرح، آفلا في مساء السبت الحادي عشر من مارس 2017، ليظلم جانب من سماء الفن دون نجمها.
سالم بن مبارك المخيني، المعروف في الوسط الفني «سالم بهوان» الذي أذكر له أحد الموقف الأخيرة التي عرفتني به عن قرب، بعد أن نشرت خبرا في صحيفة عمان حول المشاركة في مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون، والذي جاء فيه اسم سالم المخيني ضمن المكرمين في المهرجان، وتساءلت طويلا قبلها من يكون هذا الفنان العماني الذي لا تحمل ذاكرتي الفنية له أي أثر، واستوقفني الراحل خلال الافتتاح، متسائلا بكل روح مرحة عن سبب نشري اسمه على غير المعهود به، قالها ضاحكا «سالم المخيني هذا راعي النوق والبوش، أنا اسمي سالم بهوان»، فأصبح هذا الاسم هو سلاحي لاستفزازه على الدوام.
عرفته كما عرفه الجميع كريما طيبا، صاحب خلق وقلب نقي، يبتسم للجميع ويداعب بحديثه كل من حوله، لا يكف عن المشاكسة في كل الأوقات، عرفته أقرب من كل وقت حين كنا في مهمة العمل ضمن الوفد العماني المشارك في مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون قبل عام من الآن، لم يتوقف ولا للحظة عن ضخ روح المحبة، ونفث أجواء المرح بين أفراد الطاقم المشارك في تلك الرحلة، أذكر له بعض المواقف الطريفة التي جعل فيها كل من حوله يبتسم، لاسيما حين اعتلى خشبة المسرح في حفل ختام المهرجان، ليعلن نتائج فئة من فئات جوائز المهرجان، وقبل أن يهم بقراءة الأسماء قال للجمهور: «اعذروني إن أخطأت في القراءة، فقد نسيت نظارة القراءة خاصتي، واستخدم نظارات أمينة عبد الرسول ولا يمكن أن أرى بهما جيدا»، يضحك الجمهور، ويضحك هو وتستمر الحياة، ولم يكن يعلم أن الموت سيخطفه رغم كل الضحكات. لن أنسى بتاتا حضوري عرض فلمه خلال مهرجان المسرح العماني في ولاية نزوى «قصة مهرة» والذي انتظر بعد العرض كل الحضور ليعرف انطباعهم حول الفيلم، ولا زال في قلبي أني أود متابعة فيلمه «مرة في العمر» وكان لي ذلك في رحلة العودة من البحرين بعد ختام مهرجان الخليج، حين كنت أضع السماعات لأباشر مشاهدة أحد الأفلام الأجنبية في الطائرة، فيداهمني بمشاكسته الدائمة: «خلي عنك الأفلام الأجنبية، وتابعي فيلمي»، تابعته حتى وصلنا إلى مسقط، وفي المطار كان يساعدني في حمل حقيبتي الثقيلة بكل تواضعه، وحتى أمام باب المطار كان لا يزال يعرض مساعداته بالتوصيل أو الانتظار حتى مغادرتي، ومرت الأيام دون أن أراه بعدها، مرت سريعا حتى آخر مكالمة هاتفية بيننا لأحصل على تفاصيل مشاركة فيلمه «قصة مهرة» في أحد المهرجانات العربية، وأذكره يشاكسني برفضه القيام بالمقابلة بحجة أنه وقت الغداء ولا مجال للحديث مع الصحافة في حضور «صحن العيش» حسب قوله، رغم علمي كما يعلم الصحفيون غيري، أنه من أكثر الفنانين تعاونا من ناحية النشر الإعلامي. مواقف كثيرة تزاحمت في ذاكرتي فور وصول هذا الخبر إلى مسامعي عصر أمس، وضجت على الفور وسائل التواصل الاجتماعي بنبأ وفاته بعد تعرضه لنوبة قلبية، بين مصدق ورافض للتصديق، كل الأقلام تحركت لتكتب في غيابه ولو كلمة عزاء واحدة، والبعض الآخر استعاد آخر محادثة هاتفية، آملا أن يقرأ على عنوانه «الواتسابي» آخر ظهور لا يتجاوز الدقائق فيطمئن القلب بأن الموت لا يزال بعيدا عن خطف روح سالم بهوان، وهو الذي كان في وداع الفنان سالم علي سعيد خلال سفره إلى العلاج، دون أن يكون على علم أنه وداعه الأخير من الدنيا، وأن الموت كان يتربص به ويحرضه على وداع كل من قد لا يدركه الوقت للقائه.
مسيرة من العطاء الطويل في المجال الفني، بدأت دراميا ومسرحيا، وأصبح العطاء سينمائيا من خلال أفلامه الأربعة التي قدمها بكل ما يملك من إمكانيات، تاركا وراءه اسم السينما العمانية بعنوان «سالم بهوان»، شارك محليا وخليجيا وعربيا، ليدعم مسيرته الفنية بجوائز وتكريمات متنوعة، وغادر دون وداع مخلفا وراءه فنّا وخُلقا وابتسامات كثيرة في ذاكرة كل من عرفه.