التنوع.. وقضايا التنمية المختلفة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تذكر التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة أن هناك ما يزيد عن عشرين مليون إنسان تحت خط الفقر، وقريبا سيتعرضون للمجاعة، في أكبر كارثة إنسانية على وجه الأرض؛
يحدث هذا والبشرية تصل الى قمة الذروة في العلوم والتكنولوجيا، والشيء الكثير من الرفاه المادي والمعنوي، والتقدم التقني، مؤكدة هذه التقارير، في الوقت نفسه، أن البشرية؛ ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ يتضاءل نصيبها من الأمل في البقاء على قدر كبير من اليسر، وفي تجاوز مظان الفقر والبؤس والشقاء، والصورة في مجملها تعكس خيبة أمل لأي تقدم يتشدق به المنظرون، لأن التقدم إن لم يرافقه سعادة للبشرية، ونقلها من مراحل متواضعة من العيش الكريم الى مراحل اكثر أمنا واستقرارا ، ماذا عساه أن يكون شكله؛ وحقيقته؛ ومعناه، لأن الواقع حقيقة لا يقبل التزييف، ولا يتحمل التنظير، خاصة اليوم في ظل الثورة الاتصالية غير المسبوقة زمنا وجغرافيا.
في محاضرته التي حملت عنوان «تحديات تنويع مصادر الدخل بدول مجلس التعاون» والتي نظمتها الجمعية الاقتصادية العمانية يوم الثلاثاء الماضي، والتي أقيمت في قاعة المحاضرات، بجامع السلطان قابوس الأكبر؛ وقف الدكتور عبدالعزيز الدخيل على مفاصل مهمة كثيرة تتعلق بهذا الشأن، متتبعا مظان الجروح، إن تجوز التسمية، التي لا تزال تموضع التقدم الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدول، حيث تقف دون الطموح الذي يأمله مواطنو هذه الدول على وجه الخصوص، خاصة وأن هذه الدول محسوبة كأكبر مصدر للنفط، لافتا النظر الى أن « التنمية يجب أن يكون محورها الإنسان وليس بناء الاقتصاد، في حين الخطط التنموية غفلت الجانب البشري والاجتماعي» حسب نص تعبيره، مؤكدا على أن «الثروة النفطية عطلت الانسان في الخليج وجعلته مترهلا وغير منتج، لأن الإنفاق لم يكن مرشدا لبناء الإنسان وعقله» قد تكون هذه الصورة الأخيرة نسبيتها اكبر في عدم القدرة على اطلاق احكام مطلقة على الجميع، لأن هناك إنجازا نوعيا في جوانب مختلفة، سواء على مستوى الحياة العامة أو الخاصة، ولكنها كصورة عامة تظل، كما تفضل الدكتور دون الطموح ، وبدرجات متفاوتة في الدول المختلفة ، وذلك موازاة مع تحديات الواقع الذي يفرض كل يوم تحديات كثيرة، تصل بعضها الى خلق تحد أكبر امام صانع القرار، وهذه ليست إشكالية وطن، او بقعة جغرافية محددة، وإنما تقع فيها منظومات عالمية كبيرة في شموليتها وعددها وقوتها، وتكون نتائجها كارثية على مستوى كل الشعوب، ولكن هذا لا يعطي المبرر لدى دولة دون أخرى ايضا أن تعزو اخفاقاتها في مجالات التنمية المختلفة الى الحالة العالمية، التي تعكسها تقارير المنظمات العالمية كما جاء في مقدمة هذه المناقشة، وإنما عليها تعمل أكثر، مقابل تجارب دولية كثيرة بدأت من الصفر وقطعت أشواطا كثيرة تعد إنجازا قياسا بالفترة الزمنية الت
يعد مفهوم الـ «تنوع» او التعدد كأحد الأوجه المهمة للحياة الحديثة المعاصرة، ويعتلي سهمه مع كل تقدم لهذه الحياة، ذلك أن الـ «شمولية» او التفرد لن يكون لهما نصيب أوفر مع تقدم الحياة، فالأجيال غير الأجيال، والأفكار غير الأفكار، والرؤى اختلفت كثيرا، والانحياز الى كل ما يذهب الى سعادة الإنسان بدأ يأخذ طريقه نحو القبول والمناصرة اكثر، ومن هنا الاخذ بالتنوع كيفما كان وقعه وعنوانه، في الاقتصاد والسياسة، والاجتماع، بعيدا على التفرد، او التعصب، حيث تذهب الحياة انعكاسا لذلك الى توجه آخر ينظر اليه المتفائلون على أنه الأقرب في تأسيس مناخات اكثر أمنا واطمئنانا ، بعيد عن التنطع، وبعيدا عن الغلو، وبعيدا عن الاختيار المطلق لمختلف المفاهيم التي لا تعطي نفسا أكبر لتنظم حياة الناس، وتوجيه مصائرهم.
تواجه الحكومات في كثير من دول العالم تحديات كثيرة في الاقتصاد، وفي السكان، وفي الخدمات الاجتماعية، وفي تعزيز البنى الأساسية، وهي تحديات ليست يسيرة، او إنهائها بقرار رسمي، وهذا كله يظل بعيدا على الرؤية المباشرة للإنسان العادي، ونظرا لهذه الرؤية المنزوية على الحقيقية في كثير من الأحيان تأتي الشعوب لتزيد من حجم الضغط على المطالبة بتحديث البرامج التنموية، والمطالبة بتطويرها وتعزيزها، وقدرتها على مواكبة التحديات المختلفة التي لا تتوقف أبدا، ومن هنا تأتي شراكة أبناء المجتمع المباشرة في برامج التنمية، اقرب هذه المساهمة هي المساهمة بالرأي الرشيد، وهو الرأي المنظم وفق آليات العمل المعمول بها في كل دولة على حدة، ولذلك تعد المجالس النيابية اليوم أكبر حاضنة لهذا الرأي، وهي إن تنطلق في إبداء الرأي فإنها تنطلق من مصلحة الوطن الكبرى، التي تراعي مصلحة الطرفين الشعب والحكومة، الشعب من حيث مطالبته بالخدمات التي تيسر حياته اليومية، والحكومة من خلال الوقوف على الواقع بحقيقية المجردة دون مبالغة او تحجيم في حقيقة الأمر، لأنه كلما نضج هذا الرأي من خلال حقائقه المجردة، كلما أدى ذلك الى اسناد جزء من المسؤولية على أبناء المجتمع، فلا أحد «يغرد خارج السرب» كما يقال، ويقينا يقاس ذلك على أنه أهم تنوع للرأي في المساهمة والمشاركة في مختلف القرارات الوطنية.
تمثل لقمة العيش أحد أهم محاور اهتمامات الإنسان البسيط، ولكن لقمة العيش هذه تخلق من التحديات والمواقف على صاحب القرار الشيء الكثير، ولذلك عندما يأتي المنظرون ليركزوا على مفهوم تنويع مصادر الدخل، فإن هذا التنظير هو انعكاس لهاجس الـ «جوع» الذي يعيشه هذا الفرد في أي بقعة من الأرض بلا استثناء، ومعروف ان كل الحكومات في سعيها الحثيث في هذا الجانب هي لحماية سكان الدول من الوقوع في مأزق الفقر والحاجة والتشرد، وعدم الوقوع في مأزق المعاناة التي تعيشها اليوم شعوب كثيرة؛ ذلك لأنها فقدت فقط (لقمة العيش) الكريمة لظروف مختلفة.
بيّن «الدخيل» في محاضرته أيضا «الاعتماد المتزايد في الاقتصاد على الإنفاق الحكومي مما تسبب في ضغوطات مالية أدت إلى العجوزات المالية»، وقعت في فخها اقتصادية جل الحكومات في الخليج، ويقينا سيحدث ذلك لأن الاعتماد على مصدر واحد للدخل وهو النفط هو الذي أدى الى الوصول الى هذه المرحلة، فالمواطن لا يزال ينظر الى هذا الإنفاق على أنه حق واجب على الحكومة أن تكون في هذا المستوى من التعاطي مع أبناء المجتمع، وبقدر هذه الحقيقية «حق واجب» إلا ان هذه الحق الواجب يجب أن يقابله عطاء غير محدود من قبل المواطن، على وجه الخصوص، لأنه المعني اكثر من غيره في تحمل المسؤولية ومساهمته في دفع فاتورة برامج التنمية، وأقل هذا التحمل أن يكون أمينا على وظيفته، عاملا صابرا صادقا، بكل ما تحمله هذه المفردات من دلالات يتم توظيفها على الواقع، أما أن يلمس نوعا من الـ «الدوائر» يزعم احدها انه يمثل المواطن، ويمثل احدها الآخر الحكومة، فإن في ذلك خطرا شديدا، لا يمس فقط الحالة الاقتصادية، وإنما يذهب بعيدا الى مس الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ويضرب في عمق العلاقة بين الطرفين، وهذا ما لا يتمناه أحد، ولا يجب حتى تخيله على المدى البعيد، وما نراه من ترهل في الحالات الاقتصادية والاجتماعية في كثير من تجارب الدول في العالم، هو انعكاس لترهل في العلاقة بين هذين الطرفين أو بالأحرى في التصور الخاطئ لهذه العلاقة بشكل أو بآخر .
تؤثر قيم المواطنة لدى مجموع سكان الوطن الواحد في العزف على وتر التآزر او التفكك في كل التجارب الإنسانية، دون تحديد، ولذلك ينظر الى هذه القيم التي تؤمن بها الشعوب، وتضعها محددات مهمة لتسيير حياتها اليومية على أنها المنقذ لحالات الاختناق التي تمر بها الدول والشعوب ، ولذلك يكون هناك تركيز أكثر على عدم المساس بقيمة الـمواطنة ، ولا بالقيمة «الديموغرافية» للشعب في الوطن الواحد، وهذا يقينا لا يلغي مسألة التنوع السكاني في أي دولة وأهميته وضرورياته، ولكن يضع خصوصيات لهذا التنوع في الوطن الواحد، وهي خصوصيات تحافظ على التقاليد والقيم والعادات، ففي ذلك كله نوع من المحافظة على الصورة العامة للمجتمع الواحد، وفي ذلك كله نوع من الرهان الدائم على القدرة على تجاوز المصاعب في لحظات اتخاذ القرارات الصعبة.