ترجمات : الأمريكيون وسيادة القانون والممارسة الديمقراطية !

أوستن سارات –
جارديان ـ
ترجمة: أحمد شافعي –

ثمة أشياء كثيرة جديرة بالاحتفاء في قرار المحكمة ضد حظر الرئيس ترامب للهجرة. لقد كان القرار انتصارا مبهجا لسيادة القانون وتأكيدا جديدا على سيادة القانون. غير أن أمريكا تواجه مشكلة حقيقية لم يعالجها ذلك القرار: وهي مشكلة تراجع الإيمان الشعبي بسيادة القانون والحكم الديمقراطي حسبما يرى الكاتب .
ففي الوقت الذي كنا نركّز فيه على الانقسامات الحزبية بشأن سياسة الحكم وأعضاء الحكومة، كان يجري في الخفاء تقريبا تآكل لأسس النظام السياسي. فلم يعد التأييد الشعبي لسيادة القانون والديمقراطية أمرا مسلَّما به.
في 2017، تعرَّضت سيادة القانون والديمقراطية ذاتها لهجوم الرئيس ترامب وإدارته. وهذا عرَض بقدر ما هو سبب لأزمتنا الراهنة. لقد نشر مركز Public Policy Polling لاستطلاعات الرأي مؤخرا نتائج مذهلة لاستطلاع رأي على المستوى الوطني. يتبيّن من تلك النتائج وجود شقوق جسيمة في الإيمان الشعبي بسيادة القانون والديمقراطية.
53% فقط ممن استطلعت آراؤهم هم الذين قالوا إنهم «يثقون في القضاء أكثر مما يثقون في الرئيس ترامب فيما يتعلق باتخاذ القرارات السليمة للولايات المتحدة». وفي هذا القطاع العرضي من الأمريكيين قال 38% إنهم يثقون في الرئيس ترامب أكثر مما يثقون في قضاة أمريكا . 9% قالوا إنهم مذبذبون. وبدا أن تأييد سيادة القانون أكبر عندما سئل المستطلعة آراؤهم عما لو كانوا يرون أنه يجب تمكين الرئيس ترامب من تجاوز قرارات القضاة في حالة عدم اتفاقه معهم على هذه القرارات. فقد وافق في هذه الحالة 25% فقط ، بينما قال 11% إنهم غير متأكدين.
لكن النتيجة تغيرت عندما اقتصرت البيانات على من يعتبرون أنفسهم أنصارا لترامب: فوافق 51% على تمكين ترامب من تجاوز قرارات القضاة، واعترض 33%، وقال 16% إنهم غير متأكدين.
ثمة ميل إلى إيعاز هذا الاختلاف بين أنصار ترامب وغيرهم إلى حقيقة أن أنصار ترامب يؤثرون نظام الحكم الأكثر سلطوية، ويعلون النظام الاجتماعي، ويحبون الحكام الأقوياء، ويخشون فقدان السيطرة في عالم يرونه مليئا بالأخطار ويقف على شفا الفوضى.
ومثلما يكشف هذا الاستطلاع للرأي، فإن ترامب يحظى بجاذبية لدى الجمهور الذي يتقبل بصورة لافتة محاولاته للحكم من خلال القرارات التنفيذية، وإن كثيرين ما عادوا مرتبطين بسيادة القانون و/‏‏أو الديمقراطية. وتؤكد دراسات أخرى هذه النتائج. ومن هذه الدراسات ما انتهى إلى وجود انحدار دراماتيكي في نسبة من يقولون إنه «لا غنى عن» العيش في دولة ديمقراطية.
فبسؤالهم عن الدرجة التي يعطونها من 1 إلى عشرة لـ«ضرورة» أن «يعيشوا في بلد ديمقراطي» اختار 72% من الأمريكيين المولودين قبل الحرب العالمية الثانية الرقم 10، وهو أعلى الأرقام. أما جيل الألفية من مواليد 1980 فبات لديهم قدر كبير من اللامبالاة. إذ إن أقل من واحد من كل ثلاثة هو الذي أظهر مثل ذلك الإيمان بأهمية الديمقراطية.
وتشير صحيفة نيويورك تايمز إلى أنه في حين أن 43% من الأمريكيين الأكبر سنا يرون أنه ليس مشروعا للجيش أن يستولي على الحكم في حال عدم كفاءة الحكومة المدنية، لم يوافقهم الرأي إلا 19% من أبناء جيل الألفية.
في حين أن أبناء الألفية قد يكونون ليبراليين سياسيا في تفضيلاتهم، فقد كبروا في زمن شلل سياسي في المؤسسات الديمقراطية، وتراجع على مستوى التحضر في الجدل الديمقراطي، وارتفاع كبير في القلق تجاه الأمن الاقتصادي.
تشير هذه النتائج إلى أنه لم يعد بوسعنا أن نسلِّم بأن إخواننا في الوطن سوف يدعمون سيادة القانون والديمقراطية. ولذلك فعلى الرغم من سلوك الرئيس ترامب تجاه الإعلام والرأي العام، فلا بد أن نوسِّع نظرتنا فلا تبقى مركّزة عليه وحده، بل تشمل اتجاها أكبر وأشد إزعاجا.
فلو أن لسيادة القانون والديمقراطية مستقبلا في أمريكا فإن علينا أن نعالج تراجع الفهم الشعبي والتأييد الشعبي لهما. وفي حين نحتفي بحكم الدائرة التاسعة على حظر ترامب، يجب أيضا أن نبدأ حوارا وطنيا حول الديمقراطية وسيادة القانون. ولا بد من إحياء تدريس التربية الوطنية بعدما بقي كثيرا موضع سخرية.
ولا بد أن ترجع المدارس والجماعات المدنية والإعلام إلى الأصول وشرح ما تمثله القيم السياسية الأمريكية الأساسية ولماذا هي جديرة بالاعتناق.
ولا بد أن ينهض المدافعون عن الديمقراطية وسيادة القانون بتوصيل قضيتهم إلى الشعب الأمريكي ويذكّروه بتحذير الآباء المؤسسين: «لو أن البشر ملائكة، ما كانوا ليحتاجوا إلى حكومة. ولو حكم الملائكة البشر، لما لزم وجود أدوات سيطرة خارجية أو داخلية على الحكومة. وعند وضع إطار حكومة يديرها بشر على بشر، تكمن أكبر المصاعب في هذا: لا بد أن تمكّنوا الحكومة من السيطرة على المحكومين، ثم ترغموها في المرتبة التالية على أن تسيطر على نفسها».
وعلينا أن نتذكر أن حريتنا من الطغيان أو الحكومة المفرطة في سيطرتها تعتمد على سيادة القانون ونجاح الديمقراطية. علينا أن نعيد تقويم كليهما قبل أن تستفحل هذه الأزمة، أزمة فقدان الإيمان.

كاتب المقال أستاذ القانون والعلوم السياسية في كلية أمهرست.