تشجيـع القطــاع الخــاص .. والاستثمار الأجنبي

الطيب الصادق –

,, يجب استغلال الثروات الطبيعية التي تمتلكها السلطنة من خلال العمل على إدخال التقنية الحديثة وزيادة تشجيع إنشاء الصناعات لاستغلال المواد الخام الموجودة بالدولة لتحقيق القيمة المضافة ,,
هناك فرصة حقيقية أمام القطاع الصناعي حاليا ليقود مسيرة النهضة الاقتصادية للسلطنة والمساهمة الحقيقية في الناتج المحلي الإجمالي خاصة بعد تراجع أهم قطاع للموارد وهو القطاع النفطي مما يفتح المجال لمزيد من الاهتمام بالقطاع الصناعي الذي يعد أحد الأعمدة الرئيسية التي يعتمد عليها اقتصاد أي دولة ، وهو الركن الأساسي و الداعم الرئيسي – بجانب الزراعة والثروة السمكية – التي يقوم عليها التنويع الاقتصادي العماني الذي يعتبر من الأسس الاستراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في سلطنة عمان.
ولذا حرص العمانيون عبر التاريخ على الاستفادة من موارد السلطنة الطبيعية التي سخرها الله لهم فضلا عن الاهتمام الحكومي بهذا القطاع منذ القرن الماضي وشهد منتصف الثمانينات انطلاقة كبيرة لهذا القطاع لنعود لهذه الانطلاقة مرة أخرى في الوقت الحالي بعد الصدمات الاقتصادية التي عانت منها الدول النفطية بعد انخفاض أسعار النفط ، ولاسيما سلطنة عمان التي تعتمد على النفط كمورد أساسي للميزانية، وقد أولت السلطنة اهتماما بالغا بالقطاع الصناعي لكونه قطاعا ذا أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة ويعوّل عليه للمساهمة في دعم الاقتصاد الوطني وتنويع موارده وتوفير فرص العمل وجذب الاستثمارات الأجنبية للعمل في هذا القطاع وزيادة المنتجات بالداخل والعمل على تصديرها للخارج لرفع الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة .
رغبة السلطنة الواضحة في جذب الاستثمار الأجنبي وتشجيع الشركات المحلية والدولية للاستثمار في القطاع الصناعي جعلها تقوم بعدد من الإجراءات فيما يخص هذا القطاع في الفترة الماضية وخاصة ما تم التركيز عليه في الخطة الخمسية التاسعة والأخيرة في رؤية 2020 التي استهدفت التركيز على خمسة قطاعات واعدة جاء على رأسها الصناعة التحويلية بجانب قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والسياحة والثروة السمكية والتعدين ، وهذه الرؤية وضعت على أساس أن تبلغ مساهمة القطاع الصناعي بـنسبة 15% من الناتج المحلي الإجمالي والتي كانت تتراوح خلال السنوات الأربع الماضية ما بين 10 إلى 11% وهو ما يعد معدلا جيدا خاصة أن القطاع الصناعي ينقسم إلى قسمين: القسم الأول قطاع الصناعة الاستخراجية والتي تعتمد على استخراج المواد الأولية والثروات الطبيعية واستغلاها لتلبية احتياجات البشر، مثل صناعة واستخراج النفط والغاز (صناعة استخراجية نفطية) وصناعات استخراج الخدمات المعدنية مثل النحاس والذهب وصناعات استخراج المواد غير المعدنية كمواد البناء والفوسفات والبوتاس.
بينما القسم الثاني يتناول قطاع الصناعات التحويلية الذي يهدف إلي استغلال وزيادة القيمة المضافة للمواد الأولية والخامات الاستخراجية وتحويلها إلى مواد وسطية وسلع نهائية وهو أكثر مساهمة للقطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي وتتمثل في مواد البناء مثل الأسمنت والحديد الصلب والألمنيوم والصناعات الهيدروكربونية (صناعات التكرير والبتروكيماويات) وصناعة الغزل والنسيج وصناعة السيارات والأسمدة والدواء.
ولذلك يوجد العديد من المتطلبات التي تساهم في النهوض بالصناعة العمانية وزيادة إسهاماتها في الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة رغم التحديات والعراقيل التي يواجهها الاقتصاد العماني وتعرض هذا القطاع لضغط كبير بسبب انخفاض أسعار النفط وعدم تعافي الأسواق العالمية في ظل المنافسة الشديدة من المنتجات المستوردة وحالات الإغراق التي تواجهها السلطنة وهذه المتطلبات تتمثل في الآتي:
أولا: استمرار مسيرة الدعم القوي من القيادة الحكيمة للقطاع الصناعي وهو ما عكسته الخطة الخمسية الحالية التي ركزت على قطاعات واعدة من بينها الصناعات التحويلية والذي يعد من القطاعات المهمة في زيادة الناتج المحلي الإجمالي والذي يساهم في توفير فرص عمل جديدة للشباب .
ثانيا : تعزيز التطوير الصناعي من خلال الاهتمام بالابتكار والإبداع وريادة الأعمال وتطوير المناهج الدراسية لمختلف المراحل الدراسية وصولاً إلى مرحلة التعليم العالي لتوافق المخرجات التعليمية مع احتياجات سوق العمل وإعداد الشباب وتأهيلهم لخلق شباب يستطيع قيادة قاطرة الصناعة في السلطنة.
ثالثا: إزالة العراقيل وتذليل الصعوبات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية، ومواجهة التحديات التي تواجه القطاع الصناعي والقطاعات الأخرى المساعدة لهذا القطاع وإعادة النظر في بعض التشريعات القانونية وتسهيل إجراءات الحصول على تصاريح صناعية وإن كانت السجلات والتراخيص الصناعية التي تم تقديمها في عام 2016 قد بلغت (785) ترخيصا صناعيا وعدد طلبات الإعفاء الجمركي (285) طلبا لكن هناك حاجة لزيادة هذه التصاريح خلال العام الحالي .
رابعا: ضرورة العمل على استكشاف الأسواق الجديدة وتقديم منتجات جديدة وبأسعار منافسة لمواجهة أسعار منتجات الدول المنافسة ، وفي الوقت ذاته الاهتمام بجودة المنتج حتى يكون أكثر تنافسية وجاذبية في الأسواق الإقليمية والدولية ، والترويج وتسويق المنتج العماني داخليا وخارجيا.
خامسا: تشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي لكونه إحدى الركائز الأساسية في التنمية سواء بمفهومها الاقتصادي أو الاجتماعي واعتباره الشريك المهم في هذا القطاع بالذات لأنه القادر على تخفيف العبء عن الحكومة في توظيف الأيدي العاملة وزيادة المنتجات وتدريب الموارد البشرية ، ولذلك يجب العمل على زيادة تسهيل الإجراءات للقطاع الخاص وتقديم حوافز له مثل تخفيض الضرائب أو تقديم مساعدات يحتاجها في الفترة الحالية .
سادسا: تشجيع المواطنين على إقامة الصناعات الصغيرة التي تتميز بقلة استثماراتها الرأسمالية مع ارتفاع العائد التشغيلي للاستثمار والاعتماد على المواد الخام المحلية وقدرتها على تنويع الإنتاج والتكيٌف مع المتغيرات والظروف الاقتصادية لمساهمتها بنسبة كبيرة في زيادة إجمالي الناتج المحلي والصادرات، حيث تساهم إنتاجية المشروعات الصغيرة والمتوسطة في دول مثل كوريا الجنوبية بنسبة 40% والصين بنسبة 60 % .
سابعا: لا يمكن إغفال الدور المهم للبنوك والمصارف لتوفير التمويلات اللازمة للقطاع الصناعي وما يحتاجه من دعم مالي بأسعار فائدة مناسبة وفترات زمنية أطول وإعطاء أفضلية لتمويل الصناعات لأنها تمثل أهمية كبيرة في التنويع والاستقرار الاقتصادي.
ثامنا : الاستفادة من تجارب الدول الناجحة في هذا القطاع ولاسيما ( النمور الآسيوية ) التي استطاعت خلال فترة قصيرة لا تتجاوز 25 سنة أن تحقق نموًا هائلًا وتطورًا كبيرا في التصنيع جعلتها نموذجا يجب على الدول النامية ودول العالم الثالث الاستفادة منها وتحذو حذوها لتتحول هذه الدول من أمم فقيرة محطمة إلى دول محققة لقفزات صناعية واقتصادية مذهلة وصلت إلى 10 % في العام .
تاسعا: تعزيز الاهتمام بالمناطق الصناعية التي تعد إضافة جديدة للاقتصاد الوطني وتساهم في إثراء الحركة الاقتصادية وجذب الاستثمارات الخارجية وفتح أسواق التصدير أمام الصناعات التحويلية، كما تعتبر أداة فعّالة لتحقيق الأهداف الاقتصادية المتمثلة في نقل المعرفة والتقنية وتنويع مصادر الدخل وتوفير فرص العمل للمواطنين.
وبلاشك فإننا ندرك الأهمية القصوى للقطاع الصناعي في الوقت الراهن الذي يتعاظم مع توجه الدولة نحو تعزيز الإيرادات غير النفطية والعمل علي زيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي ، خاصة أن الإحصائيات تشير إلى أن القطاع الصناعي ساهم بنحو 2.6 مليار ريال عماني من إجمالي الناتج المحلي المقدر بحوالي 26.8 مليار ريال بنهاية عام 2015، لذلك يجب استغلال الثروة الطبيعية التي تمتلكها السلطنة من خلال العمل على إدخال التقنية الحديثة وزيادة تشجيع إنشاء الصناعات لاستغلال مواد الخام الموجودة بالسلطنة لتحقيق القيمة المضافة من هذا النشاط وعدم تصديرها إلا كمنتج كامل .