وتر: بلدي يقرأ

شريفة بنت علي التوبية –

انتهى عرسنا الثقافي وليته لم ينته، تلك اللحظات الرائعة المعطرة برائحة الكتب وعطر الحبر وشذى الأغلفة الضاحكة والتي خرجت للتو من المطبعة لتكون في يدك، ليت تلك الأيام الجميلة التي عشناها في معرض الكتاب لم تنته، ولكن اللحظات الجميلة عمرها قصير كعمر وردة، لتبقى الأرواح في انتظار الموعد القادم لمن كان له في العمر بقية.
في كل عام يتأكد لي أننا مجتمع قارئ وأننا نحب الكتب محبتنا لأطفالنا وأننا والكتب أصدقاء وأحبّة، تستطيع أن تكتشف ذلك منذ اللحظة الأولى وأنت تبحث عن موقف تركن فيه سيارتك ولا تجد، ومنظر العائلات المحمّلة بأكياس الكتب، ومشهد الأطفال الباحثين عن كتاب مليء بالصور والرسومات، والتزاحم الكبير يدلك على أن الجميع في عُمان يقرأ والجميع في بلدي مثقف، والأجمل من هذا وذاك أن تكون الإصدارات العمانية هذا العام كثيرة، والكتّاب العمانيون كُثر، أسماء لم نكن نعرفها، ففي هذا المعرض بالذات كانت الأقلام العمانية فوق التصور وكان للكتاب العماني نصيب الأسد من حصتي الشرائية، لأني أثق بهذا الكتاب الذي ربما لم ينل حظه من الدعاية الإعلامية والتسويقية كما نال غيره.
هذا العام كان عام الرواية بامتياز وكان معرض الكتاب أجمل وأبعد قليلا بحكم موقعه الجديد، وكان أكثر نشاطا وازدحاما بجدول الفعاليات والندوات والأمسيات الثقافية، والأجمل من هذا وذاك الالتقاء بقامات ثقافية وأصدقاء يشتركون معك في هم ثقافي وفكري واحد، ووجوه لأسماء لم تعرفها سوى في العالم الافتراضي، ولكن رغم جمال الحدث لم يكن كل شيء كما نريد، فكثير من دور النشر كانت أسعار كتبها مرتفعة، والمقاهي المنتشرة بالمعرض بالغت في أسعارها ليقف طلاب المدارس حائرين بين أن يشتروا كتابا أو فطيرة، فثمن فطيرة واحدة يفوق ما في جيوبهم من مبلغ زهيد، كذلك لم يكن تنظيم بعض الأمسيات الثقافية في ساحة المعرض موفقا نظرا للضجيج الذي يحرمك من متعة الاستماع أو التركيز فيما يقوله المحاضر نظرا لأصوات الإعلانات المتتالية، وكنت أظن في هذا العام أننا تجاوزنا مرحلة النبش والبحث عن زلة في كتاب، كنت أظن أن مجتمعنا قد تجاوز مرحلة الحراسة الأخلاقية ووصل إلى مرحلة من النضج الأدبي ما يجعله يعلو بنفسه إلى مستوى الفكرة الحقيقية بدلا من النبش خلف شخص وأخلاقيات الكاتب في حروف كلمة عابرة في صفحة بكتاب، ومع ذلك كانت هذه الأيام من عمر عامنا هي الأجمل.. ومع كل كتاب أنتم دائما أجمل.