نوافـذ: المخــــزون السلبي للذاكرة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

نقرّ جميعا أن حياتنا قائمة على التضاد: الخير والشر، النور والظلام، الليل والنهار، الحرب والسلام، الحب والكره، الانتقام والعفو، الإقدام والتراجع، القناعة والطمع، البخل والكرم، الشجاعة والجبن، الاجتهاد والكسل، النجاح والرسوب، والقائمة تطول لمن أراد أن يتقصى هذه الثنائية التضادية، فنحن منغمسون فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شئنا أو أبينا، اقتنعنا أو لم نقتنع، وفي كل ذلك هناك نسبية ترتفع وتنقص في مدى إيمان الناس بذلك، وتسليمهم من عدمه في كيفية هذا الرضا تجاه كل هذه المتضادات في هذه الحياة، ومن هنا تتفاوت أفعال الناس وتتمايز أخلاقهم، وتعاملاتهم مع بعضهم البعض، فما يرى أحدهم أن أمرا ما من أمور الحياة خير، يراه آخر شرا، وما يراه أحدهم كرها، يراه آخر حبا، وهذه أيضا تخضع لاعتبارات كثيرة منها العمر، ومنها الخبرة في الحياة، ومنها التجربة، ومنها عمق المعرفة بالشيء ذاته، ومنها التربية ذاتها في بيئة أسرية ما.
فما علاقة هذه التضادية على اختلافها وأنواعها بالمخزون السلبي للذاكرة؟ وهل للذاكرة مخزون سلبي فقط؟ أطرح هذين السؤالين على نفسي أكثر مما أضعهما للقارئ للإجابة عنهما، ويأتي طرحهما هنا لتأثير المخزون السلبي على وجه الحياة أكثر من غيره، ربما لوقعه المؤلم على النفس، لأن ناتج الخير من أي فعل إنساني مقبول ومريح ومرحب به، فبولادة طفل في عائلة ما؛ يتهلل الجميع بالبشر، بينما لو خطف الموت هذا الطفل في يوم ما، فحمولة الحزن الناتجة من موقف الموت؛ يقينا؛ لن تعادلها الفرحة التي رافقت أسرة الطفل في لحظة الميلاد، ولو كانت عارمة، وكما قال أبو العلاء المعري: «وحزن في ساعة الموت: آلاف سرور في ساعة الميلاد»، ونفس الشعور يقع في حالة الخسارة؛ أي كان عنوان هذه الخسارة: في صفقة تجارية، في مسابقة ما، في خسارة العمر، ولذلك هناك أناس كثيرون يستشعرون الملل والسأم في ليالي الشتاء، ويتمنون شروق النهار لتفسح لهم الحياة متسعا أكبر للشروع في دروب الحياة، وذلك الشعور الذي يعيشه السجين بين ظلمات السجن الأربعة الذي يساوي فيه اليوم ربما شهرا، والشهر عاما، بينما لا يستشعر الحر الطليق اتساع الزمن وهو يعيش حريته طليقا في اتجاهات الحياة الأربعة، وأيضا الأمثلة تتكاثر عند من يريد أن يستحضر وقع المعاناة من الحمولة في أي نقيض من هذه النقائض كلها التي أوردنا بعضها في صدر المقال.
تمثل الذاكرة عندنا كلنا – على ما أتصور – بعبء مخزونها السلبي بصورة دائمة، فأنا وأنت وآخرون في كثير من الأحيان نتذكر الإساءة ولو صغر حجمها الصادرة من فلان أو من مجموعة من الناس، ولو مرت على هذه الإساءة فترة زمنية طويلة، وفي المقابل لا تسعفنا هذه الذاكرة بموقف إيجابي صدر من فلان هذا، أو من مجموعة الناس هذه، ذلك لأن وقع الألم الذي تعرضنا له من هذه الإساءة كان أكثر إيلاما من فرحة الموقف الإيجابي، وكما قال الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد: «وظلم ذوي القربى أشد: مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند» فعلى ما يبدو أن هناك علاقة تشابكية شديدة القرب بين هذه التضادية في الأفعال والمواقف؛ وبين ما تختزنه الذاكرة، وأكثر هذا المخزون هو المخزون السلبي، وتأتي مجموعة التراثيات لتعزز من هذا المخزون عند هذه الذاكرة، ومن ذلك «إن لم تكن ذئبا؛ أكلتك الذئاب»، «الذي لا يجازي الناس بأفعالها يصبح من أنذالها»، «عليك ان تكون حوتا؛ لكي تعيش في البحر» صحيح أن هذه الأمثلة وغيرها تحمل المعنيين الإيجابي والسلبي، ولكن الإيحاء واضح هنا؛ وهو ما يذهب إلى المقاضاة، وإلى الندية، وإلى المجابهة، مع أن الحياة تتسع للخير أكثر.