يوميات – أشيخ سريعاً وأنا نائم

عبدالله حبيب –

(أستأنف هنا نشر مختارات من يومياتي، ومكملاً مادة الجمعة 17 أغسطس – الثلاثاء 21 أغسطس، لوس أنجلوس – سان دييجو، كاليفورنيا، 2001 المنشورة في عدد ملحق «شرفات» الصادر في 13 فبراير 2017):

في نفس الليلة التي التقيت فيها سعد صالح كنت قد أكملت قراءة سيرة محمد شكري «الخبز الحافي» التي لم يتسن لي أن أعثر عليها طوال السنين الفائتة، فشكراً لمكتبة بشير. رأيي أنه كتاب متواضع وقد بولغ كثيراً في تقدير قيمته الأدبية؛ بل إني سأذهب إلى القول ان المبالغة في القيمة الأدبية للكتاب كانت خارج تحكم محمد شكري نفسه، فهو وجد نفسه وقد تحول فجأة من «شُبيك لُبيك ليليٍّ» (بأكثر المعاني جنسيَّة للتعبير) لكٌتّاب غربيين كبار مثليي الجنسانيَّة مثل بول بولس وجان جينيه إلى نجم أدبي احتفت به الدوائر الثقافية الغربية بتحريض من أمثال بولس وجينيه غدقاً على غدق لقاء خدمات ليليَّة باذخة للغاية؛ وإلا ما معنى أن يصدر بالإنجليزية كُتَيِّب صغير أشبه بالمنشور بعنوان «جان جينيه في طنجة» من تأليف محمد شكري. والكُتَيِّبُ هذا ليس إلا استرجاعاً تقريرياً، باهتاً، أعرج، وركيكاً لذكريات عابرة مع مؤلف «مذكرات لص» الذي حجز مقامه في ذاكرة المسرح والأدب العالميين في الوقت الذي يقوم فيه محمد شكري بواجب «الخدمة الليلية» فقط، وأن يقوم بول بولس بـ«ترجمة» ذلك «النص» في الوقت الذي قال فيه بولس غير مرة انه لا يحسن العربية الفصحى، وانه بالكاد يتدبر الدارجة المغربية؟.
لا يريد الاستشراق أن يكفَّ عنا أبداً، وبمختلف الصور والتجليات.
أحترم كثيراً عذابات شكري في الحياة (من القليل الذي توقفت عنده في النص لأسباب محض شخصية السرد الخاص بقيام أبيه بضرب أخيه حتى الموت الذي كنتُ مؤهلاً له بهذه الطريقة تماماً) لكن إعجابي بالنص نفسه أقل بكثير. والأمر برمَّته يفتح سؤالاً أكبر حول علاقات الكتاب والفنانيين الغربيين بطنجة/‏‏ الجنس المثلي/‏‏ المنفى المؤقت أو الدائم المثالي. وفي هذا أظن أن على النقاد والمؤرخين العرب ان يسائلوا المسكوت عنه في ما يمكن تسميته بـ «التجربة الاستشراقيَّة الجنسيَّة والكتابيَّة الطنجيِّة لِكُتَاب الإفرنجيَّة» عوضاً عن إكالة المدح «للخواجات» الذين «شرفونا» بالإقامة هناك.

الأربعاء، 22 أغسطس 2001، لوس أنجلوس، كاليفورنيا:

مشكلة التواصل (بمعنى communication) ليست مشكلة شخصية. إنها مشكلة عربية في المقام الأول؛ فلا الابن والأب يتواصلان، ولا البنت والأم تتواصلان، ولا الأب والأم يتواصلان، ولا التلميذ والمدرس يتواصلان، ولا السلطة والشعب يتواصلان، ولا الماضي والحاضر يتواصلان، ولا الحاضر والمستقبل يتواصلان، ولا….
وهكذا حتى الموت.

الخميس 23 أغسطس 2001، لوس أنجلوس كاليفورنيا:

فقدت […[ هنا فقدت نظاراتها الشمسية، ثم فقدت نظارتها الطبية، ثم فقدتُ نظارتي الشمسية.
وغداًن حين لا شمس ولا قمر، لا سماء ولا بحر….

الجمعة 24 أغسطس 2001، لوس أنجلوس كاليفورنيا:

كانت […] قد قالت لي انها تعشق المطر، وانها حزينة للغاية انها ستغادر هذه البلاد من دون أن تمطر السماء في أثناء وجودها معي. ذكَّرتني بما حدث لنا في مدينة أوستن/‏‏ تِكْسَس حين هطل المطر غزيراً من دون أن تكون لدينا مظلتين أو سيارة وقت انهمار السماء. وحين هطل المطر الغزير بدون مقدمات بعد انصراف آخر الحافلات من المكان وتعذُّر طلب سيارة أجرة لم يكن أمامنا سوى الاحتماء بالقرميد الناتىء لسطوح بعض المباني، والهرولة المؤسْلَبَة فنيَّاً تحت المطر متعانقين وراقصين في تمثيل معقول ـ من الناحية الفنيَّة ـ كما في فيلم «الغناء تحت المطر» لجين كيلي ثم، طبعاً، مكابدة الحمى الزكاميَّة الثقيلة لمدة أسبوعين بعد ذلك.
ذكَّرتها بأنني في ليالي الغزل القديم كنت أقرأ لها كمراهق ناضج بعض الشيء «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب كاملة عبر الهاتف حناناً وحنيناً. وقلت لها انني أعشق المطر أيضاً، وان السماء لن تمطر بعد عودتها إلى عمان أبداً إلا إذا أجَّلت سفرها ليوم واحد أو اثنين في الأقل.
هي قالت لي انها تتفق مع الرأي المتطرف ان المطر لن يهطل على كامل الأرض إلا من أجداث الجوعى والظامئين عبر الكوكب الذي ظلم فيه الإنسان أخاه الإنسان أيّما ظلم، وان الإنسان مهزوم بالضرورة في معركته ضد الزمن، مرددةً: « والعصر إن الإنسان لفي خسر»، وانها تحب بساطة الأشياء، وعدم التكلف والمبالغة، و«مد الرجل على قد اللحاف» في هذه البلاد، لكنها تكره الابتسامات الجاهزة المستوردة من الثلاجات وبرَّادات محلات السوبر ماركت العملاقة.
قلت لها باقتضاب فظِّ انني لن أسامح البلاد التي جعلتني بصورة اضطرارية أحب هذه البلاد التي لا أحبها، وان السورياليين الأوائل كانوا يرددون شعار: «نحن السورياليون لا نحب أوطاننا» لأنهم، ببساطة شديدة، كانوا يريدون لتلك الأوطان أن تكون أفضل حالاً مما هي عليه.

قالت لي […] انني إذا أصررتُ على استدعاء تلك الهزيمة الماحقة في الحرب الكبيرة […] التي أصبحت شبه منسيَّة – حتى لمن شاركوا فيها في تقلب المواقع بين الدم المغدور والمال الغادر ـ في كافة تفاصيل حياتي لبقية عمري فإن ذلك لن يعين سوى نزعاتي المازوشية الصريحة، ولن يسعفني إلا في المزيد من تدمير الذات دون أن يؤثر ذلك على دورات التاريخ ونواميسه وما تصنعه بالبشر، والبلدان، والأقوام.
وأنا ـ في ما يخص المازوشية ـ قلت لـ[…] انني لن أنسى إلى أن أموت ذلك المشهد الهائل في فيلم رولان جوفي «الإرساليَّة التبشيريَّة» التي بلغت فيها شخصية رودريغو ميندوزا ـ التي قام بدورها باقتدار غير عادي روبرت دي نيرو ـ مبلغاً متطرفاً من المازوشية التطهريَّة جعل أحد القساوسة بعد أن شاهد بؤس حالها يقول: لقد عذَّب هذا الإنسان نفسه بما فيه الكفاية. بَيْدَ ان قساً آخر رد عليه من فوره: لكن المشكلة هي ان هذا الإنسان غير مقتنع لغاية الآن بأنه عذَّب نفسه بما فيه الكفاية، ولذلك فإن علينا أن نتركه في حاله. بلى، فثمَّة إنسان في مكان ما من هذا العالم لا يمكن إنقاذه أبداً، أبداً، أبداً.

وقلت لـ[…] إنني لم أعد معنيَّاً بالنصر، ولا بالهزيمة، ولا بتدمير الذات، ولا بإعادة ولادتها، ولا بإعادة بنائها، بل بالموت؛ الموت فقط. قلت لها انني، ببساطة شديدة، أريد أن أموت؛ فالموت أصبح لديَّ المعادل الموضوعي والوجودي الوحيد الممكن للحرية. وقلت لها انه في الفيلم الوداعي الجارح «أحلام» الذي أنجزه عبقري السينما اليابانيَّة أكيرا كوروساوا في احتضاره متنبئاً برحيله الوشيك تحوَّل الموت إلى حدث سعيد – «أنظري، أنظري، هكذا»، ثم هببتُ إلى قسم الأفلام في المكتبة وجلبتُ شريطاً أدخلته في جهاز الفيديو.
قالت لي […] انها صارت تخاف مني ولي ـ حتى من ولِتَعبيرات وجهي وعيني ولغتي الجسدية المتشنجة ـ حين أحكي عن الموت، وانها تخشى على حناني عليَّ وعلى الأرض قاطبة أن يزول في شيء من حماقاتي المتطرفة غير القليلة.
لا تمت، أرجوك، أتوسل إليك يا حبيبي، لا تمت. إني أتوسل إليك يا حبيبي. أتسمعني: إنني أتوسل إليك يا حبيبي.
وقالت لي […] ان الحل يكمن في إعادة قراءة [النص الكبير] وتثويره من الداخل. واستشهدت بأمثلة كثيرة من معرفتها العميقة بالنص الكبير.
قلت لها بضجري المألوف لديها انه لا يمكن تثوير بعض النصوص، بما في ذلك [النص الكبير]، لسبب بسيط هو انها استنفذت مُحْتَمَلَها التطوري والتاريخي بعد مئات السنين من مأسستها وممارستها. واستشهدتُ بقول نيتشه انه من أجل بناء معبد جديد لا بد من هدم معبد آخر. لم تتفق […] معي في الرأي، وخيَّم الصمت الجريح القديم علينا من جديد حين يطرح هذا الموضوع نفسه علينا.

غير انه، من أجل محاولة مغادرة الصمت الجريح القديم بيننا، قلت لها نكتة بذيئة يتطلب سردها المثالي اتقاناً مُحْكَمَاً للهجة البحرينية صعبة التقليد التي ما تصورت أبداً انني سأتمكن منها إلى ذلك الحد حين سردت النكتة التي تقول […]. قهقهت […] طويلاً حتى احمرَّ وجهها وعيناها ودمعتا، وضربتني بكفها ضربة الدلال الأنثوي المعاتب بصورة خجلى على كتفي، وقالت في آخر قهقهتها الطويلة من خلال أنفاسها المتقطعة: الله يسامحك يا عبدالله!. قلت لها: اضحكي أكثر، أرجوك، أتوسل إليك يا حبيبتي، اضحكي أكثر!. أتسمعيني: إني أتوسل إليك يا حبيبتي.
قالت لي […] ان أحدهم في شيء من البوادي العُمانية ذبح مرَّة ناقة صغيرة أمام أمِّها فماتت الأم من فورها. هتفتُ كثكلى: يا إلهي!. ثم حكيتُ لـ[…] قصة حادثي سير شهيرين وقعا في بداية السبعينات على خط الباطنة. في الحادث الأول صدم أحدهم بسيارته ناقة صغيرة نَفَقَت على الفور، وأصيب سائق السيارة بجروح متوسطة نقل على اثرها إلى مستشفى صحار القديم، بينما كانت أمّها ترقب المشهد قريباً من الشارع. وبعد بضعة أسابيع كان السائق نفسه يعبر نفس النقطة من الشارع في سيارة أخرى جديدة، فما كان من الناقة إلا أن اعترضت طريقه بصورة انتحارية، فصدمها صدمة قاتلة بسبب السرعة الفائقة. غير ان الناقة في احتضارها نهضت قليلاً وضربت بتصميم شديد رأسها بزجاج السيارة الأمامي شبه المهشم حتى أدخلت رأسها في مقصورة السيارة وقبضت على عنق السائق بين أسنانها حتى فصلته بالكامل عن جسده، وماتا معاً. قالت لي […] أن لا شيء على هذه الأرض مثل قلب الأم، وانه إذا لم نفهم قلب الأم فإن الله لن يسامحنا، ولن يرحمنا أبداً.

قلت لـ[…] ان ذلك صحيح للغاية، لكني لا أستطيع أبداً أن أنسى ما كتبه هنري مِلَر عن أمّ آرثر رامبو في كتابه «رامبو وزمن القتلة» باعتبارها أحد أسباب مأساته منذ مشاركتها في التسبب في وجوده العاثر على الأرض. قالت لي […] ان مشكلتي هي اني أتمسك دوماً باستثناءات القواعد، والحالات النادرة، والأمثلة غير القياسية. ثم أردفتْ غاضبة بعض الشيء: أنا حقا لا أستطيع أن أفهم لماذا تعتقد أن أشخاصاً مثل أبي العلاء المعري («هذا ما جناه عليَّ أبي وما جنيتُ على أحد») ورامبو وحدهم من عبروا على هذه الأرض. قلت لها : بعد صمت هادىء حاولتُ فيه أن أعبّر عن احترامي الحقيقي والعميق لغضبها ـ ان مسألة التمسك باستثناءات القواعد يتعلق بصميم حياتي، واني لا أستطيع أن أتبرأ من حياتي أو أن أفعل حيال الأمر شيئاً، فقد تأخر الوقت كثيراً لذلك. قالت لي […] ان ذلك شأني لوحدي لكنها لا تستطيع أبداً أن تكفَّ عن حبي، وانها سعيدة بذلك؛ فالمحبة الحق هي أن تهوى حبيبك كما هو، وليس كما تريد أن يكون.

وكنت قد أفقت في أحد الصباحات فلم أجد […] إلى جانبي، ولم أجد مخدَّتها، فهرعت إلى الصالة لأجدها نائمة على «الفوتون». قالت لي انها لم تعد تحتمل الصرير الحاد والعالي لأسناني وهذياني الموجوع اللذين أيقظا ديناصورات الغابة طوال الليل، وأردَفَتْ انها تخشى عليَّ كثيراً من الكوابيس ومن تكسر أسناني وتساقطها، وانها تشعر بخلل كبير في كينونتها، وأنوثتها، وعشقها لأنها لا تعرف كيف تستطيع أن تساعدني. قلت لها ان قَدَري أن أشيخ سريعاً وأنا نائم.
قالت لي […] ان بدوياً عُمانياً كان يحب بعيره حباً كبيراً لدرجة انه كان يُشْرِكه معه في تدخين الغليون. قلت لها انني أحب ذلك البدوي العماني، وأحب غليونه، وأحب بعيره.