«ضجر البواخر» لصلاح باديس.. أبدية مؤقتة

طارق إمام –

تشبه المجموعةُ الشعرية «ضجر البواخر» للجزائري صلاح باديس (منشورات المتوسط، ميلانو) مدينةً مقلدة، حتى تشعر أن الكتاب نفسه يحاول أن يصبح صورة مدينة «أصلية» جرى «نسخها» كأصل لا يتكرر لنسخة «رخيصة» مادتها اللغة التداولية. المدينة هي الجزائر العاصمة والمجموعة الشعرية تبدو معارَضة لها، تتحقق بتحويل كل قصيدة إلى علامة مكانية يُصمِّمها الشعر: ثمة قصائد..‏ شوارع، وقصائد..‏ أمكنة مغلقة، وقصائد..‏ أمكنة مفتوحة، وقصائد..‏ ساحات. وبالتئام الأمكنة المتجاورة في حيز الكتاب تلتئم جزائر أخرى، هي المدينة الشعرية التي تبسطها هذه التجربة.
وكما لا يمكن لغريب أن يرى المدينة في شموليتها إلا من أعلى نقطة، تحتاج «ضجر البواخر» قارئاً يقف على مسافةٍ «عاطفية» ليكتشف أنه أمام خارطة شعرية، ذلك أن «ضجر البواخر» آخذة في «تصنيع» متلقيها إن جاز التعبير، كمتلقٍ مراقب أكثر منه متلقٍ متورط. من اللحظة الأولى، تقدم المجموعة اشتباكها المباشر مع واقع يومي حسي، يتوفر على كافة حمولاته اجتماعياً وسياسياً وفي الأخير ثقافي. يتحقق المشهد الشعري هنا بلا هوادة من الأشياء والموجودات بأكثر مما يتحقق من بطولة الحضور الإنساني المباشر. الظهور الإنساني دائماً تالٍ للحضور الوجودي المؤلَّف من العلامات: البحر، الشاحنات، الرافعات، الشوارع، السيارات، الحواجز الأمنية، الأرصفة… إلخ. الحضور الإنساني دائماً لاحق، وجزء من المشهد المديني، بحيث تبدو قصيدة باديس دائماً، إذا ما استعرنا مصطلحاً سينمائياً (تحتمله هذه التجربة) مثل لقطة بانورامية، نستطيع تمييز تكوينها والوقوف على كتلها الرئيسية الموزعة تشكيلياً لكن لا نستطيع فيها العثور على وجه مقرب إلا باجتزاء «التفصيلة» (بلغة التشكيل هذه المرة) من جداريتها. وفق هذه القراءة، نحن أمام نص بلا بطل، بل وينكر فكرة «البطل»، فنص صلاح باديس يخطو بنا لعالمٍ شعري تؤلفه المجاميع المجبولة لتملأ الخلفية، وليس البطل المبتسم في الواجهة.
***
رغم أن «ضجر البواخر» تحتمل قراءة مغلقة على شروطها الشعرية، إلا أن قراءتها في توترها بين علاقاتها الجمالية (الخطاب الشعري) وسياقاتها المحفزة (الخطاب التجريبي) يمنحها، في ظني، بعداً مختلفاً. ذلك أن قصيدة باديس تبدو طوال الوقت مثل: حوارية متوترة بين الداخل والخارج. مبدئياً نحن أمام قصيدة وصفية، تنهض على المشهد متكئةً على النظر لترصد تجسده قبل أن تغور في باطنه الشعوري. هي أيضاً قصيدة كنائية وليست بالقصيدة الاستعارية التي تبتعد فيها المسافة بين الجمالي المتحقق في «المبنى» ومرجعه المستقر في «المتن» بحيث يصعب رد أحدهما للآخر. الملمح الثالث هو سردية هذه القصيدة، فالتحولات «السردية» تتحقق هنا حد أن عدداً غير هين من القصائد تبذر «قصصها»: «الحاويات في الميناء..‏ تحجب البحر حتى الأفق..‏ لذلك تتأخر الشمس في الظهور،..‏ وعندما تفعل..‏ تبدو وكأن الرافعات..‏ أخرجتها من البحر..‏ الوزير الأول يقول..‏ إن الحاويات تحجب أشياء كثيرة..‏ ورغم جمال ألوانها..‏ إلا أنها صارت تسبب خسائر للدولة،..‏ لذلك صار عليهم التخلص منها..‏ والبحث عن بديل غير ملوّن..‏ هدموا حصون الميناء..‏ قمعوا ثورة الحمالين..‏ وزعوا الحاويات على الناس..‏ ليسكنوا فيها..‏ رموا السلع في البحر..‏ فتحوا الميناء ليصير شاطئاً..‏ وأخرجوا الرافعات لتعمل في البر…‏ الرافعات الصفراء الجميلة..‏ التي كنا نحسبها..‏ تُخرج قرص الشمس من الماء..‏ مع كل شروق..‏ صارت تتعطل..‏ وهي تحاول رفع معنويات الناس». لا يمثل هذا المجتزأ من قصيدة «اقتصاد الحاويات» سوى نموذج دال لا يصعب العثور على نماذج أخرى تحققه بطول وعرض النص الشعري.
ليس بعيدًا عن الحضور السردي، يمكن العثور على «هيئات» للذوات المتكررة في المجموعة، والتي يمكن اختزالها في ذاتين رئيسيتين: ذات شاعرة تملك سيارة، (أي أنها متحركة رغم بقائها في حدود «الوطن») وحبيبة غائبة في مدينة أخرى (مستقرة، وقارّة مكانياً، بخلاف الذات الشاعرة، رغم كونها مغتربة).
الذات وسيارتها: بديل عصري لصورة الذات المتوحدة القارة في الذاكرة الجمعية لرجل يعبر المدينة بصحبة كلبه، فقصيدة باديس، المتصلة تماماً بفضاء المدينة الاصطناعي، لا تبحث عن صحبة تمثل الوجود الغريزي أو تتوفر على سمةٍ «حية» فضلاً عن كونها «إنسانية»، بل تبحث عن «وسيلة» أو «وسيط» سريع ونفعي، يجعل القصائد في لهاثها كما لو كانت تُكتب عبر الوعي العابر والمغادر لذات تقود سيارتها، فيتحقق المشهد الشعري عبر أقل الخطوط الرئيسية (كضربات فرشاة سريعة وعجولة) القادرة على وصفه بأقل الكلمات، ذلك أن لا وقت للتوقف: القصيدة نفسها لن تنتظر. خطاب صلاح باديس هو خطاب ذات المدينة المتعجلة، التي لا تحتمل الفائض اللغوي ولا تأنف من غائية اللغة أو تتكبر على جوهرها «التداولي».. ويغدو سؤال الخطاب الشعري هو كيفية إعادة ترتيب المفردات بأقل قدر من التدخل المجازي (التشبيه، بالكاد، هو ما يُسمح باستخدامه هنا) لتبدو القصيدة مثل نص أعيد تدويره من مخلفات الواقع اليومي وليس نصاً أجاد الشاعر خلقه.
***
بين الذات الشاعرة (الحضور) والذات الأنثوية (الغياب) يتخلق الصوت الشعري، الذاهب في غير موضع للمخاطَب، لكن ليس عبر الاستخدام السنتمنتالي المألوف الذي يتيحه ضمير المخاطب لمنطق «المناجاة» خاصة عندما يكون المخاطب هو «البعيد» أو «الغائب» وفضلاً عن ذلك امرأة يخاطبها رجل، وتحضر كحبيبة. استخدام المخاطب شعرياً هنا تلغرافي، متقشف وجاف، كأنه يحاكي لهجة المخاطب في المدينة عبر الحوارات القصيرة في الهواتف المحمولة، أو الإجابات المتبخرة لأسئلة عملية تنتظر ردوداً بين غريبين بهدف الحصول على معلومة عن الوقت أو كيفية الوصول لمكان. وبلهجة تقريرية هي لهجة التعجيل بالإنهاء وليس الإطناب، حتى إن حضور الذات الأنثوية يُغمَر بركام «الأشياء» التي تتزاحم في المدينة: «فيما كان العالم يحتل ساحاته..‏ وتحاولين أنتِ التأقلم مع غربتك..‏ كنا نحن هنا..‏ نبني محطة مترو..‏ ننتظر رجوعكِ..‏ ننقب عن مدينة أثرية..‏ ونزاحم السيارات على الإسفلت والأرصفة». أو تحل الأنثى البعيدة عبر رسالةٍ عملية يمكن أن تُقرأ على شاشة جوال بأكثر مما يمكن أن تصطف في صفحة كتابٍ شعري: «رُزمة الكتب التي أرسلتِها..‏ لم تصل،..‏ يقول موظف البريد..‏ إنها تقبع في جوف باخرةٍ ما..‏ من تلك التي ترسو في عرض البحر. الباخرة لم تدخل الميناء..‏ ونحن لم نعد قراصنة..‏ حتى نذهب ونسترجعها».

تبدو الذات الشاعرة في ضجر البواخر كأنما تستعير الصوت اللامبالي لـ(ميرسو) بطل رواية الغريب لألبير كامو، حيث الصدفة يمكن أن تصنع الحب والقتل معاً. لا تفتقر التجربة للغضب، لكنه غضب مكتوم في العمق تطفو فوقه سحابة اللا مبالاة الثقيلة. كذلك لا تعوز النص الشعري السخرية، لكنها أيضاً ليست السخرية الثقيلة التي تحيل لمرارة مقيمة، بل سخرية جرى ترويضها لتصير جزءاً من اللغة وليست هدفاً لها، وكأنها خطاب يومي تسلل عفواً للغة الشعر: «أردتُ أن أقتبس عن دكتور مصري سبعيني يجلس في أتيليه القاهرة عام 97 ينفث الدخان ويقول: تفعلون ما تفعلون لأنكم شباب. الشباب لابد أن يكافح وإلا ظن الحياة بلا معنى، يشعر بالضياع. في البلاد التي لا تحتاج إلى الكفاح، في السويد والنرويج مثلاً، يقتل الشباب أنفسهم. ينتحرون». تسخر اللغة الشعرية وكأنها «تتكلم»، وإذا ما اكتفينا بقراءة مقتطع كهذا اجتزئ من قصيدته، ربما ووجه بإدانةٍ مجانية لفقره «الشعري».
استبدل باديس «كآبة البواخر» القديمة بـ«ضجرها» العصري، مفتتحاً مجموعته بـ«مانيفستو» خاص يُشيِّد الدال الأساسي في المعجم الشعري لهذه التجربة: «يقال في اللغة الفرنسية قديماً إن فلاناً عرف كآبة البواخر، أي أنه سافر كثيراً وركب البحر وعاش المغامرات. الكآبة تنتمي لقرن مضى، كانت فيه السفن تبقى أشهراً في البحر حتى تصل. أما اليوم، فالبواخر يصيبها الضجر في الموانئ».
«الضجر» أمام «الكآبة»: إنها الخفة أمام الثقل، والعابر قبالة المقيم، والشعور سريع الزوال في مواجهة نظيره المزمن.. أليس هذا هو مفتاح «ضجر البواخر» أو أحد مفاتيحها على الأقل؟ ربما، خاصةً عندما نكون أمام ذات لا تبالي حتى بموتها، شريطة أن يموت العالم معها.