وتر: شيء من الأخلاق

شريفة بنت علي التوبية –

اليابان تعتمد الأخلاق منهجاً دراسياً في مدارسها، أما الأخلاق بالنسبة لنا فهي ليست مادة ولا منهج دراسي، إنما مجموعة من القواعد والسلوك يقرّها ويشكلها المجتمع ليمارسها أفراده تحت رقابة مجتمعية مشددة، ورغم التراجع الكبير في مستوى الأخلاق، ورغم الانهيار الخُلقي والإنساني والعاطفي في مجتمعاتنا العربية ورغم التيه الأخلاقي الذي يعاني منه الكثيرون منا في مدينة عالمية كبيرة، لكن المناهج الدراسية الراسخة منذ مائة عام وأكثر ما زالت كما هي ولم تتغير، ولم نفكر بصياغة منهج يشمل قواعد الأخلاق، فالأخلاق لدينا كل ما له علاقة بالحلال والحرام ونظرة المجتمع وما يقوله لسان المجتمع، والأخلاق في مجتمعاتنا تاريخ وفلسفة وقد مات عظماء التاريخ وانتهى عصر الفلاسفة.
نحن لا ندرّس الأخلاق في مدارسنا ولا نكتب عن الأخلاق في كتبنا، فكل ما ندرّسه للأبناء حكاية تاريخ قديم ونجبرهم على حفظه، نزيّن لهم الحكايات القديمة ليصبح أجدادنا وأسلافنا أبطال خارقون، فكل الحكايات لدينا تبدأ ( بكان يا ما كان ) فنرجع بهم للخلف كي نمنحهم طاقة الحياة فيعيشون في الماضي كما عشنا، ويصابون بنشوة الانتصار والفخر بعظام رميمة تحت التراب، فالأخلاق في أذهاننا وأذهانهم كانت ولن تكون، نسلب منهم تلك الطاقة التي تدفعهم للسير نحو الأمام، أتخيل ما الذي سيحدث لو نسينا هذا التاريخ العظيم الذي نتغنى به ونلقنه أطفالنا ونطعمهم إياه مع جرعة الحليب، ترى ما الذي سيحدث لو اختفت كتب التاريخ وأصبحنا نواجه الحياة بلا تاريخنا العظيم وحكاياتنا العظيمة وأبطالنا العظماء وكل من تحولوا أبطالاً بعد الموت، ماذا لو فقدنا الذاكرة وعشنا كما شاءت لنا اللحظة وشاء لنا الزمان، ماذا لو استيقظنا فجأة كما استيقظت اليابان بعد إلقاء القنبلة النووية على هوريشما وناجازاكي، ماذا سيحدث أيها السادة لو أفقنا من موتنا الطويل ولو فتحنا أعيننا الناعسة واستفقنا من سباتنا الطويل، ماذا لو كف رجالنا الأبطال من لعب أدوار البطولة في قلوب الغانيات؟!
آما أن الأوان لأن نفكر ولأن نعطي أنفسنا حقها الكامل من الحياة، أما آن الأوان لأن تصبح الأخلاق منهجاً دراسياً بحاضرٍ محاصر بالخيانات والفساد والموت، نحتاج لأخلاق لا ترتدي جلباب المجتمع وعمامة الدين وعباءة التاريخ ولا يمارسها المرء خوفاً من سلطة القانون أو رهبة من النار، بل لأنه مقتنع بها، فمتى نتخلص من تقديس العادات ومتى تصبح الأخلاق مادة دراسية في زمن أكثر ما نحتاج له شيء من الأخلاق.