صوت العقل .. في الحوار الخليجي- الإيراني

عماد عريان –
مع التسليم الكامل بحتمية إعلاء شأن المصالح الخليجية العليا فوق كل اعتبار وعدم التفريط في الثوابت والأهداف الإستراتيجية وعلى رأسها وضع حد للتهديدات الإقليمية والخارجية، تبقى الحاجة ماسة لمواكبة الكثير من التغيرات السياسية العالمية التي قد تفرض نهجا مختلفا في الوسائل وصولا إلى الأهداف الإستراتيجية ذاتها.  

والاتصالات والمباحثات التي جرت بين طهران ومسقط، وبين طهران والكويت هي استجابة حكيمة للتكيف مع التحولات والتطورات التي وقعت على الصعيدين الإقليمي والعالمي، حتى وإن كان من المبكر جدا الحديث عن تأثيرات فورية أو عاجلة لهذه الاتصالات العمانية الإيرانية الكويتية على مجمل العلاقات الخليجية- الإيرانية، ولكنها في التحليل النهائي تمثل تطورا إيجابيا فاعلا وبداية مهمة لصياغة علاقات بناءة وربما التمهيد لصيغة للأمن الإقليمي تصون وتحمي مصالح مختلف الأطراف.
هذا الهدف المنشود بات ضرورة حيوية أكثر منه مجرد دعوة أو رغبة لإنهاء التوتر في المنطقة التي باتت فوق بركان بارود جراء التطورات اليمنية والسورية وغيرها والتدخلات الدولية المهولة التي صنعت مأساة رهيبة استنزفت دول المنطقة المعنية بهذه الصراعات استنزافا شديدا ألقى بتأثيراته السلبية- شئنا أم أبينا- على أوضاعها الاقتصادية، فضلا عن المآسي الإنسانية التي نجمت عنها بسقوط مئات الآلاف من القتلى والجرحى وتشريد الملايين الذين تحولوا إلى لاجئين ونازحين مطاردين ومعذبين داخل بلادهم وخارجها، هذه المآسي الإنسانية الكبرى والتطورات الأمنية الخطيرة المرتبطة بها وحدوث تحولات سياسية مخيفة على الصعيد العالمي ربما فرضت مقاربات أخرى للخروج من هذا المأزق الخطير نتيجة عدم وجود أي ضوء في نهاية النفق للمقاربات الجارية، وأغلب الظن أن المباحثات التي أجراها وزير الخارجية الكويتي في طهران وما أعقبها من مباحثات للرئيس الإيراني في كل من مسقط والكويت والتصريحات السعودية الأخيرة بأطر الحوار الإيجابي في المنطقة تدور في هذا الفلك أو على أقل تقدير تبحث عن بدايات جديدة للتعاون بديلا عن التنافس أو التصارع.
والمأمول الآن أن تصب هذه المعطيات الجديدة الإيجابية، في صالح بناء صيغة تحقق الاستقرار في النظام الإقليمي العربي وفي القلب منه دول الخليج العربية التي تتماس بشكل مباشر مع الجار الإيراني جغرافيا وبشريا واقتصاديا، ويعني ذلك أن حوارا إستراتيجيا جديدا تطلقه وتخوضه وتتبناه القوى الإقليمية بنفسها لتجسير الهوة والقفز فوق الصعاب قد يلعب دورا في عودة الاستقرار المفقود، فمهما كانت التباينات في وجهات النظر أو الخلافات حول القضايا الحيوية، إلا أن مصائر الشعوب لا تتحدد ولا تتشكل وفقا لمناهج أحادية في التوجهات السياسية. ومثل هذا الحوار الإستراتيجي المأمول يمكن أن يمهد للتوصل إلى تصور شامل ودائم للأمن الإقليمي للمنطقة وأيضا سعيا نحو بناء إجراءات جديدة للثقة المتبادلة على أسس واضحة وأرضية صلبة تصون وتحمي مصالح دول المنطقة، مع الالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية والترفع فوق التوجهات المذهبية والطائفية.
والمرجح أن مثل هذا التوجه، في حالة جديته بنوايا خالصة، يمكن أن يساهم بقوة في التوصل إلى حلول سياسية لصراعات وأزمات المنطقة التي اكتوت بنيران حروب أهلية بددت طاقاتها ومواردها وثرواتها وباتت في أمس الحاجة إلى الاستقرار وليس مزيدا من الحروب والتوتر. وهناك بالقطع فرص كبيرة لنجاح مثل هذا الحوار الإستراتيجي وإجراءات بناء الثقة بحكم العوامل الجيو- سياسية القائمة في المنطقة والتي تحتم تبني سياسة حسن الجوار من جانب مختلف الأطراف، ولذا فإنه من المستبعد الحديث عن استقرار حقيقي في المنطقة بدون حوار جاد لصياغة علاقات استراتيجية أكثر وضوحا للعبور نحو تحقيق هذا الهدف الحيوي والضروري لشعوب المنطقة بعيدا عن الحروب والصدامات. وليس خافيا أن العلاقات بين الطرفين منذ نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979مرت بكثير من حالات الشد والجذب والتوتر المتزايد الذي استمر طوال فترة الحرب العراقية- الإيرانية، وهدأ نسبيا بعد الغزو العراقي للكويت، حيث اكتشفت دول المنطقة أن دولة عربية شقيقة قد تكون أشد خطرا وأكثر اندفاعا من أطراف أخرى غير عربية، إلا أن هذا الهدوء سرعان ما تبدد نتيجة عوامل متعددة.
وعلى الرغم من توقيع إيران لاتفاق فيينا مع مجموعة القوى الكبرى في مجلس الأمن (اتفاق 5 1) والخاص بإنهاء أزمة ملفها النووي، فإن بعض دول مجلس التعاون الخليجي ظلت تسكنها الهواجس المتعلقة بالمطالبة بضرورة الالتزام بالاتفاق، والتشديد على أهمية دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في هذا الشأن، وضرورة تطبيق آلية فعالة للتحقق من تنفيذ الاتفاق والتفتيش والرقابة، وإعادة فرض العقوبات على نحو سريع وفعال حال انتهاك إيران لالتزاماتها طبقا للاتفاق، إلى جانب التأكيد على أهمية تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2231 (يوليو 2015) بشأن الاتفاق النووي، بما في ذلك ما يتعلق بالصواريخ البالستية والأسلحة الأخرى, وفى الوقت نفسه المطالبة بجعل منطقة الخليج والشرق الأوسط منطقة خالية من كافة أسلحة الدمار الشامل، بما فيها الأسلحة النووية مع التأكيد أيضا، على حق جميع الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وضرورة معالجة المشاغل البيئية لدول المنطقة.
ولا شك في أن هذه كلها أمور تستوجب رؤية استراتيجية جديدة في التعامل مع الجار الإيراني، حاضرا ومستقبلا، بحكم طبيعة الجوار وكذلك للعلاقات الثقافية والتجارية المتداخلة بشدة. وقد ذهبت تحليلات سياسية عديدة إلى أن السياسات الأمريكية في السنوات الأخيرة بنيت على تعميق التناقضات بين دول المنطقة وإثارة الكثير من الاضطرابات الأمنية والسياسية، بينما تمارس في الوقت ذاته سياسة مزدوجة المعايير والتوجهات مع دول المنطقة خاصة في عهد أوباما، فهي تكتفي طول الوقت ببث رسائل الطمأنة والمساعدة والدعم لدول الخليج العربية على وجه الخصوص، ولا توجد مؤشرات مبكرة على أن واشنطن ستغير من هذا النهج خاصة مع وصول ترامب للبيت الأبيض وبروز سياساته المتشددة تجاه طهران، ولكن يجب ألا يكون هذا مبعث ارتياح لأي أطراف أخرى، لأن في الغالب ستكون السياسة الأمريكية واحدة تجاه إيران ودول الخليج على حد سواء تحقيقا لمصالح ترامب المعلنة!
الحقائق السابقة والأوضاع الميدانية على الأرض تؤكد مجددا حتمية البحث عن صيغة استراتيجية جديدة لتحويل الخليج إلى بحيرة سلام بين دوله المتشاطئة تقوم على احترام مبادئ حسن الجوار والسيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى كما سبق الذكر، حتى لا يكون دوما منطقة توتر تستنزف قدراتها وإمكاناتها وربما أمنها وأمانها. ولا شك في أن الطرف الإيراني تقع على كاهله جانب كبير من تحقيق ذلك على ضوء ضوابط ينبغي أن تحكم المسار المستقبلي للعلاقات الإيرانية- الخليجية، بما يحقق مصالح الطرفين من جهة، ويسهم في تعزيز أمن منطقة الخليج واستقرارها ويعزز أمن وأمان شعوبها من جهة أخرى، ويبقى المحدد الأهم لمستقبل هذه العلاقات رهنا بمدى إدراك أهمية تطوير علاقات طهران مع العواصم الخليجية، ومن ثَم إبداء بوادر حسن نية لإقامة تعاون إيجابي، خاصة وأنه من مصلحة إيران وكل الدول الخليجية تعزيز علاقاتها مع بعضها البعض لتوسيع شبكة علاقاتها على المستوى الإقليمي والدولي، وكذلك لأن العلاقات التي تربط دول الخليج بإيران ذات طابع استراتيجي دائم ومستمر وليس مؤقتا أو طارئا بحكم المحددات التاريخية. وبالتالي قد يكون من المناسب إعادة النظر في سبل إدارة علاقات إيران مع دول مجلس التعاون الخليجي، والعكس أيضا، في المجالات والقضايا كافة، وعلى المديين المتوسط وطويل الآجل، وقد تكون البداية الحقيقية لإنجاز ذلك الاتصالات التي انطلقت عبر العواصم الثلاث طهران- مسقط- الكويت.