إضاءة :منهل عذب

سالم بن حمدان الحسيني –
ينتظر الكثير من المثقفين والأدباء والشعراء والباحثين وممن تستهويهم القراءة والاطلاع معرض مسقط الدولي للكتاب بشوق كبير؛ لأنه المعين الرقراق والمورد الصافي الذي ترده الأفئدة العطشى لتنهل منه ما يروي ظمأها من العلم والثقافة والاطلاع على كل جديد من العلوم والمعارف، حيث أصبح هذا المعرض الذي يطل علينا مع بداية كل عام يترقبه الكثير من أبناء المجتمع وشتى فئاته بشوق وبشغف كبيرين حيث يجد الجميع ضالته ومبتغاه من شتى العلوم ومختلف الثقافات بل حتى المعارف والعلوم الإلكترونية أصبحت حاضرة وبكل قوة تلبي طموح ورغبات شريحة كبيرة ممن يستهويهم أو يعنيهم هذه الجوانب العلمية.
وقد جاء معرض الكتاب هذا العام مختلفا عما سبقه من معارض شكلاً ومضمونًا فمبناه الجديد بشكله الأنيق ومساحاته الفسيحة وإطلالته على سماء مسقط وسهولها من خلال ربوته العالية أضفى عليه بعدا جماليا جذابا وما احتواه أيضا من مقاه ثقافية واستراحات فسيحة أعطت لمرتاديه وضيوفه أريحية وبعدًا جماليًا لا شك سوف تكون له إسهامه الكبير في الارتقاء بالمشهد الثقافي في البلاد لمزيد من التجلي والمزيد من الألق.
وما يجعل الكثير أيضًا يترقب هذا الحدث السنوي بكل لهفة وشوق ما تسوقه إليه قوافل دور النشر من أمهات الكتب الثمينة والطبعات النادرة التي تشبع نهم الباحثين والكتاب والمؤرخين وطلبة المدارس وما يحويه من تنوع الإصدارات الفكرية التي اعتدنا أن نشهد تواقيع ميلادها كل عام.
ولا عجب أن نجد هذه الأمة مولعة بالكتاب وبالمعرفة والاطلاع على شتى فنون العلم فقد رضعوا من هذه الفنون جميعها، وهي تجري في عروقهم مجرى الدم فقد كانت لهم الأندية يتبارى فيها فرسان العلم والأدب والمعرفة حتى قبل الإسلام وقد قسم المؤرخون الأدب العربي إلى عدة عصور أولها العصر الجاهلي الذي دام ما يقرب من نحو قرن ونصف قبل الإسلام حيث راج في تلك الفترة الشعر الجاهلي وكان الاعتناء به فائقا وكان الشاعر الجاهلي له مكانته الكبيرة والمقدّرة، حتى أشع الإسلام بنوره وظهور نبي الرحمة المهداة للعالمين جميعًا، وقد اطلق المؤرخون على تلك البدايات من ظهور الإسلام عصر ميلاد الإسلام أو صدر الإسلام الذي امتد من السنة الثانية عشرة قبل الهجرة إلى السنة الحادية والأربعين هجرية حيث زاد الأدب العربي في تلك الفترة جمالاً وبهاءً فقد هذب بعض السلوكيات والتوجهات التي سلكها الشعراء الجاهليون إلى وجهات تصحيحية في التصورات فتغيرت تبعا لذلك أغراض الأدب متأثرة ببيان القرآن العظيم بفصاحته وبلاغته وجمال أسلوبه إلى حد الإعجاز وبيان الأحاديث النبوية الشريفة التي حوت جوامع الكلم ودقة العبارة وجمال الأسلوب، وروعة الطرح فاتجه الشعراء إلى أغراضٍ أعلى قيمة وأرفع مكانةً وراجت أشعار الحكمة وبرز في هذا العصر شعراء كثيرون ثم جاء العصر الأموي الذي يعد امتدادا لعصر صدر الإسلام وقد ازدهرت فيه فن الخطابة العربية وقد برز عدد كبير من الخطباء الفطاحل والشعراء ونشأت المدرسة الأولى للكتابة على يد عبدالحميد الكاتب، ثم تلاه العصر العباسي الذي يعد أزهى العصور الأدبية وذروة المجد الحضاري والثقافي والفني حيث ازدهرت فيه الحياة واتسعت المعارف ودُوّنت الكتب، ووضعت العلوم الدينية واللسانية وتعددت الثقافات وكثر العلماء والأدباء وكان النثر الفني أكثر إزهارًا ونموًا ظهرت فيه مدرستا الجاحظ والبديع، حتى ظهور الأدب الأندلسي الذي اتسم بالعناية الفائقة بوصف الطبيعة، ثم العصور الوسطى التي صنفت أقل العصور الإسلامية أدبياً وفكرياً وثقافياً حتى العصر الحديث.
وكم كنت أتمنى أن تصدر قبل فترة زمنية كافية قوائم بأسماء الكتب والإصدارات التي تعرضها دور النشر بحيث تتداول عبر التطبيقات والمواقع الإلكترونية التي أصبحت وسيلة سهلة التداول، وفِي متناول شريحة كبيرة من المجتمع حتى يجد الباحث ضالته بكل سهولة، ويسر ويتيح له الوقت الكافي من البحث عما غاب عن باله أو ذاكرته من الكتب التي قرر أن يقتنيها قبل ذهابه إلى ساحة العرض حتى لا يتيه في محيط شاسع ولجة عميقة من بحور العلم والمعرفة ولم يسعفه الوقت للبحث عنها في ذلك الكم الهائل من الكتب والإصدارات.
كما يطمح الكثير أن يجد بجانب كل دار نشر قوائم بأسماء الإصدارات القديم منها والجديد وما يعرض في تلك الدار من أمهات الكتب، وما ندر منها حسب اللغات التي صدرت بها، وبتقسيمات مبوّبة سهلة جذابة تتيح للباحث المزيد السهولة وتوفر عليه الوقت وعناء البحث وأيضًا تذكره بما كان غائبا عن باله، كما يطمح الجميع أيضا أن تراعى الأسعار في هذا العرس الثقافي السنوي وأن يكون هاجس المؤلفين وأصحاب دور النشر نشر الثقافة وتنوير المجتمع اكثر من أن يكون هاجسهم الربح المادي فحسب فبتكاتف الجميع يستطيع جيل اليوم استعادة المكانة الأدبية والثقافية للفرد العربي ويصنع مجدًا سامقًا للأجيال القادمة بإذن الله.