3 أرقام مهمة في طريق النهوض بالصناعة

أ.د. حسني نصر –
لقد مر على إنشاء أولى المناطق الصناعية أكثر من ثلاثين عاما، ومر على الزيارة السامية أكثر من ربع قرن. ومن هنا، وبعد كل هذه السنوات من التطور، يحق لنا أن نتوقف قليلا لنتساءل عما قدمت هذه التجربة الصناعية الطويلة نسبيا وما حققت من منجزات، وذلك كمقدمة ضرورية للحديث عن سبل النهوض بالصناعة العُمانية بوجه عام.  

يمكن القول إن الزيارة السامية الميمونة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه- لمنطقة الرسيل الصناعية في يوم التاسع من فبراير 1991، الذي أصبح يوما للصناعة في السلطنة، كان لها مفعول السحر في تزايد الاهتمام الوطني بالصناعة كرافد مهم ورئيسي من روافد الاقتصاد الوطني، لا يقتصر إسهامه على توفير منتجات صناعية جيدة للسوق المحلية، وتوفير فرص عمل للمواطنين، بل يمتد ليشمل جذب الاستثمارات الصناعية الأجنبية وتوطين الصناعة والخروج بالمنتج العماني إلى الأسواق العالمية.
ومنذ هذه الزيارة الميمونة، وعلى مدار ربع قرن تقريبا شهدت الصناعة في عُمان تحولات كبيرة وجوهرية سواء على مستوى الرؤية الوطنية للصناعة ككل، أو على مستوى الإنجازات التي تحققت على الأرض. ولعل أبرز هذه الإنجازات – من وجهة نظري- إنشاء المؤسسة العامة للمناطق الصناعية في العام 1993، بهدف تخطيط وإنشاء وإدارة وتنمية المناطق الصناعية في السلطنة. وبمرور الوقت وتراكم الخبرات، تطورت رؤية وأهداف المؤسسة لتشمل تعزيز مكانة عُمان كمركز إقليمي ريادي في مجالات التصنيع، وتقنية المعلومات والاتصالات، والابتكار، والتميز في مبادرات الأعمال، وتبلورت رسالتها في جذب الاستثمارات الصناعية، وتقديم الدعم المتواصل للمشروعات الصناعية من خلال وضع الاستراتيجيات التنافسية إقليميا وعالميا، وإيجاد بنية أساسية متطورة، وتوفير خدمات القيمة المضافة، وتسهيل الإجراءات الحكومية لإقامة المصانع.
لا ينكر أحد أن المؤسسة العامة للمناطق الصناعية، وبدعم كامل من حكومة السلطنة، لعبت منذ قيامها دورا بارزا في مد المنجز الصناعي إلى مناطق عديدة داخل السلطنة من خلال إنشاء وإدارة مناطق صناعية جديدة، بلغ عددها سبع مناطق تنتشر في مختلف أنحاء البلاد. فبالإضافة إلى منطقة الرسيل، أصبحت خريطة المناطق الصناعية تمتد من صحار بمحافظة الباطنة، إلى ريسوت بمحافظة ظفار، ومن نزوى بمحافظة الداخلية، إلى صور بمحافظة الشرقية، ومن البريمي بمحافظة البريمي، إلى سمائل بمحافظة الداخلية، بالإضافة إلى واحة المعرفة مسقط التي تعد منطقة صناعية في مجال تقنية المعلومات، والمنطقة الحرة بالمزيونة بمحافظة ظفار على الحدود العمانية اليمنية. وبالإضافة إلى دورها في إنشاء وإدارة وتطوير المناطق الصناعية، فإن المؤسسة العامة للمناطق الصناعية نوعت أهدافها ومهامها لتشمل تقديم كل صور الدعم الممكنة للشركات الصناعية القائمة، خاصة فيما يتعلق بوصول المنتج الصناعي العماني إلى الأسواق المحلية والعالمية عبر المعارض المحلية والدولية والحملات الترويجية، بالإضافة إلى خدمات القيمة المضافة التي تقدمها من خلال ثلاثة مراكز متخصصة، هي مركز الاتصال وخدمات المستثمرين، ومركز الابتكار الصناعي، والمركز الوطني للأعمال.
لقد مر على إنشاء أول المناطق الصناعية أكثر من ثلاثين عاما، ومر على الزيارة السامية أكثر من ربع قرن. ومن هنا، وبعد كل هذه السنوات من التطور، يحق لنا أن نتوقف قليلا لنتساءل عما قدمت هذه التجربة الصناعية الطويلة نسبيا وما حققت من منجزات، وذلك كمقدمة ضرورية للحديث عن سبل النهوض بالصناعة العُمانية بوجه عام. وفي هذا الإطار فإن حديث الأرقام يبدو مناسبا باعتباره أقصر الطرق للإقناع وإيصال الحقائق. وحتى تكون الأرقام أكثر دلالة، وأكثر حداثة أيضا، فإننا نعتمد هنا على تلك المعلومات التي أدلى بها، الأسبوع الماضي، هلال بن حمد الحسني الرئيس التنفيذي للمؤسسة العامة للمناطق الصناعية بمناسبة احتفالات يوم الصناعة.
ونكتفي في هذا المقال بثلاثة أرقام ذات دلالة يمكن أن تمثل منطلقا للحديث عن أسس النهوض بالصناعة العمانية. أول هذه الأرقام وأكثرها أهمية يتعلق بإجمالي الاستثمارات في المؤسسة العامة للمناطق الصناعية، والذي تخطي حاجز الستة مليارات ريال عماني، أي نحو 15 مليار دولار أمريكي خلال النصف الأول من العام الماضي. وفي تقديري انه رقم جيد ويمثل إنجازا كبيرا في ضوء حداثة التجربة الصناعية للسلطنة من جانب، والمنافسة الشديدة التي تواجهها على صعيد جذب الاستثمارات الصناعية من دول المنطقة بوجه عام. ويرتبط بهذا الرقم رقم فرعي يبدو مبشرا، ويتصل بنجاح المؤسسة العامة للمناطق الصناعية خلال النصف الأول من عام 2016 في جذب استثمارات بالمناطق التابعة لها بلغت نحو ربع مليار ريال عماني، وهو معدل كبير لنمو الاستثمار الصناعي خلال ستة أشهر فقط، يمكن إن استمر في الأعوام القادمة أن يمثل نقلة كبيرة للصناعة العُمانية.
الرقم الثاني المهم هو أن عدد الشركات الصناعية المنتجة بالفعل في المناطق الصناعية تجاوز الألف شركة، إلى جانب 277 شركة أخرى قيد الإنشاء، و349 تم تخصيص أراضٍ لها. قد يبدو للناظر من بعيد أن هذا الرقم ما زال دون الطموح، ولكن من المهم في هذه المرحلة أن تتم قراءة هذا الرقم في سياق الواقع العام للاقتصاد الوطني، الذي كان حتى وقت قريب يعتمد على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل القومي.
ويتعلق الرقم الثالث بالمردود الاجتماعي المباشر وغير المباشر للصناعة على المجتمع العُماني، وهو ما يتم قياسه في الغالب بحجم فرص العمل التي توفرها المصانع القائمة. ووفقا لبيانات المؤسسة العامة للمناطق الصناعية، فإن المشروعات الصناعية في السلطنة، استطاعت أن توفر حتى نهاية النصف الأول من عام 2016 أكثر من 46 ألف فرصة عمل، تشغل الكوادر الوطنية منها نحو 17 ألفا. وهنا يجب أن نضع في الاعتبار أن هذا الرقم يمثل الوظائف الحالية فقط، دون إضافة الوظائف السابقة التي وفرتها الصناعة على مدار الثلاثين عاما الماضية.
إن أي حديث عن النهوض بالصناعة في السلطنة يجب أن يبنى على ما تحقق حتى الآن، وأن يبدأ من إعادة قراءة الأرقام الثلاثة، قراءة علمية تراعى متغيرات الواقع الوطني والعالمي، وخطط التنويع الاقتصادي التي تنتهجها الدولة حاليا، ثم جعلها أساسا لمتابعة التقدم في هذا المجال.
ومن الضروري في هذا السياق أن نتخذ من العام 2016 الذي عبرت عنه الأرقام الثلاثة عاما للقياس حتى نستطيع الحكم على مدى التقدم الذي سوف يتحقق في الأعوام القادمة بإذن الله.
لقد بذلت حكومة السلطنة جهودا كبيرة في توطين الصناعة، ونجحت إلى حد كبير في تحويلها إلى رافد رئيس ومهم من روافد الاقتصاد الوطني، وضخت على مدى الأعوام الماضية وما زالت تضخ استثمارات ضخمة في إنشاء وإدارة ودعم المناطق الصناعية، ووفرت للمشروعات الصناعية الحوافز التي تمكنها من النمو والازدهار، مثل الإعفاء من الضريبة على الأرباح لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد لخمس سنوات أخرى، والإعفاء من الضرائب الجمركية على استيراد الآلات والمعدات وقطع الغيار والمواد الخام الأولية والمواد نصف المصنعة ومواد التعبئـة والتغليف الداخلة في الإنتاج طوال فترة قيام المنشأة الصناعية، بالإضافة إلى التسهيلات الخاصة بالحصول على القروض مدعومة الفائدة، وخفض أسعار الكهرباء المستخدمة في الأغراض الصناعية.
في ضوء ذلك وفي ضوء التجربة الثرية التي عاشتها الصناعة فإن أسس النهوض بها تتمثل في العمل على إحداث زيادة ملموسة في الأرقام الثلاثة التي ذكرناها، أي العمل على زيادة حجم الاستثمار الوطني والأجنبي في الصناعة، وزيادة عدد المصانع، وتعظيم العائدات الإنتاجية، ومضاعفة فرص العمل التي توفرها الصناعة.