أنماط المأثور التقليدي وارتباطها بعادات المجتمع العماني وتقاليده

أنماط الغناء في البادية:-
جمعة بن خميس الشيدي –

أدّى التنوّع الملحوظ في التضاريس الجغرافية على أرض السلطنة، إلى إيجاد عددٍ من البيئات التي تختلف في عددٍ من الأوجه، ولا شك في أن لكلّ بيئة من هذه البيئات عناصرها ومُميّزاتها التي تُميّزها عن غيرها من البيئات، ولا شك أيضًا في أن لذلك التنوّع والتباين الأثر الواضح على الإنسان الذي يقطن في أي بيئة من تلك البيئات، فهو بالقطع يتأثر بها وبمعطياتها الطبيعية والمناخية، ويؤثر هو فيها من جانبه على مرور الحقب والعصور.
وتُشكل البيئة الصحراوية النسبة الغالبة من مساحة أرض السلطنة، فهذه البيئة البرية الشاسعة المُمتدّة من أقصى شمال عُمان وحتى جنوبها لم تكن لتخلو من أسباب الحياة البشرية فيها إلاّ في أجزاء قد تكون قاسيةً ويستحيل العيش فيها.
ويُشكل قاطنو هذه البيئة من البدو نسيجًا بشريًا متكاملاً ومتجانسًا، لهم وسائلهم الخاصة بهم في كل شيء، تتناسب وطبيعة البقاء والعيش في تلك البيئة، ولهم كذلك فنونهم الغنائية الموسيقية التي يختصون بها دون غيرهم من ساكني البيئات الأخرى، وهي فنون ذات نكهة خاصة يتميزون بها، ولا جدال في أنهم يعتزون بها ويُحرصون على التمسك بها والمحافظة عليها ومُمارستها في أعمالهم، وأسفارهم، وفي حلهم وترحالهم، وفي مناسباتهم الاجتماعية السعيدة، وحتى في أوقات سمرهم ولهوهم.
وتتميّز أنماط وأشكال الموسيقى التقليدية البدوية في بادية عُمان بتعدُّد ألحانها وأنغامها الغنائية، وبجمال وعذوبة هذه الأنغام، كما تتميّز بقوّة ورصانة النصوص الشعريّة المُغنّاة في هذه الأنماط، بتعدّدها وإحكام أوزانها الشعرية ولغتها (العربيّة المحلية)، نظرًا لكون الشعر هو المادة الأساسيّة التي اعتمدت عليها هذه القوالب والأنماط الغنائية في أساسها وفي أصل نشوئها، فالبدوي شاعرٌ بطبعه، والشعر ديوان العرب بالفعل، وتتطرّق هذه النصوص إلى العديد من المضامين الاجتماعية والأغراض الشعرية المختلفة.
بالإضافة إلى ما سبق، ونظرًا لأن البدو، في البادية العربية، دائمو التّنقل والترحال من مكان لآخر بحثًا عن الماء والكلأ، مُستخدمين في ذلك وسائلهم التقليدية البدائية (الجمال وقد تكون الحمير)، فإن جميع تلكم الأنماط والأشكال الموسيقية البدوية التي يُمارسونها تبعًا لعاداتهم و تقاليدهم وتبعًا لنمط حياتهم الاجتماعية المُتوارثة دون مُصاحبة أي نوعٍ من الآلات الموسيقية وبخاصة الآلات الإيقاعية منها (الطبول)، باستثناء آلة «الربابة» ذات الوتر الواحد، ذلك حتّى لا تُشكّل تلكم الآلات عبئاً آخر عليهم أثناء عملية التّنقّل والتّرحال، حسب رأينا.

* أنماط غناء الرّعاة:
كانت حرفة الرّعي من الحرف الهامة عند العُمانيين، وتُعتبر إحدى مصادر الدّخل عند فئة لا بأس بها منهم، وتُربّى في مُعظم مناطق عُمان أعدادًا كبيرةً من الإبل والأبقار والأغنام، فعلى سفوح الجبال في محافظة ظفار تُربّى قطعان الإبل والأبقار والأغنام بأعدادٍ كبيرةٍ، ولهذا يشتغل العديد من السكان في الريف بتربية الماشية ورعيها، وفي أثناء مزاولة هؤلاء الرّعاة لتلك الأعمال نراهم يُؤدّون العديد من أنماط الغناء التقليدي الذي يتناسب وتلك المهنة، ففي ظفار يُؤدون عددًا من هذه الألوان الغنائية أثناء الرّعي.
أمّا في المناطق الشمالية من البلاد فيغلب على الماشية التي تُربّى في هذه المناطق هي الأغنام، أمّا الأنواع الأخرى من الماشية فأعدادها قليلة مقارنةً بما يقدّر منها في ظفار، ولذلك يُناط للمرأة في أخذ هذا الدور في أغلب الأحيان، وفي أغلب المناطق. وتُغني الرّاعية وهي تزاول مهنتها اليومية بهدف التسلية عن نفسها، وتُصدر العديد من الصيحات والمُصطلحات المُنغّمة التي تتّخذها كلغة للتّفاهم مع غنمها عندما تدعوها لورود الماء لسقيها أو عندما تزجرها أو غير ذلك، وفي العادة تخرج بالقطيع امرأتان يُسلّيان عن نفسيهما ويتبادلان الغناء في ما بينهما، فتُغني الأولى وترد عليها الثانية.

* الأنماط الموسيقية الوافدة:
المعروف أن العُمانيين من سُكّان السواحل هم أكثر الناس انفتاحًا والتصاقًا بالعالم الخارجي واطّلاعًا على ثقافاته، ذلك عندما عبروا بسفنهم وأساطيلهم التجارية بحار العالم ومُحيطاته شرقًا وغربًا، مُؤثرين بحضارتهم وثقافتهم، ومُتأثرين هم أيضًا بثقافات شعوب تلك البلاد وحضاراتها. وكنتيجةٍ لذلك التّواصل الحضاري مع العالم الخارجي وخاصة في مجال الثقافات والفنون الموسيقية التي جلبها العُمانيون معهم من كلٍّ من قارتي إفريقيا وآسيا؛ وقد مارسها العُمانيون أوّل ما مارسوها في مواقعها الأصلية بمعيّة سكان تلك البلاد، ثم صاروا يُمارسونها هنا على أرضهم بنفس نصوص لغتها الأصلية التي حفظوها منهم، ومع تعاقُب السنين أدخلوا على نصوص أغانيها بعض الكلمات العربية حتّى صارت مُعظم نصوصها المُغنّاة كاملةً باللغة العربية، وبنفس أصل ألحانها، وإن صرنا نجدها مع مرور الزمن وبعد تلاقُحها مع الثقافة العُمانية أكثر ثراءً وعُمقًا في جميع مكوّناتها الأدبيّة والفنيّة.
أصبحت أنماط هذه الفنون الموسيقية جزءًا لا يتجزّأ من فنون أهل البلاد، ارتبطت بعاداتهم وتقاليدهم المُتوارثة، ويُمارسونها في مُختلف مُناسباتهم. ويُمكن تقسيم أنماط الفنون الموسيقية الوافدة إلى قسمين، كلٌ حسب الموقع الذي وفدت منه:
أ – الأنماط الموسيقية ذات السمات الثقافية الإفريقية.
ب – الأنماط الموسيقية ذات السمات الثقافية الآسيوية.

*أنماط الإنشاد الإسلامي:
يفتخر العُمانيون بأنهم دخلوا في دين الإسلام طوعًا، وصدّقوا، من دون أدنى شك، برسالة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وبأن ما جاء به هو من عند الله، وأن الإسلام هو دين الله الحق.
وليس أدل على ذلك من استقبال العُمانيين الحافل وعلى رأسهم «عبد وجيفر ابني الجُلندى بن المستكبر» ملكي عُمان في ذلك الوقت «لعمرو بن العاص»، رضي الله عنه، مبعوث النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى عُمان وأهلها لدعوتهم إلى الإسلام، وتلبيتهم الدعوة، ودخولهم طائعين في الإسلام مستبشرين بهذه النعمة المثلى، والرحمة الجُلّى.
وعندما طلب الصحابي الجليل «مازن بن غضوبة» من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يدعو لأهل عُمان، أجابه الرسول بقوله: «طوبى لمن آمن بي ورآني، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من رآني، وإن الله سيزيد أهل عُمان إسلاماً».
ومنذ ذلك التاريخ، ازداد تمسّك العُمانيون بدينهم واعتزازهم به والمحافظة على قيمه ومبادئه النبيلة، بل أن التاريخ خير شاهدٍ على دورهم في نشر الإسلام الحنيف في أجزاء من قارة آسيا وشرق وأواسط إفريقيا بعد أن شعّ نور الإسلام في النفوس واستقر الإيمان في القلوب، وذاقت الروح حلاوة ذلك الإيمان، وسماحة ذلك المنهج القويم للإسلام، وبعد ذلك لم يتوانوا للحظة في نشره وإيصاله إلى كل مكان وصلت إليه أقدامهم من أرجاء المعمورة.
ولعلّ من بين ما يُعبّر به العُمانيون عن ذلك الاعتزاز الكبير والتمسك بالدين، والحب الشديد للرّسول الكريم عليه أفضل صلاة وأتم تسليم، هو تلك المُمارسات الحسنة التي يقومون بممارستها في الكثير من مواقف حياتهم الدينية والاجتماعية، مثل: (المولد والمالد بأنواعه، والتيمينة والتسبيح… إلخ)، حيث يجدون في هذه الأنماط مجالاً رحباً للتعبير عمّا تجيش به صدورهم من صادق الحب والهُيام للخالق جلّت قدرته أوّلا وقبل كل شيء، ثم لرسوله العظيم، سيدنا محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم)، ثم لتلك الديار الطاهرة المقدسة، وخاصة بيت الله الحرام (الكعبة المشرّفة).