الحاجة إلى ميثاق شرف صحفي عُماني

أ.د. حسني نصر –
hosnin@gmail.com –

مع كل أزمة تتعرض لها الصحافة والصحفيون سواء في علاقاتهم مع السلطات أو مع الجمهور أو حتى مع مؤسساتهم يثور السؤال حول تنظيم العمل الصحفي في الدولة والحاجة إلى إعادة النظر في القوانين المتصلة بالصحافة والإعلام وعلى رأسها قانون المطبوعات والنشر الذي يعود إلى عام  1984.
والحقيقة أن التنظيم القانوني للعمل الصحفي الذي تتولاه الحكومة يمثل أحد جناحي تنظيم العمل الصحفي فيما يمثل التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة الجناح الثاني الذي لا غنى عنه والذي تتولاه المؤسسات الصحفية وجمعيات ونقابات وجمعيات الصحفيين في مختلف دول العالم والذي يتضمن مواثيق الشرف المهنية والأخلاقية والمجالس الصحفية وهو ما يجب أن تعمل عليه الجماعة الصحفية في السلطنة، خاصة وأن جميع المشكلات التي يواجهها العمل الصحفي يمكن حلها من خلال تلك المواثيق قبل أن تصل إلى المحاكم.
والواقع أن مواثيق الشرف المهنية تعد من أهم محددات الأداء الأخلاقي لوسائل الإعلام. والميثاق المهني في ابسط تعريف له هو مدونة سلوك تتضمن معايير مهنية يجب الالتزام بها من جانب الصحفيين والإعلاميين في المجتمع. وهو قائمة من التوجيهات مصاغة على نمط «افعل ولا تفعل» بهدف إرشاد الصحفيين ومساعدتهم في إصدار أحكام أخلاقية عندما يواجهون مشكلات أخلاقية في عملهم الصحفي. ويُعرف ميثاق الشرف الصحفي بأنه منظومة من الإرشادات التي تساعد الصحفي على الالتزام بالمسؤولية الصحفية من منطلق شعوره بانه مسؤول نحو مهنته وجمهوره. وتشكل المواثيق الأخلاقية ضرورة للصحفيين وتنظيماتهم المهنية وليس فقط صياغة للعلاقة بين الصحفيين والمجتمع.
وتغطي مواثيق الشرف الصحفية والإعلامية المشكلات الأخلاقية الأساسية التي يواجهها الصحفيون سواء خلال جمع الأخبار والمعلومات أو في التعامل مع مصادرهم وطريقة النشر أو الإذاعة وطريقة تقديم القصص الصحفية وكيفية ضمان نوعية المعلومات التي يقدمونها للجماهير بالإضافة إلى طرق التعامل مع الشكاوى التي يثيرها الجمهور. وتنبع فلسفة وضع مواثيق أخلاقية للصحفيين من رغبة المجتمعات الديمقراطية في وجود معايير للسلوك الأخلاقي لممارسات وسائل الإعلام من جانب، ورغبة الصحفيين في تجنب فرض معايير محددة عليهم من جانب السلطة السياسية وتحديد حقوقهم وواجباتهم بشكل واضح في مثل هذه المواثيق من جانب آخر. وعلى هذا الأساس تعد المواثيق الأخلاقية إلى جانب آليات التنظيم المهني الأخرى أداة مهمة لتحقيق التنظيم الذاتي الاختياري لمهنة الصحافة. ونتيجة لذلك تمتلك دول كثيرة في العالم معايير محددة للسلوك المهني في مجال الصحافة والإعلام، سواء وضعها الصحفيون والإعلاميون بأنفسهم أو وضعها الناشرون وأصحاب الصحف والمؤسسات الإعلامية، أو وضعتها منظمات حكومية أو غير حكومية.
ولا يقتصر الأمر على دول غرب أوروبا وأمريكا الشمالية فقط، وإنما يمتد إلى دول عديدة في مناطق مختلفة من العالم مثل: مصر وكوريا الجنوبية وجامايكا ومالي وفنزويلا. وفي السنوات الأخيرة استطاع الصحفيون في دول عربية عديدة عبر جمعياتهم ونقاباتهم المهنية إنتاج مواثيق شرف تحدد حقوقهم وواجباتهم، ومع ذلك فان هذه المواثيق تبدو متباينة في محتواها وأنواع القضايا التي تغطيها وكذلك في درجات تفعيلها في الدول المختلفة.
وإذا كانت المقارنة بدول أخرى تبدو غير مناسبة هنا، إلا أننا يجب أن نشير إلى أن الاهتمام بالتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة يعود عالميا إلى بدايات القرن العشرين الماضي، إذ صدر أول ميثاق أخلاقي للصحافة في العالم في العام 1910 عندما وضعت رابطة الصحفيين في ولاية كنساس الأمريكية مجموعة ضوابط للممارسة المهنية اعتبرها الكثيرون بمثابة ميثاق شرف يلتزم به الصحفيون العاملون في صحف الولاية. وقد تتالي بعد هذا التاريخ ظهور مواثيق الشرف الإعلامية خاصة الصحفية منها في الدول الغربية مثل السويد (1915) وفرنسا (1918)، كما ظهرت مواثيق شرف قومية في الولايات المتحدة يلتزم بها جميع الصحفيين، وليس صحفيو كل ولاية مثل ميثاق جمعية رؤساء تحرير الصحف الأمريكية (1923) وميثاق جمعية الصحفيين المحترفين (1926) الذي تم تعديله في عام 1973.
وقد كانت المواثيق الأولى قصيرة نسبيا، وتتكون من فقرات قليلة وتغطي بعض المبادئ الأساسية. ومع الانتشار الجماهيري الواسع للراديو والتلفزيون خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، تزايد الاهتمام بمواثيق الشرف الإعلامية، وظهرت تبعًا لذلك مواثيق منفصلة للصحافة المطبوعة وأخرى للراديو والتلفزيون في المملكة المتحدة وغيرها من دول العالم.
ورغم أن المبادئ الأخلاقية الأساسية المتعلقة بجمع وتحرير وعرض المعلومات ظلت كما هي سواء في مواثيق الصحافة ومواثيق الراديو والتلفزيون، إلا أن التطبيق كان مختلفًا بالطبع بسبب اختلاف الوسائل. ويقدم ميثاق الشرف الأخلاقي في الغالب عددًا من المبادئ والإرشادات الخاصة بالعمل الصحفي، مثل احترام حق القراء في المعرفة وتوخي الدقة والموضوعية والتوازن في عرض وجهات النظر المختلفة وعدم قبول هدايا أو مكافآت واحترام خصوصية الأفراد وعدم نشر ما يشجع على العنف والكراهية والجريمة في المجتمع وحماية مصادر المعلومات والتمييز بين الخبر والرأي وبين التحرير والإعلان، بالإضافة إلى ضمان حق الرد والتصحيح والالتزام بفرضية أن المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته.
من المهم في هذه المرحلة المهمة من مراحل تطور الصحافة العُمانية أن تتكاتف جهود الجمعية المهنية (جمعية الصحفيين العمانية) مع جهود المؤسسات الصحفية، والمؤسسة الأكاديمية المعنية بتعليم الصحافة (جامعة السلطان قابوس) للعمل على إصدار ميثاق شرف مهني يكمل مع التنظيم القانوني الرسمي منظومة التنظيم العام لمهنة الصحافة، ويضع أطراف العملية الصحفية أمام مسؤولياتها.
فبعد ثلاثة أو أربعة أعوام من الآن تكون التجربة الصحفية الحديثة في السلطنة قد أكملت نصف قرن من عمرها، وهو عمر نعتقد أنه كاف وأكثر لبدء تجربة التنظيم الذاتي خاصة بعد أن توافرت لهذه الصحافة كل فرص الازدهار المهني وكل إمكانات الاستمرار المادية والتكنولوجية والبشرية.