هوامش .. ومـتون: مهرجان في شارع بغدادي

عبدالرزّاق الربيعي –
razaq66@hotmail.com –

الذي يزور بغداد لابدّ له أن يمرّ بمكتباتها، ومن يوجّه وجهه صوبها، سابحا في نعيم المعارف الإنسانية، لا بدّ له أن يزور شارع المتنبي الواقع على الجانب الشرقي لنهر دجلة، والذي يحمل اسم أشهر شعراء العصر العباسي، وذلك منذ عام 1932م، وقبل ذلك كان يحمل اسما آخر لكنّ أمانة بغداد ارتأت استبدال الأسماء القديمة بجديدة تحمل رموزا تراثية، ولم تجد اسم شخصيّة يليق به سوى «المتنبي»، ويقع هذا الشارع بمنطقة يطلق عليها اسم «القشلة» هي جزء من المربع الثقافي الذي يمتد من جسر مدينة الطب الى جسر الشهداء، ويحتوي هذا المربع خمسين موقعا تراثيا، ودينيا، وثقافيا، وقبل الوصول إلى الشارع الذي يعود تاريخه إلى الدولة العباسية، يلاحظ الزائر انتشارا واسعا لقوّات الجيش، والشرطة، ويتعرّض لتفتيش دقيق، إذ إنّه لم يسلم من هجمات الإرهابيين، فقد تعرّض لهجوم بسيارة مفخخة عام 2007 قتل فيه 30 شخصا، وأصيب أكثر من 65 آخرين بجروح، والتهمت النيران آلاف الكتب، وتحولت المكتبات إلى أنقاض، ورماد، قبل أن يعاد افتتاحه رسميا عام 2008م، وما زالت صور خمسة من أبناء صاحب مقهى « الشابندر»، محمد الخشالي الذين قتلوا في الحادث،معلقة بمدخل المقهى الذي ترتاده أشهر الشخصيات الثقافية، والفنية، ويعود تأسيسه إلى عام 1917م، وتنشط الحركة كثيرا في الشارع خلال الساعات الأولى من صباح كل يوم جمعة، إذ ينتشر فيه باعة الكتب الذين يعرضونها على الأرصفة، وعلى ضفّة نهر دجلة يقف الشاعر العربي الكبير شامخا على ارتفاع يبلغ حوالي 10 أمتار، وقد نقش على صخرته:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وتحيط بالشارع أبنية تراثية أبرزها « القشلة» التي تعني بالتركية المكان الذي يمكث فيه الجنود وكان مقر والي الحكومة العثمانية، وبه ساعة القشلة الشهيرة، وتوجد بناية المركز الثقافي البغدادي التي يعود بناؤها للوالي العثماني مدحت باشا سنة 1870 م، وتضم عدة قاعات سميت بأسماء أعلام العراق: علي الوردي، ونازك الملائكة، ومصطفى جواد، وجواد سليم، ونصب بساحتها تمثال الشاعر محمد مهدي الجواهري، وتنظم في هذه القاعات ندوات، ومحاضرات، وجلسات أدبية صباح كلّ جمعة، بوقت واحد، وفي كل قاعة، حيث يجد الجمهور ما يستهويه، ويناسب توجهاته، وتشرف على المركز الثقافي البغدادي أمانة العاصمة التي أضافت لمسات للشارع المطل على نهر دجلة حيث يسير الزورق الأدبي في رحلة تتضمن عدة فقرات ثقافية، وفنية، ضمن سعي الأمانة في الاشتغال على النهر كفضاء ابداعي، من منطلق أنّ تاريخ المدينة وحضاراتها المختلفة قامت على ضفتيه، ولذا، فإن المشروع يحاول استرداد هوية المدينة التي حاولت الأيام طمسها، ليكون النهر عنصرا يشد أوصالها، ولم يعد جرحا غائرا يقطع أوصالها.
خلال تجوالي في الشارع تناهى إلى مسامعي أصوات عدد من باعة الكتب يعلنون عن سعر بيع للكتب بالجملة، ومن الغريب أنّ بعضها يباع بما يعادل ربع دولار !! وحين استفسرت عن سعر رواية حديثة، ضخمة، دهشت عندما علمت أنها تعرض للبيع بمبلغ زهيد، أما بقيّة الكتب، فقد عرضت بأسعار ليست بأعلى من ذلك، كلّ هذا جعلني أستفسر عن السبب الذي يجعل الكتب تباع بهذه الأثمان، فقيل لي إنّ بعضها مدعوم من قبل جهات عدّة، والبعض الآخر يعرض للبيع بما يتناسب مع دخل الفرد، كما أن الأسعار تخضع للعرض والطلب، ومادام الطلب على الكتاب كبيرا، ولا يدفع البائع تكاليف تأجير محل، وهذا يقلل من أسعار بيع الكتب.
الظاهرة الثانية التي لاحظتها هي وجود كتب نادرة، وهذا يعود إلى أنّ الكثير من المثقّفين يعرضون مكتباتهم للبيع، بأسعار بخسة، وهذا الأمر بدأ خلال سنوات الحصار على العراق في مطلع التسعينيات واستمرّ حتى 2003م.
ونشاط شارع المتنبّي لا يتوقّف عند بيع الكتب، بل يتعدّى ذلك إلى إقامة الندوات، والجلسات الشعريّة، والنقدية، وحفلات توقيع الكتب، والحوارات المفتوحة، والمناقشات، والمعارض التشكيلية، إذ يعرض كلّ مبدع بضاعته الثقافيّة في سوق يشبّهه البعض بسوق عكاظ الأدبي المعروف في تراثنا العربي.
وحين تجولنا في الشارع لاحظتُ الزحام الشديد الذي يزداد بمرور الوقت، وتتواجد وسائل الإعلام التي تجد مادة دسمة، فتقوم بتغطية الأنشطة، والفعاليات الفنية، والثقافية، مستفيدة من تواجد الشخصيات الفنية، والثقافية، والأكاديمية في تلك الساعات، لذا التقيت بأصدقاء لم أرهم منذ سنوات عديدة، في الشارع الذي بدأت أنشطته ببيع الكتب، والقرطاسية، وتجليد الكتب، ثم تطوّر، ليصبح ملتقى، وموعدا مع المعرفة، والفكر، ومهرجانا ثقافيا أسبوعيا.