زيارة روحاني والعلاقات الاقتصادية مع السلطنة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

من المتوقع أن تعزز نتائج الزيارة الرسمية لفخامة حسن روحاني رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى السلطنة مؤخرا التعاون الثنائي المثمر القائم بين البلدين والمنطقة في الكثير من المجالات وخاصة في الشأن الاقتصادي. وخلال السنوات الماضية تم تحقيق الكثير من التعاون التجاري والاقتصادي بين السلطنة وإيران في عدة مجالات هامة، فيما يتوقع التجار والاقتصاديون في المنطقة أن تشهد هذه الزيارة تعزيز المزيد من علاقات التعاون بين إيران وجميع دول مجلس التعاون الخليجي وفي إطار الرغبة التي أبداها الطرفان. ومن هذا المنطلق شملت زيارة الرئيس الإيراني دولة الكويت الشقيقة أيضا، الأمر الذي يؤكد في أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من الانفراج السياسي والاقتصادي بين إيران ودول المنطقة.
فعلى مستوى العلاقات الاقتصادية التي تربط السلطنة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية فهناك العديد من المشاريع الاقتصادية المجدولة على القائمة بجانب تعزيز التعاون التجاري وإعادة التصدير في إطار الحركة البحرية والجوية والاتصالات بين البلدين. كما تتوسع هذه العلاقات لتشمل المجالات الصناعية والسياحية. ومنذ أيام مضت أفاد نائب الرئيس التنفيذي للهيئة الاقتصادية الخاصة بالدقم إسماعيل بن أحمد البلوشي أن مفاوضات إنشاء مصنع للسيارات الإيرانية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم قد وصلت إلى مراحل متقدمة من المفاوضات، وأن الشركة الإيرانية تبحث عن شريك عماني استراتيجي يمكن تعزيز التعاون معها، بحيث يقوم بإجراء المفاوضات مع بعض الصناديق السيادية في السلطنة، فيما تستهدف الهيئة الاقتصادية الخاصة بالدقم جذب الشركات الإيرانية الكبيرة للاستثمار في المنطقة. وفي هذا الصدد نشير إلى أن العلاقات الاقتصادية بين السلطنة والجمهورية الإسلامية الإيرانية شهدت خلال السنوات الماضية تطورات إيجابية جيدة عززت من حجم المبادلات التجارية بحيث تجاوزت 1.3 مليار ريال عماني بين البلدين، في الوقت الذي يطالب فيه رجال الأعمال في البلدين بضرورة العمل على تعزيز هذا التعاون لمستويات أكبر مستفيد من التطور النوعي للعلاقات السياسية التي تحققت خلال السنوات الماضية، وتوجت مؤخرا بالزيارة الرسمية الأخيرة للعاهل الإيراني إلى مسقط ولقائه بحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
فهذه الزيارة من وجهة رجال الأعمال العمانيين تؤكد على أن المرحلة المقبلة سوف تشهد مزيدا من التعاون بين إيران والسلطنة ليس على مستوى السياسية فحسب، بل ستكون العلاقات الاقتصادية في المقدمة نظرا لقرب البلدين ووجود فرص استثمارية كبيرة يمكن أن يعزز هذا التعاون بين السلطنة ودول مجلس التعاون الخليجي من جهة والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى.
وفي هذا الصدد يؤكد رجال الأعمال العمانيين على أهمية العمل على تعزيز هذه العلاقات وإعطاء الاهتمام لاستثمار الفرص المتاحة في البلدين واستغلال الميزات التنافسية التي يتمتعان بها، مع ضرورة العمل على تعزيز مستوى الشراكة الاقتصادية على كافة المستويات الصناعية والتجارية والسياحية والطاقة وغيرها من القطاعات. فالسلطنة بموقعها الجغرافي ومقوماتها الجغرافية ومواردها النفطية وفي المجالات السمكية والمعدنية وغيرها يمكن لها توفير العديد من مجالات وفرص الاستثمار للتجار العمانيين والخليجيين والإيرانيين وغيرهم خاصة في المناطق الاقتصادية الواعدة في صلالة والدقم وصحار بجانب المجالات الاستثمارية الأخرى.
المؤشرات الأخيرة للبلدين تشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين السلطنة والجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاوز1.3 مليار ريال عماني خلال العام المنصرم، وتتوقع وزارة التجارة والصناعة أن يصل حجمه خلال العام الحالي إلى 2 مليار ريال عماني نظرا للتطور الحاصل في مجال الاستيراد والتصدير من جهة، ورغبة الجميع في إيجاد مستقبل أفضل للعلاقات الاقتصادية العمانية ـ الإيرانية خلال المرحلة القادمة، الأمر الذي يمكن تعزيزه إلى مستويات أكبر في إطار التعاون والتطور النوعي الذي تشهدها العلاقات السياسية بين البلدين.
ولدعم هذه التوجهات فقد شكلت غرفة تجارة وصناعة عمان مؤخرا العديد من مجالس الأعمال بين رجال الأعمال العمانيين وعدد من الدول الخليجية والعربية والإسلامية والأجنبية ومنها مجلس الأعمال العماني ـ الإيراني. ويرى القائمون في هذا المجلس على أن السلطنة والجمهورية الإسلامية الإيرانية يتميزان بعلاقات ممتازة، وهناك فرص استثمارية واعدة بينهما في قطاعات الشحن والخدمات اللوجستية والسياحية، بالإضافة إلى العلاقات في مجالات النفط والغاز. ويمكن للاستثمارات الإيرانية أن تكون جزءا في تنمية هذه القطاعات وفي صناعات أخرى تتميز بها إيران، والاستفادة من تجاربهم في تلك الصناعات، مع وجود خط للغاز والذي سيتم العمل في إنشائه خلال السنوات المقبلة. فأعضاء المجلس يرون بأن العلاقات الاقتصادية العمانية ـ الإيرانية تتسم بالكثير من التفاؤل، وهي علاقات قديمة ومتجذرة لقدم العلاقات السياسية التي بدأت تشهد تطورا كبيرا منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي.
كما لأن السوق الإيراني كبير ويحتاج هو الآخر للكثير من السلع في وجود 90 مليون شخص، فيما تحيط بها عدد من الدول الإسلامية التي يمكن أن تكون أسواقا واعدة للمنتجات العمانية والسلع والمنتجات المعاد تصديرها من السلطنة إلى تلك الدول عبر إيران. وهناك اليوم جهود مضنية تبذل لتوجيه الإيرانيين لشراء بضائعهم عبر الموانئ العمانية وتنشيط عملية إعادة التصدير بالإضافة إلى تعزيز الحركة السياحية. وهذه الأنشطة من وجهة نظر التجار العمانيين تحتاج إلى مراجعة كبيرة لعدد من القوانين والتشريعات والسياسات المعمول بها اليوم بين البلدين، بالإضافة إلى تهيئة الأسواق العمانية لتكون محطة لإعادة تصدير المنتجات الإيرانية إلى الأسواق القريبة من السلطنة وإلى الدول الأفريقية. وهذا الأمر يتطلب إجراء دراسة دقيقة لاستفادة الطرفين من الإمكانات المتوفرة لديها، وتعزيز قدرات القطاع الخاص وتسهيل مهام المؤسسات والشركات في البلدين. كما يمكن استفادة العمانيين من تجربة جمهورية الإسلامية الإيرانية في إنشاء الصناعات الصغيرة والمتوسطة المشتركة، خاصة في مجال المواد الغذائية، باعتبار أن أيران تعد واحدة من الدول المتميزة في مجال الأمن الغذائي، بالإضافة إلى الاستثمار في مجالات صناعية أخرى، الأمر سيساعد على تعزيز التجارة البينية وتجارة إعادة التصدير بين البلدين. ويؤكد بعض التجار العمانيين أنه لغرض تسهيل العمل بإعادة التصدير بين البلدين فان هذا العمل التجاري بحاجة إلى إنشاء موانئ خاصة للقوارب الصغيرة وتكون مهيئة لاستقبال السفن والقوارب الكبيرة أيضا لغرض عملية الشحن والإنزال للبضائع التي تصل من وإلى السلطنة، الأمر الذي سيعطي الفرصة لنقل تلك المنتجات إلى الدول الأفريقية التي تشكل هي أيضا سوقا واعدة للمنتجات العمانية وتلك المعاد تصديرها.
إن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من قدرات البلدين وإيجاد عملية التكامل في أمور تخدم الطرفين، خاصة وأن السلطنة تمثل ممرا تجارياً لدول المنطقة وإيران والقارة الآسيوية والأفريقية، ولديها ربط مباشر وعلاقات سياسية واقتصادية قديمة، الأمر الذي يمكن من خلالها استقطاب المزيد من الشركات الإيرانية لإنشاء مصانع في السلطنة في المناطق الحرة، وتقديم الحوافز والامتيازات التي تمنحها لها وتسهيل مهام الإجراءات التي تتصل بالتأشيرات والإقامة والعمالة وغيرها من المتطلبات الأخرى. وفي إطار الاهتمام بتنويع مصادر الدخل في ظل تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية فان الأمر يتطلب استغلال الفرص الاستثمارية والتجارية سواء من الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو غيرها من الدول الآخر لفتح آفاق جديدة للتعاون معها وتطير علاقات القطاع الخاص لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز العمل بهذا التنويع.