يوميات :بشير الجزائري وسعد العراقي العماني الفلسطيني

عبدالله حبيب –
هذه الحلقة من «اليوميات» مهداة بكل الفخر، والوفاء، والاعتزاز إلى سعد عبد القادر تذكارا بلقائنا الوحيد والطويل.

الجمعة، 10 أغسطس 2001، لوس أنجلوس، كاليفورنيا:

[…] وأنا جرحان نازفان، نزيفان يجرحان، عظمان يتكالبان على بعضهما البعض، فراقان يلتقيان ولقاءان بعيدان، دوما فيما ينأى عن أصابع الكلام.
حبنا الندم وندمنا الحب.
أيها الحب، نحن طفلاك الباكيان، فارحمني وساعدها.

السبت، 11 أغسطس 2001، لوس أنجلوس، كاليفورنيا:

قالت لي […] اليوم ونحن نتسوق في محل للشموع والهدايا انها ما إن تبدأ تمطر في [بلادنا] حتى تسارع إلى إشعال شمعة في غرفتها ثم تنظر إلى المطر عبر النافذة؛ لكنها لم تشعل شمعاً في العام الفائت؛ لأن السماء لم تمطر.
وحين أمطرت قليلاً في هذا الصيف لم تكن […] في غرفتها، فقد كنا معا في الشارقة التي ما كان لها أي نصيب من المطر.
واليوم لم تمطر أيضا. لن تمطر أمس كذلك.
لكني اليوم في استثناء نادر من اتكاليتي الكسول عليها في المطبخ (ما عدا قيامي بتنظيف الأواني والأطباق بنصف قلب وربع مهارة) أعددت لامرأتي الرائعة فطوراً فخماً من بيض، وبصل، وطماطم، وثوم، ونعناع، وكزبرة، وخليط متجانس من بهارات ذكيَّة، وعشاء دسماً: فخذ خروف (مجلوب من مزارع مجز الصغرى تقريباً) بالفرن على الطريقة اليونانيَّة. أوقدت لها الشموع، ونفخت في الناي («أعطني الناي وغنِّي فالغنا سر الوجود»)، […] حتى نامت على غيمة ماطرة قذفتها شرفة للنجوم، مثل فردوس في ذاكرة تفاحة.

الأحد، 12 أغسطس 2001، لوس أنجلوس، كاليفورنيا:

هِمنا على أطراف المدينة بحثاً عما دعوناه «مكاناً جميلاً»، لكننا لم نجد في هيامنا على أطراف المدينة «مكاناً جميلاً»، فحملنا خيمتنا وهِمنا أكثر وأكثر فيما بعد أطراف المدينة عمّا لا بد أن يكون «مكاناً جميلاً»، لكننا حتى فيما بعد أطراف المدينة لم نجد «مكاناً جميلاً»؛ فعدنا إلى خيمتنا الرِّحلاتيَّة، وفي خيمتنا وجدنا مكاناً جميلاً.

الإثنين، 13 أغسطس 2001، لوس أنجلوس، كاليفورنيا:
وقت خلف السراب. السراب سرب أشلائنا. أشلاؤنا سربنا. ننظر إلى بعضنا البعض ويعيث فينا الخوف.

الثلاثاء، 14 أغسطس 2001، لوس أنجلوس، كاليفورنيا:
دربُنا حمامة ماتت في السماء.

الأربعاء، 15 أغسطس 2001، لوس أنجلوس، كاليفورنيا:

مساء على جبل وبحر. بحر وجبل يتأوهان لذَّة في المساء . بحر وجبل ينثران السماء. ننظر إلى بعضنا البعض بحنان وخوف.

الخميس، 16 أغسطس، لوس أنجلوس، كاليفورنيا:

[…] وأنا اتفقنا الليلة على الانفصال النهائي ترفقاً بحبنا وذلك في أقرب وقت تتيحه الظروف الذاتية والموضوعية بحيث لا يتسبب ذلك إلا بالحد الأدنى من الأذى لنا ولمن يعرفوننا ويحبوننا.
أيها الحب: نحن بكاؤك الطفل، فساعدها وساعدني.

الجمعة 17 أغسطس ــ الثلاثاء 21 أغسطس 2001، لوس أنجلوس- سان دييجو، كاليفورنيا:

يحاول مجهداً أن ينقذنا السفر بصمته المتواطئ مع حثالة البوح وأخدود النواح بمخاتلته الدائمة أمام المرايا المعتمة وانكسار العيون الملأى بالنظر، والرغبة في إعادة النظر، والانتظار، والنظرة، من فكرة الانفصال النهائي القاسية التي لم نتكلم عنها في الصباح الاضطراري المتأخر؛ الصباح الحزين المتأخر الذي كنا نريد أن يتجاوزنا على سرير لم نتعانق عليه، ولم تحتك أقدامنا ببعضها ولو صدفة، لولا موعد المطار، لكن ليس بالضبط إلا مما يتلفظ به الفم، أوسخ الأعضاء وأكثرها قدرة على الكذب والمكابرة؛ فالقلب لا يكذب، لكنه/‏‏‏لأنه على عكس الفم، لا يستطيع الكلام (لا أدري إن كان هذا صحيحا أيضا بالنسبة لـ[…] الأكثر إصرارًا مني في هذا الصيف على الانفصال النهائي، لكن بشكل عاطفي مفرط أفضِّل الجنون عليه، أو الموت، أو السفر: لست حكيماً أكثر من […] في أية حال).
السفر ليس هروبا، ولكنه كذبة شريفة يطلقها وجدانٌ بدويٌّ، لأن ما يخلقها هو مصير الهيام أبدا، والذهاب أبدا وراء بوصلة مفقودة (فلنذهب إلى مكان آخر، في هذا الرمل الكريم، ما دام لا يوجد ماء هنا، ولا عشب، ولا قمر، ولا نجوم، ولا شياه، ولا حكمة، ولا حليب، ولا خبز، ولا حب. فلنذهب لنرى الأرض والأعشاب في النقطة الواقعة بعد قبة السماء الزرقاء).
السفر إعادة تعرف إلى الأعضاء (بما فيها العاطفة، والذاكرة، والوجد، والعينين)، لكن أهو حقا رحيل، أم دوران حول العالم كما يتألق ويأرق على سرير شوكيٍّ في مجابهة سماء لدود العداوة، ملحدة، بغيضة؟. أهو العودة نحو عناق مستحيل في المياه التي تتشكل قبل أن نعوم في الوهم الفاتن الذي فيه سِلنا قبل أن نكون الطحالب الطويلة تمد خضرتها البالغة البليغة نحو اليابسة؟ : حُبُّنا قائم على مشكلة مستعصية ومَشْكَلة دائمة. لا بد من مَشكلة الحب، واختباره، وتطهيره، وتلغيمه، وتفجيره. لا بد أن يكون الحب حرجاً وقاتلاً. لا بد أن يكون الحب «تجربة» (experience) وليس «مصيرا» (fate). لا بد أن يكون الحب مشروعا في طور التحقق دوما، فحسب. لا بد من الإصغاء لما لا يقوله الحب في حضورنا، ولما نقوله للحب في غيابنا.
أفقت من تساؤلاتي وتأملاتي (ولا بد أن تكون […] قد فعلت الشيء ذاته فقد كانت شاردة طوال الطريق) حين وصلنا إلى أقبح مطار في العالم في أسوأ مدينة في العالم في أسوأ بلاد في العالم لاستقبال صديقنا الجزائري العزيز بشير العائد من فقد أخيه. طوال الطريق إلى سان دييجو كان بشير يحكي -في تأكيد على ما كان يقوله منذ مدة- عن بشاعة الجنرالات بمن في ذلك – بل خصوصاً – أولئك الذين لهم تاريخ في جبهة التحرير الوطني الجزائري. ها هم الجنرالات يتحكمون بأسلاف مليون شهيد ونيف، وها هي الطغمة الحاكمة تمنح يدا علنية لفرنسا وأخرى سريَّة لأمريكا. يقول بشير: إن حفنة «الكومبرادور» التي نهضت على أنقاض بورجوازية طفيلية مؤقتة قامت أصلاً بالتسلق على أشلاء الشهداء لا تكتفي بالنوم على سرير الكولونيالية التقليدية، بل إنها تخادن الإمبريالية الجديدة. ويقول بشيرك إن الجنرالات يُقِرُّون المجازر ويوقِّعون على الإبادة بدم بارد، ثم ينسبوها إلى «الإسلاميين» الذين بدورهم ليسوا براء من ذلك المجون الدموي الشنيع. أُكْبِرُ في بشير إصراره على الحديث بالفصحى حين يتكلم مع العرب، ورفضه القاطع الحديث بالفرنسية التي يتقنها كأهلها حين يتحدث مع الناطقين بالفرنسية أو الناطقين بالإنجليزية ممن يتقنون الفرنسية؛ ففي هذه الحالة يلجأ بشير إلى انجليزية فاخرة. حين أبديت ملاحظتي هذه لبشير قال انه يفعل ذلك بتعمد ووعي شديدين انتقاماً من الخطة الكولونيالية الرامية إلى الفَرْنَسَة الثقافية للجزائر.
تظاهرت بالتركيز على قيادة السيارة على الطريق السريع في يوم غير عادي زحمة السيارات (والتظاهر هذا لم يكن مفتعلاً بالكامل فقد كانت ظروف الطريق تتطلب الانتباه والحذر فعلاً). لكن الحقيقة أن ذلك لم يكن سبب صمتي؛ بل كنت أتفكر فيما آلت إليه رقعة عزيزة من الوطن الكبير على لسان أحد أبنائها المخلصين. يا إلهي: ما الذي نستطيع نحن العرب أن نفعله إن في الجزائر، أو في عمان، أو في فرنسا، أو في أمريكا؟.
ومع ذلك وغيره فقد كان بشير سعيداً لأنه التقى بوالديه بعد وفاة أخيه، وكان سعيدًا لأنه عاد إلى هنا حيث زوجته وابنته: كان عربيًا عائدًا من الموت العربي، وقد قدم لواجبات الموت ما يستطيع بوصفه عربيًا. كنت أفكر أيضًا: ألا يستطيع الموت إلا أن يكون عربيًا في هذا الزمن؟. الموت يحيق بالجميع، لكنه لا يطارد إلا العرب. وكنت في لجوئي إلى الصمت أتفكر كذلك فيما ستؤول إليه الأمور بين […] وأنا: إننا مقبلان على دمع غزير وملح كثير. أيتها السماء: حنانيك على ما تبقى من زرقة الوجود.
البيت الجديد الذي صار يقطن فيه بشير وكريمة في سان دييجو جميل للغاية. ابنتهما الصغيرة اللمّاحة الذكيَّة أمينة لا تزال تقنعنا بأنها أمينة. صارت أمينة تحكي بعض الكلمات بصورة مبتسرة وتقلد أصوات بعض الطيور والحيوانات (الكلب، والقطة، والديك) حين تسألها أن تفعل ذلك. لكن لسبب ما يختلط الأمر عليها أحيانًا بعد قليل بحيث يكون الصوت الوحيد الذي تطلقه، في استجابتها لأي طلب تقليد، هو صوت الكلب: تبتسم لبضع ثوان، ثم تزمُّ شفتيها إلى الداخل، ومن خلال الفتحة الصغيرة التي تتكون عند انفراج وسط الشفتين بعد أن كانا قد ضُمَّا إلى بعضهما البعض، يأتيك نباح جرو صغير: «أوْ»!. لم تعد أمينة تُصدِر لا مواءً ولا صقعاً؛ فقد كانت «أُوْ»! هذه كذلك صوت الديك والقطة في مهرجانٍ حيوانيٍّ عارم الطفولة، بحيث انك حتى ولو طلبت منها أن تقلد صوت الديناصور مثلاً فإنه ليس لديها سوى تلك الـ«أوْ»!. لذلك، ومع مرور الوقت، بادرت إلى تنويع السؤال في فكاهة خبيثة حيث سألتها سؤالاً يفوق عمرها بآلاف الأطنان: «وكيف يتكلم الزعماء العرب يا حبيبتي يا أمينة»؟!، فرأينا ملمح الابتسامة وسمعنا الـ«أُوْ»! اللذيذة تنطلق بكل ثقة الطفولة، وضحكنا كثيرا. أخذت أردد عليها هذا السؤال في الأيام التالية، فترد بنفس الإجابة («أُوْ»!) حتى اختفى الزعماء العرب عن بكرة أبيهم غير مأسوف على شباب أو كهولة أي منهم.
في أحد هذه الأيام جاءت طفلتان أمريكيتان سوداوان، في حوالي الرابعة أو الخامسة من العمر، من الجيران للعب مع أمينة. سألتهما عما إذا كانتا أختين، فردت الكبرى منهما بأنهما ليسا أختين وإنما صديقتان فحسب، ثم استدركت فورًا: «نحن أُخْتَا رُوْح» (we’re soul sisters). اللهم إني أسألك ان لا تُنْنسي الأمريكان من ذوي الأصول الأفريقية كلمة «روح» هذه؛ فهي أفتكُ أسلحة مقاومتهم للرجل الأبيض الذي لا روح له.
[…] وأنا كنا نتحاشى النظر في عيون بعضنا البعض مباشرة. بالنسبة لي ليست هذه مشكلة كبيرة، فأنا لا أحب النظر في عيني شخص آخر مباشرة؛ غير أني أدرك أن الصدع الذي بين […] وأنا أعمق من ذلك بكثير […].
أفضل ما حصل لذاكرتي في هذه الزيارة هو أني التقيت سعدا، الأخ الأكبر لنجاح ووداد: روح حيَّة من العراق الذي كم عانى وكم يعاني. يعمل سعد حاليًا بائعًا في دكان خضار لساعات طويلة بأجر زهيد. قال لي: إن بدايات تشكل وعيه السياسي تعود إلى منتصف حتى نهاية الستينات حين كان طالباً في المرحلة المتوسطة في الكويت. هناك تعرف إلى المعارضة العمانية، وكان يعرف نزرا معقولا لكن مشوشا عن آفاق تلك المرحلة، وشخوصها، ورموزها، وكان فخورا بعائلة المعارضة العمانية التي حدبت عليه من دون أن تتبناه رسميا. ظل سعد طوال السهرة يحاول، وينجح غالبا، في تذكر مفردات عمانية قحة سمعها من العمانيين الذين أخذوه إلى وعيه الجديد («شاهي» بدلاً من «شاي»، «تقول لي» عوضا عن «تجول لي»، «حَموه»؟ في مكان «ليش»؟، إلخ). يقول سعد انه بعد ذلك لاحظ ان العمانيين صاروا «يختفون» واحداً تلو الآخر من الكويت بدون أن يتركوا أثراً وراءهم. لاحقاً فقط، وعبر تواتر الأخبار، أدرك سعد انهم إنما كانوا ينفذون تعليمات تنظيمية بالتحاق أفراد الخلايا بقواعدها المنتشرة على طول الخليج وعرضه في المسعى النضالي. يقول سعد انه بعد «اختفاء» العمانيين صار يشعر باليتم، فانضم إلى حركة المقاومة الفلسطينية. أخبرني في هذا السياق بتفاصيل ملهَمة وملهِمة كثيرة: التدريب الشاق في معسكر في سوريا، التهريب إلى لبنان، الصراع بين «فتح» والتيارات الفلسطينية التي أخذت «تَتَرَدْكَلُ» مع جورج حبش ونايف حواتمة وغيرهما بعد نكسة 67 حيث غسل «القوميون العرب» أياديهم من «مشروع البورجوازية الصغيرة الفاشل التي كان جمال عبد الناصر رمز صعودها وانهيارها» إلخ، ثم اعتناق اليسار. في انصاتي لتجربة سعد كنت أتأمل بصمت في انعكاسات النكسة على ما حدث في عُمان: مؤتمر حمرين 1968 وتبني الماركسية-اللينينَّة والاشتراكية العلمية بصورة بهلوانيَّة القفز على المرحلتين الوطنية والقومية.
كان سعد، في أحد هذه الاستدعاءات، مدفونًا بوضعية القرفصاء في صندوق مقفل توجد فيه بعض فتحات التهوية غير المرئية تقريباً تحت سرير في أحد فنادق بيروت الرخيصة، وكان مطلوباً منه ألا يسمع أحد حتى صوت تنفسه كي يتم تهريبه على انه مجرد «صندوق» مليء بثياب. قال لي مازحاً انه اكتشف ان مهمته الأصعب لم تكن الإسهام في تحرير فلسطين، بل الحفاظ على رأسه من دون تهشم والصندوق يُنقل شاقوليَّاً وعموديَّاً، رأساً على عقب، وعقب على رأس بسرعة البرق من دور إلى آخر في نفس المبنى، ومن بناية إلى مُحاذِيَتِها، ومن شاحنة إلى مُنْتَظِرَتِها. ضحكنا كثيراً في هذه الاستدعاءات لكنه كان بالنسبة لي «ضحك كالبكاء» إذ كنت أتفكر بأسى: سـ/‏‏‏يُكتب الكثير الكثير عن سيرة ياسر عرفات، وجورج حبش، ونايف حواتمه، وخليل الوزير، وأحمد جبريل، الخ، وسوف تُنصب التماثيل وتؤسس المعابد، لكن من سيكتب سيرة سعد وأمثاله الكثيرين؟.