أنماط المأثور الموسيقي التقليدي وارتباطها بعادات المجتمع العُماني وتقاليده «1»

جمعة بن خميس الشيدي –
إن الموسيقى بصفة عامة ومنها التقليدية، ليست ظاهرة صوتية فحسب، لكنها بوصفها مادة ثقافية وعلمية واجتماعية هي تجربة إنسانية ناشئة عن تجارب وخبرات الناس لضرورات ملحّة في المجتمع، وهي بهذا المعنى يجب أن تكون موضوعاً للوصف من الناحية الأنثروبولوجية والتأويل النظري، شأنها في ذلك شأن أي شكل من أشكال الفعل الاجتماعي. وخلال فتراتها، ازدهرت الموسيقى التقليدية العُمانية وزداد رواجها في المجتمع وأضحت ممارسة أنماطها مرتبطة بعادات المجتمع وتقاليده اليوميّة ومرتبطة بالفرد في إطار دورة حياته منذ ولادته وحتى مماته، وهي متباينة وتتركز في عددٍ من العناصر، منها: العنصر الجغرافي (أي البيئات التي تتركز فيها، كالبيئة الحضرية والبحرية والصحراوية والجبلية) والعنصر الاجتماعي، مثل: (مناسبات الأعراس والطهور وغيرها وأنماط الغناء المصاحبة للعمل بأنواعه) والعنصر العقائدي، مثل: (الأنماط الخاصة بالإنشاد الديني)، كما سنبيّن:

أنماط غناء العمل:
أ- (أنماط غناء البحّارة والسفر على السفن الكبيرة):

لم يركن الإنسان في عُمان يوماً إلى حياة الدّعة والخمول، حتّى في ظلِّ الظروف البيئيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة الصعبة التي عاشها في مراحل متفاوتة من مسيرة حياته، ولم تكن تلك الظروف لتثينه عن الخروج من حيّز بيئته وارتياد الآفاق، وكان البحر هو الوسيلة الماثلة أمامه لتحقيق طموحاته، فعمد إلى استعمال فكره واستغلال طاقاته وإمكانات بيئته وما تزخر به، فبنى السفن الخشبيّة الكبيرة من خامات هذه البيئة، وركب بها البحار وجاب المحيطات ليتواصل ويتفاعل مع الشعوب الأخرى وحضاراتها القديمة والحديثة بهدف التّبادل التجاري، والتواصل الحضاري، والتأمين لحياةٍ يسودها الرخاء والازدهار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، وبالتّالي بناء المدن المُتعدّدة، وازدهار الحرف والنشاط الزراعي في تلك المدن العامرة، فتمّ له ذلك بعونٍ من الله، وارتبط هذا الإنسان ولا يزال بعلاقاتٍ وطيدةٍ مع تلك الشعوب، التي كان على اتصالٍ مُباشر معها، في شتّى مجالات الحياة: الثقافية والاقتصادية والسياسية، وأثّر ذلك التواصل و التفاعل الذي أكّده العُمانيون منذ زمنٍ طويلٍ، مع الحضارات والثقافات الأخرى، على جوانب من الحياة شتىّ لهذا الإنسان، وأصبحت نتائج ذلك التّأثير والتّأثّر جزءاً من تاريخ السلطنة وإرثها العظيم، الذي سيظل مشعلاً تتوارثه أجيال عُمان المتعاقبة، خالداً على مر السنين.
وفي مُعترك ذلك النشاط الكثيف، والحركة الدؤوب، تكوّنت لدى المجتمع في عُمان ثقافة أخرى إلى جانب ثقافته المحلية الأم، هي مزيج من الثقافة العُمانية وثقافات الشعوب الأخرى (من إفريقيا و آسيا)، ازدادت هذه الثقافة بمرور السنين نمواً وثراءً في مُختلف البيئات التي يتكوّنُ المُجتمع العُماني منها، ويعيش في إطارها، فاتّفقت ثقافة هذه البيئات في جملة من العناصر والمفردات الثقافية، وانفردت في أخرى. وفي تلك البيئات أيضاً، وَجدت الثقافة الموسيقية التقليدية، على الخصوص، وهي تُمثّل جزءاً أساسياً وهاماً في مُجمل ثقافة الشعب العامة، وجدت لها مكاناً مرموقاً، كان ذلك جزءاً من النَّتاج العملي، والنَّشاط الفكري لهذا الإنسان.
وقد اتَّخذت الثقافة الموسيقية أشكالاً وأنماطاً فنيّةً مُتعدّدةً، ارتبط بعضها بالنّشاط البحري، عُرف بـ (ثقافة البحر)، وبعضها الآخر ارتبط بالنشاط الحرفي، كالزراعة والنّجارة والحدادة وغيرها من المهن الحرفية التي اشتهر بها أهل عُمان على مدى تاريخهم الطويل.
ففي مجال النشاط البحري وما نتج عنه من مُغامراتٍ وأسفار، أو حتّى رحلات الصّيد اليومية، كان لازدهار الثقافة الموسيقية التقليدية فيه الجانب الأكبر، حيث أن قطاعاً كبيراً من العُمانيين كان يشتغل في هذا المجال الذي كان يعتبر أكثر حيويّةً وديناميكيّةً في تلك الفترة من الزمن، والذي كان يستهوي الكثيرين منهم للعمل فيه، على الرّغم من صعوبته وخطورته، إلا أنه كان المورد الاقتصادي الأفضل لدخل الفرد في ذلك الوقت، وهؤلاء كانوا يُعرفون بـ (البحّارة)، أو (أهل البحر)، وكانوا يتكوّنون من قسمين: بحّارة السفر، وهم الذين كانوا يشتغلون على السفن التجارية الكبيرة، التي كانت تجوب البحار والمُحيطات بهدف الاتجار ونقل البضائع والتّبادل التجاري بين عُمان والدول الأخرى في كلٍّ من قارتي آسيا والساحل الشرقي لإفريقيا، والقسم الآخر هم الصيّادون الذين يقومون برحلاتهم اليومية لصيد الأسماك بطرقهم التقليدية.
وقد كثُرت عند البحّارة وأهل البحر قوالب وأشكال فنّيةٍ موسيقيّة عُرفت بـ (أغاني أو شلات البحر)، وهي القوالب والأشكال الفنيّة الموسيقية التي تُصاحب كل نوعٍ من أنواع الأعمال العضلية التي يؤدّيها البحّارة على ظهر تلك السفن وقوارب الصيد، وقد عبّرت كلُّ تلك القوالب والأشكال في مضامينها وتعبيراتها عن حياة المجتمع بشكل عام وعن الحياة الاجتماعية العامّة والخاصّة وعن المُغامرات البحرية، ونقلت الكثير من المشاهدات في الثقافات المختلفة للمجتمعات الأخرى، وبهذا سجّلت جانباً كبيراً ومُهماً من جوانب الثقافة المحليّة والتاريخ المضيء من الحياة في عُمان.
وإذا ما أردنا التعرّف على الجوانب التفصيلية التي تتكوّنُ منها الثقافة الموسيقية البحرية، فإنه يتوجّب علينا دراسة تلك البيئات ومن يقطنها من أهل البحر، إلى جانب الدراسة الوافية عن طبيعة العمل الذي كان يُزاوله هؤلاء الناس من القسمين الآنفي الذكر من البحّارة، وكذلك طبيعة السفن والقوارب التي كانوا يعملون عليها بأنواعها وأحجامها، وما إلى ذلك ممّا يستوجب دراسته من أمور..
وعلى ما تقدّم، يُمكن تقسيم الثقافة الموسيقية البحرية في عُمان إلى قسمين:
أ – أنماط غناء البحّارة والسفر على السفن
ب- أنماط غناء صيد السمك.
وهي بقسميها مجموعةُ من الأشكال والقوالب الغنائية، التي يختص كلٌ منها بواحدٍ من الأعمال التي يُمارسها البحّارة عند إعداد السفن للإبحار، وفي أثناء إبحارها أو رسوّها في الموانئ ، وعند عودتها من السفر، وكذلك في أوقات الفراغ للسمر والترويح عن النفس من مشاق العمل المضني، على ظهر السفن أو على الأرض في الموانئ التي يصلون إليها. ولكلٍّ من هذه الأشكال والقوالب الغنائية إيقاعه وشعره الذي يتلاءم والغرض أو العمل الذي يُؤدّى فيه. وتندرج مُعظم هذه الأشكال والأنماط الغنائية تحت مُسمّيين اثنين، يختلفان في عددٍ من عناصرهما الفنيّة، هما:
«الشُّوباني» وغناء «التّصويت»، أو «الصوت البحري» كما يُطلق عليه في بعض المواقع. وفي جُلِّ تلك الأشكال الغنائية تُستخدم الآلات الموسيقية الإيقاعية، لضبط نغم الغناء وتوحيد القوّة في العمل العضلي الذي يقومون به، إضافة إلى ما تُضفيه تلك الإيقاعات من حماسٍ وهمّةٍ في العمل وانشراحٍ وغبطةٍ في نفوس البحّارة.
وترتبط العديد من أنماط الموسيقى التقليدية وشلات الغناء بالنشاط العملي، سواءً كان ذلك النشاط زراعياً أو حرفاً يدوية، أو المهن التقليدية الأخرى، فقد أخذت الثقافة الموسيقية فيه شكلا آخر كما ظهر ذلك في بعض خصائصها الفنيّة وأيضاً في مُسمّيات تلك الأنماط الغنائية التي تحمل بعضها أسماء نوعيّات العمل المُؤدّى ولا تخرج عن نطاقه، أو في التكوين الأدائي في إنجاز تلك الأعمال، وقد تجزّأت هذه الأنماط لِتُجاري النوعيّات وتطوُّر مراحل العمل الزراعي والحرفي. وفي جانب الغناء في المجال الزراعي فيتضمّن هذا الجانب العديد من الأنماط الغنائية التي تختص بهذا النوع من العمل الذي مارسه العُمانيون ولا يزالون، وإن اندثرت بعض أنواع تلك الأعمال وتغيّرت طرُق العمل في بعضها الآخر.

ب- (أنماط الغناء في المهن التقليدية):
وحيث أن الحرف أو المهن التقليدية في السلطنة تُمثل جانباً هاماً من جوانب الثقافة المادية للمجتمع، فهي تُعدُّ أحد الجوانب المحسوسة والمنظورة من هذه الثقافة التي قامت كنتاج طبيعي للسلوك الإنساني عبر التاريخ ونتيجةٍ حتميّةٍ لاحتياجات الإنسان المعيشيّة والنفعيّة، وبالتالي نتيجةً لخبراته العملية والفنيّة المتراكمة عبر العصور، لذلك، فهي عنصرٌ مهمٌ للغاية من عناصر الموروث الثقافي التقليدي إلى جانب العناصر الأخرى كالغناء والأدب الشعبي والزخرفة وغيرها من تلك العناصر.
ومن قديم، اعتمد الإنسان في عُمان على نفسه وما أنتجته يداه في كافة أحواله واحتياجاته المعيشيّة وسائر أنماط سلوكه الحياتي، وبفضل دأبه المستمر ومعارفه التي اكتسبها تمكّن من إيجاد وسائل وأدوات تعينه على إنجاز أعماله ومهامّه الحياتيّة، مستغلاً مخزون عقله المعرفي المتراكم عبر السنين، وموهبته الشخصية المبدعة، والبيئة الحيطة به وما تزخر به هذه البيئة من نبات وحيوان وخامات.. ساهم كل ذلك إلى جانب العديد من العناصر الثقافية الأخرى في قيام عددٍ من الحرف والصناعات التقليدية، الأمر الذي مكّنه من التكيُّف مع المكان الذي يحيا في مُحيطه، وهيّأ له عيشةً طيبةً كريمة، وكان العُماني دوماً، طوال تاريخه، في عمل متواصل من تجاربه المُستمرّة، تراه يعمل ليل نهار لاستغلال إمكاناته العقلية والذهنية ليصنع ويُنتج ما يروّض به بيئته التي يعيش فيها وظروفها، في سبيل تحسين مستوى حياته و معيشته، وقد تمكّن بفضل دأبه المُستمر ومعارفه التي اكتسبها من إيجاد وسائل وأدوات تعينه على إنجاز أعماله و مهامّه الحياتية، مستغلاً مخزون عقله المعرفي المُتراكم عبر السنين، وموهبته الشخصية المُبدعة، والبيئة المحيطة به وما تزخر به هذه البيئة من نبات وحيوان وخامات.
ونظراً لما تتميّز به أرض عُمان من تباين في بيئاتها الطبيعية المختلفة فقد ساهم ذلك إلى جانب المؤثرات المناخية والتاريخية في قيام عددٍ كبيرٍ من الحرف والصناعات اليدوية التقليدية، التي اشتغل بها الإنسان على أرض عُمان، وأتقنها، بل وأجاد في صناعتها، ولا يزال يُمارس معظمها إلى وقتنا الحاضر، منها الصناعات اليدويّة التقليدية التي تتعلّق بالبحر كبناء السفن الخشبيّة الكبيرة، وقوارب الصيد المتوسطة والصغيرة، وصناعة الأدوات المتعلقة بها، وحرفة الغزل والنسيج والفضيّات والسعفيّات والحدادة وغيرها من الحرف.
وفي لحظات انهماكه في عمله، كان العُماني يُغني لنفسه إذا كان يعمل في حرفته منفرداً أو يتبادل الغناء مع زملائه إذا كان العمل جماعياً، فهو يُغني ليُسلي ويُروّح بهذا الغناء نفسه ويُعينها على الصبر وقضاء الساعات الطّوال من العمل المُتواصل نهاراً وليلاً، ويعمل الكثير من هذا الغناء على ضبط العمل وتوحيد القوّة في أنواع الأعمال التي تقتضي ذلك، إضافةً إلى أن ذلك الغناء يأتي ليتواكب مع نوع الحرفة التي يُمارسها من حيث سرعته وشدّته، ومن حيث أشكاله وأنغامه والأوزان الشعرية لنصوص الغناء فيه، بل ومن حيث المضامين الأدبيّة والاجتماعية في نصوص ذلك الغناء.