أبناء المزن

سماء عيسى –
رغم أن الورقة(**) بالأساس عن علاقة الشعر بالصحراء، إلا أنني أود أن افتتح الحديث عن تجربة سينمائية فريدة لمخرج سينمائي كندي راحل هو فرانك كول. ما هو غريب أن علاقة فرانك كول بالصحراء جاءت إثر وفاة جده، الذي كان يكن له حباً عظيماً، فلجأ فرانك إلى الصحراء علّه يجد بعض العزاء لديها، لإن الصحراء ومثلما فهم لاحقاً هي ما تشكل لديه الامتداد الطبيعي للحياة والموت في آن.
كان فرانك كول أشد المدافعين عن فكرة إمتداد الحياة، معتبراً ان الصحراء هي النفي الرمزي للإنسان بعد انتهاء حياته، وهي تشكل بفضاءاتها الرحبة اللامتناهية مكاناً لاستعادة التراث واستعادة حيوات الآخرين الموتى.
إثر وفاة جده رحل كول الكندي إلى الصحراء الأفريقية على ظهر ناقة، يجوبها من موريتانيا إلى البحر الاحمر، والرحلة هنا مع مرور الأيام الطويلة تجاوزت رغبة الكشف والمعرفة، التي تحاصر دائماً الرحالة والمكتشفين إلى رحلة حملت البحث عن أهم ثيمات الوجود، أعتقد كول أن الصحراء هي القادرة فحسب على تقديمها للإنسان، ألا وهي ثيمات الحياة والموت.
استمرت رحلة هذا السينمائي المغامر وحيداً، إلا مع كاميراته وأشرطته أحد عشر شهراً متواصلاً، حرص على أن يقطعها وحيداً دون دليل، مواجهاً وحده رموز الحياة باتساعها: الحرية اللامتناهية، الفضاءات الروحية، إرادة البقاء. مواجهاً أيضاً رموز الموت والتي مع الأسف تمثلت في الإنسان، إذ إنه في رحلة ثانية له عام 2000، قدمت له الصحراء التي عشقها وجهاً إنسانياً قاسياً، عندما اعترضته عصابة في شمال مالي وقتلته في أكتوبر من نفس العام.
هكذا تقدم الصحراء في مواجهة الأسيجة والجدران، هذان الوجهان المتناقضان وجه الحياة ووجه الموت وجه الحرية ووجه الأسيجة والجدران، والوجه الأخير هذا أقصد الأسيجة، هو الذي يسود معظم التجمعات السكانية القديمة خاصة تلك المواجهة للصحراء، البعيدة عن سياج الجبال يتجلى ذلك خاصة في منح وأدم، جدران العزلة تلك أو جدران الخوف كنا ندعوها حجرة أو سور أو حلة، وتكون مقصورة على عوائل متجانسة في العرق، تنتمي لقبيلة واحدة غالباً، الخوف من الآخر أو المجهول الصحراوي هذا، أدى إلى تأسيس منازل بعمان دون أبواب أو نوافذ، وقفت على بعض منها في أدم، وكان على سكان هذه المنازل تسلق الجدران دخولاً وخروجاً منها.
أما عن شروط التهوية والضوء فكان يكتفى بما نسميه: المرق، وهو فتحة صغيرة جداً، تكفي لمرور قليل من الهواء وشعاع من الضوء.
كتب الشاعر السكندري كفافيس أجمل قصائده تحت وطأة الحصار هذا أسماها أسوار، معبراً عن ألم العزلة والحصار الذي يفرضه الإنسان على نفسه خوفاً من مواجهة الخارج الذي قد يحمل الموت والخوف من الحياة التي يحملها الداخل إلينا، وكتب في نفس الوقت قصيدة النوافذ، التي تدور في مناخ الحصار إياه.
النوافذ
في هذه الغرف المظلمة التي أمضي فيها أياماً ثقالاً
أروح و أغدو باحثاً عن النوافذ
عندما تنفتح نافذة سيكون هذا عزاء
لكن النوافذ لا أثر لها
أو أني غير قادر على أن اعثر عليها
وربما كان من الأفضل ألا أجدها
ربما كان النور عذاباً جديداً
من يدري كم من أشياء جديدة ستظهر.
أسوار
بلا تحفظ ، بلا حسرة، بنوا حولي أسوارا ضخمة عالية
وها أنا الآن أجلس في يأس ، لا أفكر في شيء آخر
ولو أن عقلي يمزقه ما حدث
لأن علي أن أقوم بالعديد من الأشياء في الخارج
آه ، كيف لم أنتبه وهم يبنون الأسوار ؟
لكني لم اسمع جلبة بنائين ولا صوتا قط
لقد عزلوني عن العالم الخارجي دون أن أشعر.
نادراً ما نجد ثيمات تحمل نقائض، وتتغذى بدلالات عميقة متنوعة كالصحراء، ذلك عميق في التراث الشعري العربي، إذ الصحراء هي مكان الشعر الأول، ومكان النبوة أيضاً.
ما هو جدير وأسبق لتقديمه في هذه العُجالة، الدراسة النقدية الأخاذة للباحث العماني سلام الكندي والتي حملت عنوان الراحل على غير هدى شعر وفلسفة العرب ما قبل الإسلام والتي صدرت عام 1998م بالفرنسية، قدمت هذه الدراسة الصحراء – كما كتب الفيلسوف آلان باديو أستاذ الفلسفة بجامعة باريس – وطناً للغياب، والشاعر إبن الصحراء إنسان هائم يطوي جراحه، يعود إلى الديار بعد شرود غير غير واضح المعالم، فلا يلقى من أثر الضغائن سوى طلل الرحيل ووشم المنازل تحت الرمال، والشعر هنا إذن يرى أن الفقد يمكن أن يكون نهائياً، وأن محو الآثار كُلي، فالصحراء بلا واحات، تضعنا وجهاً لوجه أمام العدم والحنين في آن.
يمتد تأثير الصحراء لأهم الشعراء الفرنسيين في القرن العشرين، خاصة لدى سان جون بيرس، لديه تغدو الصحراء منفى جمالياً بعيداً، وهي عالم يتجدد بعيداً عن رتابة العصور وأزمانها، بها دُفنت حضارات غابرة وعاش بها أمراء المنفى، منها خُلقت أجمل الأشعار، عالم لا تحاصره الحضارة الصناعية بوجودها القمعي، عالم مفتوح على الغموض والإشراق الروحي الرحب، عالم تاريخ بعيد لشعوب وملوك اختفى وأُمحى ذكرهم مع مرور الأيام.
«أبواب مفتوحة على الرمال
أبواب مفتوحة على المنفى
المفاتيح للإدلاء
والكوكب المُنهك سريعاً على حجر العتبة
أترك لي يامُضيفي
بيتك الزجاجي في الرمال
صيف الجبس يسن حرابه في جراحنا
أصطفي مكاناً واضحاً، ولا قيمة له كمستودع لعظام الفصول
وعلى جميع سواحل الرمل في هذا العالم
تهجر روح الله الغاضبة
مرقدها المصنوع من الحرير الصخري
تشنجات البرق هي من أجل
افتتان الأمراء في توريديا»
إيف بونفوا المُعجب بسان جون بيرس، ليس في اتجاهما المشترك إلى البحث عن عالم شعري مفقود في الصحراء فحسب، بل في الالتجاء إلى الشرق ومحاولة البحث عن بريق ينير الأرض في ليلها الطويل : «هذا البريق الذي يظهر في الشرق، في الليل الأشد كثافة».
في مجموعة شعرية فريدة له، حملت عنوان : «أمس سادت الصحراء» والتي صدرت عام 1958، يقدم إيف بونفوا إفتتاحية لمجموعته اقتطفها من هيبريون لهولدرن : « قالت ديوتميا : تريد عالماً، لهذا تملك كل شيء ولا تملك أي شيء» مقدماً بذلك تلخيصاً مكثفاً فذاً لما تعطيه الصحراء لساكنيها ومالا تعطيه أيضاً، تعطي كل شيء وتأخذ كل شيء في الوقت إياه.. لذلك تمنحك الصحراء حب الحياة عبر حب الأرض، التي يعبر عنها الشاعر بأرض الفجر الغامضة، في مواجهة الأرض المأهولة بالحروب القادمة من الأضغان والأحقاد والكراهية، هنا يعود إيف بونفوا لتصعيد ثيمات الضوء والليل والمنافي والحب، التي كثيراً ما تغنى بها في شعره:
حيث يأتي النهار ولا يأتي
إنها أرض الفجر
حيث يغطي ظل جوهري
كل ضوء وكل حقيقة
لكن حتى في المنفى
أحببنا الأرض
مادام صحيحاً ألا شيء
يقدر أن يغلب الحب.
إنها الصحراء خارجة بالإنسان عن الزمن المعيشي المعهود، ذاهبة به إلى حياة أخرى، تأتي نضاحة من الفقر والوحشة، تجد حريتها في الموت الذي تضفيه الصحراء على مخلوقاتها:
أمس في سيادة الصحراء
كنت ورقة وحشية وحرة
في الموت
لكن الزمن كان ينضج
كمثل نواح أودية ضيقة
جرح الماء في حجارة النهار.
بالطبع ذلك دون ان ننسى الشاعر المصري بالفرنسية، أدمون جابيس كلما تحدثنا عن الصحراء هي تيه الشاعر حيث لا وطن له بعد أن اقتلع من جذوره المصرية، ورمته الأقدار غريباً في فرنسا، عدى عن لغتها التي كان يجيدها من طفولته، ربما كان ذلك أيضاً لإسقاطه تجربة التيه اليهودي في صحراء سيناء بقيادة نبي الله موسى عليه السلام، اثناء خروج اليهود من مصر الفرعونية آنذاك، ظل أدمون جابيس إبناً للصحراء المصرية وهو في عمق أوروبا، ظلت الصحراء بالنسبة إليه وطناً للحنين ورمزاً لتيه الإنسان وهيامه الأبدي.
أكتب عن الصحراء
عن النور الساطع
الذي أوقف المطر
لم يعد هناك
سوى الرمل حيث أمشي
فالصحراء أرضي وسفري وتيهي.

هوامش:

مقال من كتاب «اقتراب من النبع، شهادات ومقالات في الفكر والثقافة والتاريخ» للشاعر والكاتب سماء عيسى الصادر حديثا عن دار سؤال اللبنانية بالتعاون مع مبادرة «القراءة نور وبصيرة

* أبناء المزن.. لقب أطلقته الباحثه صوفي كاراتيني على قبائل في الصحراء.
راجع مظاهر الحياة عند بدو الصحراء. إبراهيم الحسين مجلة العربي 673 ديسمبر 2014.
تأملات حول الصحراء والسينما /‏ سعاد باهشار /‏ ترجمة مصطفى النحال مجلة آفاق العدد 76 المغرب.
ديوان كفافيس ترجمة د. نعيم عطية دار المعارف.
منفى وقصائد أخرى /‏ سان جون بيرس /‏ ترجمة ادونيس /‏ بدايات للطباعة والنشر 2007.
إيف بونفوا /‏ الأعمال الشعرية الكاملة /‏ ترجمة أدونيس /‏ منشورات وزارة الثقافة /‏ سوريا.
إنشودة الصحراء /‏ عز الدين الخطابي /‏ آفاق /‏ العدد 76 /‏ 1 يونيه 2008 /‏ المغرب.
(**) شهادة شارك بها الكاتب في احتفائية «الواحد المتعدد» التي أقامها قسم اللغة العربية آدابها بكلية الآداب والعلوم والاجتماعية بجامعة السلطان قابوس، تحت إشراف الأستاذ الدكتور أحمد يوسف وشارك فيها كل من الباحثات: أ. ابتسام الحجرية، أ. شيخة البادية، أ. ايتكين توفيق.