حمارة القايلة

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

كانت الوسيلة الأنجع لترويض شقاوة أبناء جيلي والأجيال التي سبقته هي أسلوب التخويف والترهيب فعلا بـ (الخيزرانة المحناية) من قبل الرجال و(العسو) من قبل النساء، فمسؤولية تربية الصغار كانت مسؤولية جماعية من قبل الكبار في القرية، أما التخويف اللفظي فقد كان يأخذ أشكالا عدة مثل تخويفنا (بحمارة القايلة) – التي حتى هذه اللحظة لم أعرف ماهيتها، لمنعنا من الخروج فترة الظهيرة، و(أم دويس) لمنعنا من الخروج ليلا.
كانت هذه الوسائل ناجعة لإخماد نشاطنا الفطري وفضول طفولتنا وحب الاكتشاف فينا، جعلت منا أطفالا مطيعين وخانعين، لكن المشكلة أن (الطاعة والخنوع) بالنسبة للكثيرين امتدت لما بعد سنوات الطفولة، حملناها معنا إلى عش الزوجية ومقر العمل والسبلة والمحيط الاجتماعي، فجعلت البعض منا ينظر إلى حقوقه تهضم، ويداس على كبريائه دون أن يحرك ساكنا، كونه تربى على الطاعة والخنوع.
ربت فينا سياسة التخويف الخوف أيضا، فأصبح المرء منا يخاف من ظله، ويعيش في عش من المخاوف تمكن البعض من الخروج منها، فيما ظل الكثيرون أسرى شباكها، لأن علاج مشكلة هي نتيجة تراكمات سنين طويلة ليس بالأمر السهل مطلقا، قد أكون من ضمن تلك الفئة المحظوظة التي تسنى لها الخروج من عش المخاوف ذاك، واسترداد ثقتي بنفسي وتقديري لذاتي، كوني اطلعت في مرحلة مبكرة جدا من عمري بحكم ابتعاثي للدراسة في الخارج على تقنيات التنمية البشرية التي استغللتها في تطوير ذاتي على مدى عقود طويلة، والتخلص من رواسب الماضي من سلوكيات وعادات مدمرة، كان من الممكن أن تعيق تقدمي المهني والشخصي، وعلي الاعتراف بأن الأمر لم يكن سهلا على الإطلاق، كان شاقا ومؤلما جدا، لكن لم يكن أكثر ألما من الخوف الذي كنت أعيشه كل لحظة من سلسلة طويلة من أوهام زرعت في عقلي الصغير، ونقشت في حنايا روحي بحكم تلك التربية.
أستذكر هذه المواضيع اليوم وأنا أتابع تعليقات أعضاء إحدى مجموعات (الواتساب) التي كانت تناقش قانون حماية الطفل من العنف، ويتغنى بعض معارضي القانون بأيام (الخيزران والعسو) والتي كانت سببا في مستوى الأدب والاحترام الذي نشأنا عليه، والأدب والاحترام المقصود به هنا طبعا هو (الطاعة العمياء والخنوع) خوفا من (الخيزران والعسو) وليس عن قناعة حقيقية، فتجد الواحد يعيش خلف ألف قناع وقناع، يخفي فيه شخصيته المهزوزة وضعفه.
فيما جيل اليوم تعود على المناقشة واحترام الرأي منذ نعومة أظافره، ويطلب تفسيرا – من حقه- على قوانين تصدر من الكبار سواء في بيئة البيت أو العمل، ليتسنى له تطبيقها عن قناعة، وهذا يولد أفرادا مسلحين بالثقة بالنفس وتقدير الذات وسعة الأفق، التي هي أساس أية شخصية سوية، ففي النهاية هؤلاء الأفراد يمثلون اللبنات التي يتكون منها المجتمع، ومتى ما صلحت صلح المجتمع ومتى ما فسدت فسد هو الآخر.
ختاما نحن لا نملك أطفالنا، لكنهم أمانة سنحاسب عليها حتما، والعنف كان وما زال أسوأ أساليب التربية للصغار والإصلاح للكبار.