حرب شركات الطيران الأمريكية والخليجية

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

يبدو أن مطلب بعض شركات الطيران الأمريكية للرئيس الأمريكي ترامب بدأ مفعوله من خلال المشكلة التي واجهتها طيران الإمارات في رحلتها من سياتل مؤخرا، حيث تأخرت هذه الرحلة أكثر من ست ساعات في المطار في الثاني من شهر فبراير الحالي بينما كانت الشركة تبحث عن قطعة الغيار الصغيرة التي كانت بحاجة للاستبدال، إلا أنها تعذرت في الحصول عليها إلا بعد اتصالات عديدة، وجهد مضن. والنتيجة تعني بأن تتأثر سمعة هذه الشركة الخليجية في الأوساط الأمريكية والعالمية. هذا الأسلوب غير اللائق الذي واجهته طيران الإمارات بسبب امتناع شركة دلتا ايرلاينز الأمريكية ورفضها تزويد الطائرة الإماراتية بتلك القطعة يعطي انطباعا بأن الحرب بين شركات الطيران الخليجية والأمريكية قد بدأت قبل أن يتم اتخاذ أي قرار حكومي في هذا الصدد. وقد أكد متحدث باسم طيران الإمارات أن هذا الأسلوب يذكي التوتر القائم بين تلك الشركات المتخاصمة والمتمثل أصلا في موضوع الدعم الحكومي الذي تتلقاه شركات الطيران الخليجية.
وفقا لبعض وسائل الإعلام الأمريكية فإن شركات الطيران الأمريكية الثلاث الكبرى قد وجهت رسالة عاجلة إلى الرئيس دونالد ترامب مؤخرا طالبته فيها بالتدخل لمواجهة شركات الطيران الخليجية. والشركات الأمريكية التي قدمت برسالتها تضم كلا من “أمريكان إيرلاينز” و”دلتا” و”يونايتد إيرلاينز” إلى جانب شركات ومنظمات أخرى حضت الناس على مراسلة البيت الأبيض والطلب منه انهاء اتفاقية “الأجواء المفتوحة”، وإنهاء ما وصفتها بـ”سياسات الدعم التي تحظى بها الشركات الخليجية”، والدفاع عن العمال الأمريكيين. وقد سبق لهذه الشركات الأمريكية بأن تقدمت للإدارة الامريكية السابقة في عهد اوباما طلبها، حيث أدى ذلك إلى قيام الحكومة الأمريكية حينذاك بتشكيل لجنة من ثلاث وزارات وهي التجارة والنقل والخارجية لبحث الاعتراضات والمواقف، والتحقق من كل الجوانب المتعلقة بالموضوع. وهذا التحالف الذي ضم شركات الناقلات الأمريكية الثلاث يهدف في الأساس إلى دفع الحكومة الأمريكية لإعادة النظر في اتفاقية الأجواء المفتوحة، ووضع ضوابط تحدّ من توسع الناقلات الخليجية في السوق الأمريكي.
وكما هو معروف فإن اتفاقية الأجواء المفتوحة والنقل الجوي يسمح بموجبها لشركات الطيران غير المنتظمة بتشغيل رحلات جوية غير محددة العدد بين دولتين، إضافة الى تشغيل الناقلات الوطنية في البلدين من خلال عدد من الرحلات. وهناك الكثير من الدول الخليجية الموقعة على هذه الاتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية ومنها السلطنة، حيث اتفق بموجب الاتفاقية السماح بممارسة حقوق النقل بالحرية الخامسة عبر نقاط وسطية ونقاط فيما وراء البلدين، بالإضافة إلى إمكانية تشغيل الناقلات الوطنية لكلا البلدين بالرموز المشتركة، فيما تعمل السلطنة على شراء طائرات كبيرة قادرة الوصول للولايات المتحدة خلال العامين القادمين، وزيادة عدد المسافرين بين وأمريكا خلال الفترة المقبلة.
اليوم هناك اتهامات ضد الناقلات الإماراتية والقطرية من قبل بعض شركات الطيران الأمريكية، باعتبار أنها وبقية شركات الطيران الخليجية الأخرى تحصل على دعم حكومي للسيطرة على هذا القطاع، وهذه الشكاوى والاتهامات أصبحت متكررة وسبق أن نفتها الشركات الخليجية بشدة. والرسالة الأخير لترامب جاء فيها أن “العمال في صناعة الطيران الأمريكية بحاجة لمساعدتك”، و”دون التحرك العاجل لإدارتك فإن الأمريكيين الذين يعملون بجد سيواجهون منافسة غير عادلة من الشركات الخليجية المملوكة للحكومة”. وأضافت الرسالة أن الشركات الإماراتية والقطرية “حصلت على مستويات دعم غير مسبوقة”، قدرتها الرسالة بخمسين مليار دولار للسيطرة على صناعة الطيران العالمية. كما اتهمت الرسالة الشركات الخليجية بأنها “تخالف القانون” وتواصل التوسع في السوق الأمريكية. وختمت بالقول: “السيد الرئيس، نحتاج إلى تدخلك الشخصي لمعالجة الوضع، فالوظائف الأمريكية على المحك.”
وبالفعل تم عقد اجتماع لأصحاب الناقلات الأمريكية في البيت الأبيض مؤخرا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للنظر في كيفية تقييد عمل الناقلات الخليجية الثلاث وهي الخطوط الجوية القطرية والاتحاد للطيران والخطوط الجوية الإماراتية في السوق الأمريكي، وهذا الأمر بلا شك يخل بالمنافسة العادلة، فيما تطالب الناقلات الأمريكية الثلاث الحكومة الأمريكية بالعدول عن موقفها بشأن اتفاقية الأجواء المفتوحة (السماوات المفتوحة) وفرض اتفاقيات أحادية الجانب على الخدمات المقدمة من قبل شركات الطيران الخليجية. وقد تم توصيل هذه الرسالة إلى وزير الخارجية الأمريكي الجديد ريكس تيلرسون مستندة إلى رغبة الإدارة الأمريكية الجديدة في تكريس الحمائية والنزعات الانغلاقية تحت شعار «أمريكا اولا»، حيث من المقرر ان يجتمع تيلرسون مع رؤساء شركات الطيران الأمريكية الثلاث لبحث هذه القضية، فيما بدا واضحا ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصدد وضع خطة ضريبية في مجال الطيران قد تطال الشركات الخليجية الثلاث الكبرى التي اشتكت منها الشركات الأمريكية.
فشركات الطيران الأمريكية ترى بأن تلقي شركات الطيران الخليجية للدعم يقوّض “المبادئ الأساسية للمنافسة العادلة والمفتوحة التي هي الأساس ويتعارض مع أساس اتفاقية الأجواء المفتوحة وضوابط المنافسة العادلة”، وتدعو الحكومة الأمريكية إلى فرض قيود على الناقلات الخليجية الثلاث لحين التوصل إلى قرار بشأن مزاعم هذا الدعم، كما تفترض الشركات الأمريكية أنها سوف تستفيد من تعهد ترامب الانتخابي بتعزيز نمو الوظائف المحلية، وإعادة النظر في الاتفاقيات التجارية التي تضر الولايات المتحدة، ومن ضمنها الأجواء المفتوحة.
وكان الرئيس التنفيذي للخطوط الجوية القطرية أكبر الباكر قد رد بوضوح في الشهر الماضي على تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة دلتا ايرلاينز الأمريكية في هذه المطالب التي تدعو الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لاتخاذ إجراءات رادعة تجاه الناقلات الخليجية الثلاث مشيرا إلى أن ترامب رجل أعمال في الأساس قبل ان يكون رئيساً منتخباً للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي فإنه سيتصرف بالشكل الصحيح ويحقق ماهو أفضل لبلاده ولاقتصادات السوق الحرة في الولايات المتحدة الأمريكية.وتجدر الإشارة هنا إلى أن التجارة عبارة عن معادلة مكونة من استيراد وتصدير وبالتالي فإن فرض قيود حمائية في أمريكا ليس في صالح أمريكا ذاتها لأن أمريكا تصدر بقدر ما تستورد. كما تؤكد الناقلات الخليجية ان “اتفاقية الأجواء المفتوحة الأمريكية صممت خصيصاً من قبل الحكومة الأمريكية لضمان حرية التشغيل للناقلات الأمريكية على نطاق أوسع في شبكة خطوطها دون تقييد الحكومات الأجنبية على المسارات والخدمات التي تقدمها. ورغم مطالب تلك الشركات للإدارة السابقة لباراك اوباما وحثها على وقف اتفاقية السماوات المفتوحة، إلا أنها أحجمت عن اتخاذ أي إجراء ضد الناقلات الخليجية، فيما يبدو اليوم أن آمال كسب حرب الأجواء المفتوحة تجددت في ظل تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة وميله إلى الإجراءات الحمائية.
لقد سبق لشركات الطيران الخليجية من خلال القطرية أن ردت على هذه المزاعم وعدم صحة الادعاءات بأن خدماتها تعود بالضرر على الناقلات الأمريكية باعتبار أنها لا تتنافس مع أية ناقلة أمريكية على أي من خطوط الرحلات المباشرة، وتخدم المدن التي لا تقوم الناقلات الأمريكية بخدمتها في بعض المدن الآسيوية، خاصة أن الخدمات المقدمة من قبل الخطوط الجوية الخليجية تخدم الناقلات الأمريكية حيث تقوم القطرية وغيرها على سبيل المثال بالتعاون وتزويد الناقلات الأمريكية بحركة النقل، بما في ذلك الخطوط الأمريكية من خلال رحلات الرمز المشترك وشريك تحالف ون وورلد وجت بلو وغيره. ويبدو ان المرحلة المقبلة سوف تشهد مزيدا من التصعيد في هذه المسألة في ظل التصريحات التي يطلقها دونالد ترامب ضد العولمة والعمل بالحمائية التي ربما ستعمل على إقصاء سياسة الأجواء المفتوحة عن مشهد العولمة وتحديد حقوق النقل الجوي بين دول العالم.