صلاح أبو سيف بين ما يحدث في مصر الآن والحرب في بر مصر

يوسف القعيد –
ثم جاء دور صلاح أبو سيف. كنت قد شاهدت أعماله وأعجبت بها. ثم تعرفت عليه عبر اجتماعات مكتب الأدباء والكتاب والفنانين في حزب التجمع. كان حزب التجمع هو الحزب السياسي الوحيد في مصر – وما يزال – الذي اهتم بالأدباء والكتاب والفنانين من أعضائه. وحاول أن يوجد لهم كيانا. ربما لأنه الحزب الذي كان فيه أكبر عدد من الأدباء والكتاب والفنانين. لأن طبيعة موقفهم من الدنيا ودورهم في الحياة أقرب إلى قوى اليسار. بعد أن انتهينا من اجتماعاتنا الأولى، وبدأنا في التعارف. وفى مثل هذه المواقف تخونني اللغة، وقد لا أستطيع أن أعبر عما بداخلي تجاه الشخص الذي أمامي. فصلاح أبو سيف أحد مؤسسي أدب السينما أو سينما الأدب. أي أنه من أكثر الناس الذين حولوا روايات أدبية لأفلام سينمائية. ثم إنه هو الذي علم نجيب محفوظ كتابة السيناريو. وقد حكى نجيب محفوظ هذه الحكاية أكثر من مرة. وحكاها لي مطولا. وهي موجودة في كتابي الحواري مع نجيب محفوظ: نجيب محفوظ إن حكى.
من غرائب المصادفات أن صلاح أبو سيف فكر أولا في تحويل روايتي: يحدث في مصر الآن. إلى فيلم سينمائي. وقد قام بعمل معالجة ذهب بها إلى الرقابة. ورفضت الرقابة. لأن هناك نصا واضحا يحكم عملها. ألا تسمح بتنفيذ أعمال تعادي دولا لها مصالح مع مصر. وقد خفف صلاح أبو سيف من الرواية وأجرى بعض التعديلات. ليستبعد منها موكب الرئيسين السادات ونيكسون. وتحذف من العنوان كلمة: الآن. وتضاف للعنوان كلمة: الريف. وبذلك يصبح العنوان هو: حدث في ريف مصر.
الغريب في أمري أنني استبقت الأمور – وكان هذا خطأ وقتها – ولم أوافق طبعا على ما قام به صلاح أبو سيف. شرحت أسباب رفضي. علما بأنني كان يجب أن أبدأ الكلام بشكر رائد الواقعية في السينما المصرية على أنه اهتم بأحد رواياتي. في هذا الزمان كان الانفجار الروائي في مصر على أشده. وكانت الأسماء الكبيرة ما زالت تملأ الساحة وتكتب وتنشر. لذلك ففيما قام به صلاح أبو سيف قدر من الجميل تجاه نتاجي الأدبي. لكنها اندفاعات الشباب التي ربما لم تكن مبررة وقت أن تحدث. قلت لصلاح أبو سيف، تعليقا على معالجته لرواياتي: يحدث في مصر الآن لتصبح فيلما سينمائيا:
– في هذه الحالة لا يبقى من روايتي أي شيء.
من المؤكد أن صلاح أبو سيف وقتها – وكم يبدو هذا الوقت بعيدا عنا الآن – لم يعجبه كلامي. واستغرب موقفي. ولو أنه أدرك أنني أتكلم من خارج السياق. وأنني لست جزءا من الحكاية. لتفهم ما قلته ووضعه في سياقه الطبيعي. وربما حدث هذا منه. فالرجل كان حكيما متفهما. وكان عندما يتكلم ينطق ببطء غير عادى. كأنه يفكر في الكلمات قبل أن ينطق بها. وهذا من الأمور النادرة. خصوصا في زماننا الآن. عندما يتكلم أي إنسان تجد الكلمات تنطلق من فمه كما لو كانت طلقات رصاص من بندقية أو مدفع.
يومها انصرف كل منا لحال سبيله. ولكن فوجئت باتصال مبكر منه. بعد أسبوعين. وعندما ذهبت إليه في الثامنة صباحا. في جلسته الشهيرة بلاباس، وهو كازينو شهير. كان يوجد في شارع قصر النيل بالقرب من ميدان طلعت حرب الذي تسميه الجماهير ميدان سليمان باشا. واشتهر لاباس الذي كان قريبا من مقهى ريش بأن المثقفين من الأشقاء العرب كانوا يجلسون فيه. رأيت فيه محمد الفيتوري، وعبد الوهاب البياتي، وغيرهم من الوجوه الثقافية العربية التي كانت تضيء سماء مصر وقتها. كانت مع صلاح أبو سيف نسخة من روايتي: الحرب في بر مصر. «طبعة بغداد» وكانت الرواية ممنوعة في مصر. وقد صدرت طبعات منها في بيروت وفلسطين المحتلة والجزائر والسودان والعراق. وقال لي إنه سيقدم معالجة لها للرقابة. التي رفضتها. ورغم أن صلاح أبو سيف سبق أن امتثل لقرار الرقابة برفض يحدث في مصر الآن. إلا أن موقفه تغير هذه المرة.
مع الحرب في بر مصر اختلف موقف صلاح أبو سيف عن موقفه من يحدث في مصر الآن. تعامل مع الأمر باعتباره قضية عمره. وتابعه بمثابرة نادرة. كانت عند صلاح أبو سيف حالة من الدأب والمتابعة والمثابرة. التي لا نجدها عند مخرج غيره الآن. كان صلاح أبو سيف يثير الموضوع في الصحف. ويتحدث عنه في جلساته. ويعتبره عدوانا على الحرية. رغم أن الحرية وقتها لم يكن لها البريق الذي نجده الآن. ولم يكن يتمسح بها الجميع سواء من يستمتعون بها أو من يحاولون اغتيالها.
إلى أن تولى أمر الرقابة في مصر حمدي سرور. ولدهشتي واستغرابي رغم أن الرجل لم أكن أعرفه ولم يكن يعرفني ولم يكن يتحدث كثيرا في الصحف عن قراءاته الأدبية. إلا أنه فاجأني وفاجأ صلاح أبو سيف وفاجأ الأوساط السينمائية والثقافية بأن وافق على تحويل الروايتين: يحدث في مصر الآن. كان قد أعاد تقديمها له المخرج الشاب: منير راضي. بعد أن حولها لفيلم بعنوان: زيارة السيد الرئيس.
وافق حمدي سرور أيضا على تحويل رواية: الحرب في بر مصر. إلى فيلم، وكان تقديم الرواية للرقابة بشكل رسمي لا بد أن يتم من خلال منتج. وقد قدم له الورق الرسمي حسين القللا. وهو منتج سينمائي جاد. قدم للسينما المصرية أفلاما من أفضل الأفلام التي قدمت فيها.
ومن شدة دهشتي سألت حمدي سرور عن سبب موافقته. خاصة أننا كنا قد لجأنا إلى درجات القضاء كلها. وقد رفضت الروايتان. قال لي إنه لاحظ منذ توليه الرقابة وعند حضوره أي ندوات جماهيرية. سواء في مصر أو خارجها في الوطن العربي أن أول سؤالين يوجهان له عن هاتين الروايتين. وأسباب رفض الرقابة لتحويلهما لفيلمين. وكان هذا هو السبب في قراره بالموافقة على تحويل الروايتين لفيلمين سينمائيين. وهو القرار الذي تعامل معه السينمائيون بدهشة، وصلت أحيانا لحدود سوء النية. لكنه كان قد منحني شخصيا فرصة تحويل نصين روائيين لي لفيلمين سينمائيين. ونكمل..