واقع جديد في سياسات .. «الإخوة الأعداء»!

مروى محمد إبراهيم –

«أوروبا تتعامل حاليا مع رئيس جديد سيكسر كل الثوابت التي اعتادت القارة التعامل معها فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية على مدار قرابة الـ70 عاما. وهو ما يهدد طبيعة التحالف الأمريكي-الأوروبي الوطيد على مدار العقود الماضية»
«ترامب احد التهديدات الخارجية التي تواجه أوروبا مثل الصين وروسيا» .. بهذه الكلمات عبر دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي عن مخاوف الاتحاد من قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المثيرة للجدل التي تحظر دخول مواطنين من سبع دول إسلامية حتى وإن كانوا يحملون تصريحات دخول سارية، إلى جانب وقف استقبال اللاجئين السوريين، إلا أنها تسمح باستثناء الأقليات الدينية.
وعلى الرغم مما تضمنته هذه الكلمات من شعور بالخطر والريبة إزاء توجهات الرئيس الجديد لأكبر قوة في العالم، إلا أن الصحافة الأوروبية كانت أسرع في الحكم على ترامب ووصفت قراراته بـ«المرعبة» وأنها تتسم بـ«القسوة» على حد سواء، واتفقوا على أن هذه القرارات «غير أمريكية» على الإطلاق. وبقدر ما بدا الموقف الرسمي والإعلامي الأوروبي قويا في مواجهة قرارات ترامب، إلا أن النزعة اليمينية التي شهدتها الانتخابات المحلية والاستفتاءات الشعبية في مختلف الدول الأوروبية على مدار العام الماضي تكشف عن موقف شعبي متغير ويصعب التنبؤ به، وغالبا ما يكون مخالفا إلى حد كبير للتيار الرسمي. والسؤال الآن: كيف ستتعامل أوروبا مع ترامب وأفكاره المتطرفة؟ هل ستواصل القيام بدور التابع الأمين لواشنطن والبيت الأبيض؟ أم أنها ستتصدى لهذه الرياح اليمينية المتطرفة القادمة عبر المحيط الأطلنطي؟ لا بد أن نعترف في البداية أن تحذيرات «توسك» لا يمكن النظر إليها باعتبارها موقفا رسميا، ولكنها مجرد تحذيرات من مسئول أوروبي بارز حرص على نقلها إلى كافة الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ( بدون بريطانيا )، وهو ما يعني أن كل دولة سيكون من حقها اتخاذ وتحديد الموقف الذي يناسبها على أن يتم طرح هذه المواقف في القمة الأوروبية التي انعقدت في مالطا خلال الأيام الأخيرة، ولكن وجهة النظر التي سعى «توسك» إلى إرسالها إلى كافة الدول الأوروبية هي ببساطة أن أوروبا تتعامل حاليا مع رئيس جديد سيكسر كل الثوابت التي اعتادت أوروبا التعامل معها فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية على مدار قرابة الـ70 عاما. وهو ما يهدد طبيعة التحالف الأمريكي-الأوروبي الوطيد على مدار العقود الماضية. كما أنه يضع أوروبا في موقف حرج إذا ما اتخذت مواقف داعمة لأمريكا في المستقبل، وهو ما سيحمل في طياته تأييدا ضمنيا لسياسات ترامب المثيرة للجدل.
وهذا الموقف الحرج تواجهه حاليا تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية التي تواجه حاليا ضغوطا من الشارع البريطاني الذي يشهد احتجاجات شعبية، ونواب المعارضة داخل مجلس العموم للمطالبة بإلغاء زيارة ترامب المرتقبة إلى لندن خلال الأسابيع المقبلة. وعلى الرغم من الرفض الإعلامي ومن الآلاف في الشارع البريطاني، إلا أن بوريس جونسون وزير الخارجية البريطاني أكد في جلسة ساخنة لمجلس العموم البريطاني أن حكومته لن تسعى على الإطلاق إلى تطبيق سياسات مشابهة، كما أنه رفض في الوقت ذاته أي محاولة للإساءة لترامب أو تشبيهه بالحكام المستبدين الذين عانت منهم أوروبا خلال القرن الماضي ما يعني أن تيريزا ماي لن تستجيب لهذه الموجة، ولن تخضع للمعارضة، وستستقبل ترامب في بلادها رغم ذلك. وهذا الموقف ليس جديدا على بريطانيا التي طالما سايرت الولايات المتحدة وخاضت معها حروبا، أبرزها الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وهو الذي تبين فيما بعد أنه لم يستند إلى أسباب حقيقية.
أما فيما يتعلق بألمانيا، فيبدو أن الوضع بالنسبة لها سيكون أكثر وضوحا. فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كانت هدفا مباشرا لانتقادات ترامب، وخاصة فيما يتعلق بسياساتها لاستقبال اللاجئين. واحتلت ميركل جانبا لا بأس به من الجدل خلال حملة ترامب الانتخابية، ولم يتراجع الرئيس الأمريكي الجديد عن مواقفه الرافضة لسياسات ميركل بعد فوزه بالرئاسة. ولكن أحد مستشاريه ذهب إلى حد اتهام المستشارة الألمانية أيضا باستغلال اليورو ( العملة الأوروبية الموحدة) في التلاعب بأمريكا والاتحاد الأوروبي. وهو ما دفع ألمانيا لاتخاذ موقف دفاعي، حيث أكدت ميركل أنها لم ولن تسعى إلى التأثير على البنك المركزي الأوروبي، وأنها تحرص على أن يشهد السوق العالمية معايير تجارة عادلة بمنتجات قادرة على المنافسة. وعلى الرغم من تفسير وسائل الإعلام الدولية هذا الخلاف بأنه محاولة أمريكية للوقيعة بين الدول الأوروبية، وهو ما يؤكد مخاوف «توسك» من أن التغيرات المتواصلة على الصعيد الأمريكي ستصيب أوروبا بحالة من عدم الاستقرار. والاتهامات الأمريكية الجديدة لألمانيا تشير إلى أن العلاقات بين إدارة ترامب وبرلين اتخذت منحى عدائيا جديدا وغير مسبوق بين الدولتين الحليفتين سابقا.
أما الموقف الفرنسي فيختلف إلى حد كبير عن ألمانيا وبريطانيا، ففرنسا على أبواب انتخابات عامة في أبريل المقبل وفرص حزب الجبهة القومية الشعبية اليمينية بقيادة مارين لوبان يتمتع بفرص قوية في الفوز. وهو ما يجعل من أمريكا تحت قيادة ترامب نموذجا جيدا يمكن أن تحتذي به فرنسا تحت قيادة لوبان. أما الرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا أولاند فموقفه لا يختلف عن موقف التيار المعتدل في أوروبا الذي تمثله ألمانيا. ولكن وجود أولاند على رأس السلطة لن يستمر طويلا. وهو ما يعني أن الموقف الفرنسي من الإدارة الأمريكية الجديدة لا يزال متذبذبا. فالتيار الاشتراكي في فرنسا يواجه موقفا صعبا، خاصة في ظل الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها فرنسا خلال العامين الماضيين. وهو ما يزيد من فرص اليمين المتطرف في الفوز. وعلى الرغم من أن لوبان لم تسع إلى لقاء ترامب أو التواصل مع إدارته، ولكنها كانت قد رحبت بفوزه بالرئاسة في نوفمبر الماضي واعتبرت أن فوزه يعني أن «الشعوب بدأت تستعيد مستقبلها». وفوزها يعني أن فرنسا ستكون التابع الأمين الجديد للولايات المتحدة في المستقبل.
إن وصول ترامب على رأس السلطة في واشنطن يؤكد أن شكل العالم بدأ يتغير، فالمؤشر الأمريكي يرجح أن الشعبوية واليمين المتطرف هو التيار الجديد الذي سيسود العالم، وهو المستقبل القريب الذي تخشاه أوروبا بشكلها الراهن. وقد بدأت المؤشرات في الظهور بالفعل على الساحة السياسية الأوروبية، فبريطانيا تقف في منتصف الطريق. فعلى الرغم من الآلاف الذين يتظاهرون في الشارع ضد زيارة ترامب إلى لندن فإن هذا لا ينفي أن الشعب البريطاني هو من خطا أول خطوة على طريق الانعزال عن أوروبا عندما اختار الخروج من الاتحاد الأوروبي لنفس الأسباب التي دفعت الشعب الأمريكي إلى انتخاب ترامب. وهو ما يعني أن بريطانيا ستؤيد التوجه الأمريكي الجديد ولكن على استحياء. أما ألمانيا فموقفها حتى الآن هو النقيض للجانب الأمريكي. وهو ما ينبئ لعداء قوي وخلافات عميقة في المستقبل، وربما تصل إلى حد الشقاق على الساحة الأوروبية التي ستنقسم إلى فريق مؤيد وفريق معارض للولايات المتحدة. أما التوجه الأمريكي نحو أوروبا فسيعتمد بشكل أو بآخر على المصالح والتوافق في وجهات النظر، فلم تعد أوروبا هي الحليف التقليدي لأمريكا كما اعتاد العالم من قبل، ولكن تحالفات واشنطن ستتعمق شرقا وغربا بدون أي محاولة للتوافق مع الموقف الأوروبي. إن العلاقات الأمريكية-الأوروبية ستشهد تحولات كبيرة في الفترة المقبلة، فهل سيواصل الجانب الأوروبي مساعيه التقليدية لاسترضاء واشنطن، أم أن حلفاء الماضي ربما يتحولون إلى الإخوة الأعداء في المستقبل؟.