إدارة ترامب وتخوفات القيادة الفلسطينية

ماجد كيالي –
كاتب فلسطيني –

مع مجيء دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية ثمة تخوفات لدى أوساط القيادة الفلسطينية من تغيير في الموقف الأمريكي إزاء قضية الفلسطينيين، هذا يتجلى بدعم سياسات حكومة نتانياهو، ولاسيما فيما يخص تنشيط الأعمال الاستيطانية، وبمسعى إسرائيل تهويد القدس، بما في ذلك احتمال نقل السفارة الأمريكية إليها.
في الحقيقة فإن هذه التخوّفات لا أساس لها من الصحة، لسبب بسيط مفاده أن الموقف الأمريكي مساند لإسرائيل من مختلف النواحي، وأن الفرق بين رئيس أمريكي وآخر هو في الطريقة وليس في النوع، وأن لا رئيس استطاع الضغط على إسرائيل لإجبارها على الانسحـاب من الأراضي المحتلة عام 1967، أو وقف سياسات الاستيطان التي تنتهجها في هذه الأراضي، أو وضع حد لسياساتها الرامية إلى السيطرة على القدس وتهويدها، وهذا ينطبق على الرؤساء جون كينيدي وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وباراك أوباما.
أما مصدر التخوفات فهو يعود إلى التوهمات التي بنت عليها القيادة الفلسطينية مراهناتها الخاطئة بخصوص التسوية مع إسرائيل، التي أودت بها إلى اتفاق أوسلو في العام 1993، والتحول من حركة تحرر وطني إلى سلطة، وهي ذاتها التي غيرت النظرة إلى الولايات المتحدة من كونها الراعي والضامن لوجود إسرائيل وضمان أمنها وتفوقها في المنطقة والمؤيد لسياساتها، إلى اعتبارها دولة محايدة أو دولة راعية لعملية السلام.
وفي الواقع ليس ثمة علاقة بين دولة ما ودولة أخرى تشبه علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة الأمريكية، التي تبدو لوحدها نسيجا بين علاقات الدول والأمم، وتتأسس على روابط اعتمادية، تشمل مختلف المجالات في كلا البلدين، أي في السياسة والأمن والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والثقافة، وحتى في مجال التكون التاريخي (تجربة الاستيطان الاحتلالي ومحاولة محو أهل الأرض الأصليين).
المفارقة في هذه العلاقة أن إسرائيل تبدو عبئا حقيقيا على الولايـات المتحـدة، وذلـك من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية، ولجهة مكانة الولايات المتحدة ومصداقيتها في العالم، في حين أنها تعتبر مكسبا خالصا لإسرائيل، التي تتمتع بضمانة الولايات المتحدة لأمنها ولتفوقها الاستراتيجي في المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية.
المفارقة تتجلى، أيضا، في واقع أن إسرائيل دولة صغيرة جدا وهي بعيدة عن الولايات المتحدة، ولا يزيد عدد سكانها عن بضعة ملايين، ويبلغ ناتجها السنوي نحو 200 مليار دولار، في حـين أن الولايـات المتحدة دولة كبيرة وقوية بالمقاييس الجغرافية والسكانية والاقتصادية والتكنولوجية. وثمة مفارقة أخرى تتمثل بواقع أن مصالح الولايات المتحدة في العالم العربي أهم من مصالحها في إسرائيل، ففيه كتلة بشرية تنـاهز 350 مليون شخص، وفيه الثروة النفطية، الحيوية للاقتصاد العالمي، وهو يحتل موقعا استراتيجيا للعلاقات الدولية.
لكن ما يلفت الانتباه أن الولايات المتحدة برغم كل الميزات التي هي لصالح العالم العربي وليست لصالح إسرائيل، تصرّ على محاباة إسرائيل، ودعمها وتغطية سياساتها بشكل مطلق. الأسوأ من ذلك أن إسرائيل هذه، في محاولاتها فرض سياساتها وأولوياتها وحاجاتها في الشرق الأوسط، تذهب أيضا إلى حد معاندة مصالح الولايات المتحدة وأولوياتها، كما شهدنا، في عهد الرئيس أوباما، في ممانعتها تسهيل السياسة الأمـريكية الشرق أوسطية، ولـو لمجـرد تجميد الاستيطان لمدة أشهر، مقابل مساعـدات سياسية واقتصادية وأمنية هائلة.
ويمكن تفسير العلاقة الخاصة، التي تبرر لإسرائيل معاندة الإدارة الأمريكية، بالآتي:
1- محاولة إسرائيل التماهي مع مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في مرحلة الحرب الباردة خصوصا، في الخمسينات والثمانينات، لذلك فإن هذه العلاقة تستند إلى إرث تاريخي راسخ من العلاقات والمصالح والرؤى المتبادلة.
2- وجود لوبي يهودي قوي ونافذ في المجتمع الأمريكي وفي مراكز صنع القرار يسهّل لإسرائيل سياساتها ويدافع عن مصالحها، في حين ثمة غياب للوبي عربي فاعل وموحد.
3- تستمد إسرائيل نفوذها من وجهة نظر لدى النخب المتنفذة في الولايات المتحدة ترى أن إسرائيل تنتمي إلى منظومة الحضارة الغربية، وتعتبر إسرائيل بمثابة واحة للديمقراطية والحداثة في المنطقة، ووفق شعار أن “ليس في الشرق للغرب أكثر من الغرب نفسه”. وكما لاحظنا فقد تداعت هذه الأسطورة بعد انفضاح الطابع العنصري والاستعماري لإسرائيل، ولكن النتائج كانت أكثر وضوحا في أوروبا منها في الولايات المتحدة.
4- طبيعة النظام السياسي الأمريكي، الذي يعتمد على دوائر عدة، خصوصا أن الضغط عليه، لتوجيه دفة السياسة الخارجية الأمريكية، لا يقتصر على العلاقة بالرئيس أو بأركان إدارته، وإنما يشمل التأثير في دوائر الناخبين وفي مجلسي النواب والشيوخ، ووسائل الإعلام والشركات الكبرى والجامعات واللوبيات.
5- تشتت وضعف الإرادة وتخلف الإدارة السياسية في العالم العربي، رغم الكثرة العددية للعرب وكثرة دولهم ووفرة نفطهم.
6- ثمة بعد ثقافي ديني بين الطرفين يستمد وجوده من تيار المسيحية البروتستانتية، المنتشرة في المجتمع الأمريكي، والذي يعتبر قيام إسرائيل علامة من علامات “القيامة”، ولذلك فإن هذا التيار يدعم وجود إسرائيل من هذا المنطلق، وإن لغايات مختلفة.
7- وجود شعور بنوع من التماثل بين قيام إسرائيل وقيام الولايات المتحدة، التي نشأت أيضا بوسائل الهجرة والاستيطان والقوة، ضد أهل الأرض الأصليين.
هكذا، وبحكم كل هذه العوامل، فإن إسرائيل تتمتع بامتيازات تتيح لها العمل من داخل المجتمع الأمريكي، والسياسة الأمـريكية؛ مـا يفسر تحمّلها الخـلاف مع هـذه الإدارة أو تلك، فكيف إذا تعلق الأمر بعلاقة مع إدارة أمريكية يترأسها شخص مثل دونالد ترامب؟ المهم ان القيادة الفلسطينية لم تهيئ نفسها ولا شعبها لمثل هذا التحدي، بل انها وضعت كل رهاناتها على العملية التفاوضية وعلى العلاقة مع الولايات المتحدة، التي لم تكن يوما لا وسيطا ولا طرفا محايدا!.