نهاية النظام العالمي للتبادل الحر والأمن المشترك

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

لا يختلف اثنان على أن القضايا التي يثيرها الرئيس الأمريكي الجديد بغض النظر عن مدى فهمه لها أو عدمه تثير غضب الكثير من الأمريكيين وحكومات وشعوب العالم، ومن بينها الحكومات والشعوب الأوروبية التي تعتبر الأقرب إلى أمريكا في الكثير من توجهاتها السياسية والاقتصادية، وتجاه الأسس التي ترتبط بها. اليوم نرى هناك حملة كبيرة على ما يطرحه هذا الشخص الذي من خلال إصدار قراراته المتتالية أوجد الكثير من اللغط في المسائل السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تهم أمريكا والعالم. ويخمن البعض بأن تؤدي هذه القرارت والسياسات الجديدة إلى حروب تجارية وربما عسكرية بين أمريكا ودول العالم ولو عن طريق حروب بالوكالة.
ولنترك هنا الجانب السياسي والعسكري ونركّز على الجانب الاقتصادي الهام الذي يهم شعب أمريكا أكثر من غيره من خلال معاداة هذا الشخص لموضوع العولمة الذي يراه البعض بأنه سوف يقضي على النظام العالمي للتبادل الحر بين دول العالم، بالرغم من أن أمريكا تعتبر إحدى الدول الرئيسية التي وضعت أسسا لهذا النظام بالاتفاق مع الدول الأوروبية الأخرى. والخبراء في هذا المجال يرون بأن النظام العالمي الذي أسسته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية كان سببا مباشرا لعملية الازدهار التجاري والتوجه نحو السوق الحر التي تعتمد على تحرير التجارة العالمية، وزيادة حركة رؤوس أموال بين مختلف دول العالم.
بعض التقارير التي تتحدث عن ذلك تشير إلى أن تأثير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشكّل فقاعة من التخمينات، إلا أنها ربما ستنفجر في نهاية المطاف بمجرد أن يدرك المستثمرون عجز الرئيس الجديد عن الالتزام بتعهداته. وهنا نشير إلى سياسته الحمائيّة التي تحدث عنها في حملات الانتخاب والتأكيد عليها لاحقا بأنه “ ينبغي علينا حماية حدودنا من الويلات التي أصابت الدول الأخرى التي تصنع منتجاتنا، وتسرق شركاتنا وتدمّر وظائفنا” موجها خطابه للشعب الأمريكي قائلا: “اشتروا البضائع الأمريكية واستأجروا العمال الأمريكيين”. وربما ستكون هذه الخطوة، وهي الحمائية، مسألة مكلفة اقتصادياً بالنسبة لدولة تضعها موضع التنفيذ على نطاق واسع. وفي هذا الصدد يطرح تقرير مطول صادر عن ساكسو بنك سؤالا عريضا هو هل “الاقتصاد الأمريكي يحتاج إلى ترامب حقاً” وما مدى حاجة هذا الاقتصاد الأمريكي لوجود شخص مثل ترامب، مشيرا إلى أن سجل الأداء الاقتصادي لسنوات رئاسة أوباما يشير إلى الكثير من الملامح الإيجابية التي تحققت في فترة رئاسته للسنوات الثماني الماضية. فالمؤشرات الاقتصادية وفق التقرير متينة جداً حيث غادر الرئيس أوباما والاقتصاد الأمريكي يعيش حالة صحية جيدة نوعاً ما، بينما شهد هذا الاقتصاد في كثير من الأحيان قوة أكبر مما سبق في عام 2008، وخاصة فيما يتعلق بالقطاع المالي، فيما تظهر البيانات الأخيرة لأمريكا في تركة وعهد أوباما بأنها أفضل بالمقارنة مع توقعات الربع الأخير من عام 2016 وبداية هذا العام. فمن حيث سوق العمل الأمريكي فانها قريبة من التشغيل الكامل، حيث يشير تقرير البنك إلى أنه على مدار العامين الماضيين، أوجد سوق العمل 4.9 مليون فرصة عمل للأمريكيين، مما أدى إلى تراجع معدل البطالة لتصل إلى نسبة 4.7%. ونتيجة لذلك وللمرة الأولى انخفض عدد الأمريكيين العاطلين عن العمل ممن تتراوح أعمارهم ما بين 25 عاما و34 عاما إلى أقل من 22% في نهاية عام 2016، وهي المرة الأولى منذ سبتمبر عام 2008 تشهد السوق هذا الحال، ومع ذلك وعلى الرغم من التحسن الأخير، بقي معدل مشاركة سوق العمالة على انخفاضه (62.7% في ديسمبر)، مما يعني أن الاقتصاد الأمريكي بالتأكيد لم يصل إلى نطاق العمالة الكاملة، على الرغم من عدم صعوبة تحقيق هذه الغاية. وكان لذلك أثر مباشرا على معدلات التضخم، وبدأ ميزان القوى بين أصحاب العمل والموظفين بالتحول تدريجياً لصالح الموظفين ليطلق إشارة إيجابية نوعاً ما، الأمر الذي يمكن تلمّس ذلك، حيث من المتوقع أن يبقى التضخم عند 2% في العام الجاري 2017، وله تأثير على تخفيض أعباء الديون للعائلات الأمريكية (نحو 12.29 تريليون دولار أمريكي) وكذلك الحد من المخاطر المرتبطة بفقاعة التعليم بالولايات المتحدة الأمريكية (والتي تمثل أكثر من 1.23 تريليون دولار أمريكي وفقاً لبنك الاحتياطي الفدرالي). أما التدابير الاقتصادية التي اقترحها ترامب فربما ستكون عاجزة بشكل واضح عن معالجة مسألة عدم المساواة بين الأمريكيين، والذي يمكن أن يؤدي بسرعة إلى إيجاد حالة استياء في قاعدته الانتخابية وفق ما يشير إليه التقرير، إلا أنه في الواقع ينطوي اثنان من التدابير الاقتصادية فقط على منطقية اقتصادية لترامب وهو خطته المقترحة بزيادة الإنفاق على البنية التحتية، وإجراء التخفيضات الضريبية بدرجة أقل.
إن قيام الرئيس ترامب بتبنى سياسات شعبوية “أمريكا أولا” وتلك المعادية للعولمة يعني اتخاذ تدابير الحماية وعرقلة التجارة وفرض قيود على حركة العمل والرأسمال، وهذه القضايا تلقي بالفعل ظلالا من الشك على ضمانات الأمن الأمريكية القائمة بقوله إنه سيجبر حلفاء أمريكا على أن يدفعوا مقابل حمايتهم مزيدا من الأموال تجاه الدفاع عن أنفسهم. وفي حالة تطبيق ذلك، يرى بعض الخبراء أن هذه السياسة سوف تغيّر من إدارة أمريكا الاستراتيجية والجيوسياسية لتتجه صوب الانعزال والأحادية وملاحقة المصالح الوطنية لأمريكا على حساب الدول والقضايا المشتركة. وهذه السياسات ربما ستؤدي إلى الإخلال بالأمن والاقتصاد الأمريكي، حيث سبق لأمريكا بأنها تبنت سياسات مماثلة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، إلا أن ساعدت على غرس بذور الحرب العالمية الثانية. وكانت سياسة فرض تدابير الحماية ــ التي بدأت بقانون سموت هاولي للتعريفة الجمركية الذي فُرض على آلاف السلع المستوردة ــ الشرارة التي أشعلت الحروب التجارية الثأرية وحروب العملة، التي فاقمت بدورها أزمة الكساد العظيم.
واليوم أيضا وفق ما يتنباه الرئيس ترامب قد يفضي هذا الأمر إلى عودة الولايات المتحدة للعزلة واقتصارها على ملاحقة مصالحها الوطنية إلى نزاع كوكبي في نهاية المطاف، في الوقت الذي يبدو أن الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو في حالة تفكك في أعقاب تصويت المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبي في شهر يونيو من العام الماضي، مع صعود الأحزاب الشعبوية المتطرفة اليسارية أو اليمينية المناهضة لأوروبا، الأمر الذي يعطي ذريعة لقيام روسيا بإعادة نفوذها في أوروبا والشرق الاوسط. فمفهوم “أمريكا أولا” من المحتمل أن يؤدي أيضا إلى تفاقم حروب الوكالة بين مختلف الطوائف في الشرق الأوسط، وإلى امتلاك المزيد من الدول للأسحلة النووية للدفاع عن نفسها. أما بالنسبة للدول الأسيوية فان التفوق الاقتصادي والعسكري الأمريكي وقف خلف عقود من الاستقرار، بيد أن الصين الصاعدة تتحدى الآن هذا الوضع القائم. ولقد ارتكز المحور الاستراتيجي لسياسات الرئيس الأمريكي باراك أوباما فيما يتعلق بآسيا في المقام الأول على إقرار اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ التي تضم 12 دولة، والتي وعد ترامب بهجرها منذ اليوم الأول لتوليه مهام منصبه. هذا بينما تسرع الصين لتعزيز روابطها الاقتصادية في آسيا والمحيط الهادي وأمريكا اللاتينية من خلال سياسة “حزام واحد طريق واحد” والمشاركة في تأسيس البنك الآسيوي لاستثمارات البنية الأساسية والتنمية، بالإضافة إلى خططها الخاصة المتعلقة بالتجارة الإقليمية الحرة لمنافسة الشراكة عبر المحيط الهادئ. وأخيرا فانه حالة إذا ما تم عرقلة سياسات الحماية والانعزالية التي تتبناها حكومة ترامب تجاه نمو الاقتصاد والتجارة العالميين فانها قد تمهد لنهوض قوى جديدة في العالم وتهديد المصالح العالمية. فالكثير من المحللين يرون بأن سياسات الحماية والانعزالية و”أمريكا أولا” هي الوصفة المثلى لكارثة اقتصادية وعسكرية قادمة.