هلال السيابي شاعر بليغ وإداري متمكن وسفير ناجح

913294
هلال بن سالم السيابي يلقي قصيدته امام جلالته في سمائل 28/3/1999م

أحمد الفلاحي –

«هو يجري في أسلوبه على نهج الشعراء المطبوعين يجتنب التعقيد اللفظي والتعقيد المعنوي والمعاضلة فإذا قرأته لم تجد أي عسر في استيعاب مقاصده ومعانيه فهو يعنى عناية خاصة باختيار المأنوس الواضح الدلالة من الألفاظ وأبرز ما يلفت النظر في أسلوبه قدرته الفائقة على عرض أفكاره في حلة تصويرية تنبئ بما أوتيه من الدفق الخيالي المبدع فشعره تزدحم فيه الصور البيانية بشتى ألوانها».
هذه فقرة نقلتها من بحث طويل كتبه الناقد العربي الكبير الدكتور إحسان النص عن شاعرنا المبدع المتألق الشيخ هلال السيابي الذي يصنف اليوم على مستوى الوطن العربي كله بأنه أحد رموز القصيدة العربية العمودية البارزين. له الجملة الشعرية الرصينة والصورة الجذابة والتركيب المتناسق والمعاني العميقة.
قصيدته تنبع من موهبة منطلقة تفور بشكل تلقائي فيقوم بتهدئة جموحها وتهذيب تلقائيتها والتخفيف من غليانها مدخلا إياها في قالب يقومها ويبرز جماليتها ويحكم سبكها لتظهر لقارئها في كامل انسجامها دالة على قوة إبداع قائلها وسعة معارفه النحوية والعروضية والبلاغية. وإحاطته بأساليب الشعر العربي ومناهجه على مختلف مذاهبه ومراحله القديم منها والوسيط والحديث. تيار متدفق وصياغة دقيقة ورؤية واعية لما يجب وإحساس مدرك لكيفية الصورة وألفاظها ومعانيها وتشكلها النهائي. ومع هذه القدرات فهو يشكو من عناد القصائد وصعوبة اقتناصها وكيف تجعله يسهر الليالي حتى يتمكن من نيلها والظفر بها شانه في ذلك شأن كبار الشعراء السابقين الذين صرحوا بشديد معاناتهم مع القصائد قبل تنزلها عليهم:

كذلك الشعر بعيد الذرى
وإن بدا سهل المعاني الغرر
سلني فكم من مرة رمته
فكان من حظي كأس أمر
فلو ترني في قميص الدجى
وقد تسربلت بثوب السهر
أطارد الفكرة في خدرها
وأطلب المعنى الجليل الخطر
تبدو فأهتز لها خادرا
فتختفي مني بلمح البصر

ويعيد شكواه من عنت القصيدة وتمنعها وكيف يبذل الطاقة والجهد في مخاتلتها ومداورتها حتى يظفر بها ويحتويها ويذهب بها:

فسل بي القول عن عنت القوافي
فإني قد غصصت لها بريقي
إذا ابتسمت فليلك من نهار
وإن عبست فيومك من شهيق

ولكن الوقت لا يطول بشاعرنا المقتدر حتى تسقط القصيدة بيده وتسلس له القياد فيأتي بها كالدرة النادرة المشعة وتلك هي صفات المبرزين من أرباب البلاغة والبيان.
ولقد سمعت بأذني من شاعرنا الكبير الشيخ عبدالله الخليلي أنه على استعداد للتنازل عن ربع أو ثلث شعره مقابل قصيدة واحدة قالها شاعرنا في شبابه صنفها الشيخ الخليلي بأنها من عيون الشعر.
والشاعر هلال السيابي شاعر مكثر له القصائد المطولة في مختلف الشؤون والموضوعات وديوانه الذي صدر عن وزارة التراث عام 2009 يحتوي على أكثر من سبعة آلاف بيت والذي ظهر من شعره بعد طباعة ذلك الديوان نستطيع اليوم القول بجزم أن حجمه يوازي ما في ذلك الديوان إن لم يكن أكثر وكل قصيدة جديدة تجيء أبلغ وأقوى وأكثر روعة ورقيا من التي سبقتها. فهو رفيق الشعر الملازم له والمرتبط به ولا يكاد يفترق عنه.
وقد علمت أن أحد إخوته اكتشف في بيتهم القديم في سمائل مؤخرا قصائد بداياته في دفتر كبير منسي مما يدل على نبوغه الشعري المبكر وربما مع الموهبة تجيء البيئة الشعرية التي نشأ فيها والتي ينهمر الشعر من كل جوانبها حيث والده العلامة الشيخ سالم بن حمود كان شاعرا مجيدا وكذلك خاله العلامة الشيخ سعيد بن خلف وخاله الشاعر الشيخ سليمان بن خلف إضافة إلى أساتذته من أعلام سمائل الكبار وقتها وكلهم شعراء بلغاء وكان الأبرز فيهم الشيخ خلفان بن جميل السيابي والشيخ حمد بن عبيد السليمي والشيخ حمدان بن خميس اليوسفي وفي مقدمة الجميع شيخ البيان الشاعر الأوسع صيتا والأكثر تميزا الشيخ عبدالله الخليلي الذي كان الشاعر مقربا منه بحكم تلمذة الشيخ الخليلي على والده الشيخ سالم بن حمود:-

هو الشعر كم لي به من رؤى
عرفت وكم موقف حاسم
بكيت الديار وغنيتها وشببت بالرشأ الناعم

وكان شاعرنا سعيد الحظ في صباه وفتوته إذ جادت له الحياة بالتتلمذ على تلك النخبة العالية من كبار علماء الفقه وأساطين اللغة وأرباب الشعر فألم بعلوم اللغة من النحو والصرف والبيان والفقه ثم أصول الدين وقد تخصص فيه على يد العلامة الشيخ أحمد الخليلي إبان فترة تدريسه بجامع الخور في مسقط نهايات الستينات من القرن المنصرم وتخصص أصول الدين كما هو معروف من التخصصات الصعبة التي لا يستطيعها إلا النوابغ.
ويذكر شاعرنا مشايخه وأساتذته بإجلال وإكبار مفتخرا بهم وبعلومهم الكثيرة الواسعة:-

فمن عالم مدره مفلق
ومن بارع ناثر ناظم
ومن كل ذي نهية فيصل ومن كل ذي حكمة حاكم

ويصف والده الجامع لكل صنوف العلوم وفروعها والمحيط بكل أسرارها وغوامضها:-

وثمة شيخ لو نثرت شعاعه
لنور داجي المشرقين ضياؤه
أخو شيبة حلال كل عويصة
بمثل غرار السيف عضبا مضاؤه

ويؤكد في مكان آخر على تمسكه بالشعر وانحيازه له واعتزازه به لم أخش في الأشعار لومة لائم أبدا وقدما ضاء شعري كوكبا
وقد دفعت الهمة والطموح شاعرنا في أواخر ستينيات القرن العشرين الماضي للسفر إلى خارج عمان سعيا لدراسة العلوم العصرية ولكن سفره لم يستمر طويلا وآثر العودة للوطن ليلتحق بالمدرسة السعيدية مدرسا للغة العربية بين 1970-1972 ثم ترك التدريس واتجه أواخر سنة 1972 إلى وزارة الإعلام ليتنقل بين عدة مواقع إعلامية إلى أن صار مديرا عاما للمطبوعات والنشر بالوكالة وبعد ذلك مديرا لدائرة الأخبار بالإذاعة ثم مديرا عاما للإذاعة كلها ومن الإعلام إلى وزارة الداخلية مديرا عاما لشؤون القبائل ومن الداخلية إلى وزارة الأراضي أمينا عاما للجنتها المركزية. حتى تم نقله إلى وزارة الخارجية وتعيينه سفيرا بها ليدخل في مرحلة جديدة من حياته. وفي كل الوظائف التي تولاها كان مثالا في الكفاءة والاقتدار بشهادة كل من تعامل معه أو عمل تحت إدارته.
وفي عمله سفيرا كان عنوانا مشرقا لعمان في العواصم التي كان فيها ناجحا أكبر النجاح في ممارسة مهامه الدبلوماسية بجدارة وحذق مما جعله موضع التقدير والإعزاز والتقريب من رؤساء الدول المعتمد فيها ومن كبار مساعديهم ومن زملائه السفراء ومن كل من اقتضت مهمته الالتقاء بهم وكانت سوريا ءآخر محطاته كسفير حيث أمضى بها أحد عشر عاما في نشاط ملحوظ ومقاربة لكثير من الأحداث المهمة.
وكان شاعرنا شغوفا في شبابه بالمعارف الحديثة حيث كان يستمع للإذاعات كمثل إذاعة لندن وإذاعة صوت العرب وغيرهما متتبعا للبرامج المتنوعة وبالأخص البرامج السياسية والثقافية وهذه كانت مصادره للثقافة المعاصرة مع الصحافة وبالذات المجلات التي كان يحرص على قراءتها أولا بأول وكذلك كتب العصر العربية والمترجمة كمؤلفات د. طه حسين وأحمد أمين وميخائيل نعيمة وسير ومذكرات القادة السياسيين من أمثال تشرشل وديجول وإبزنهاور وغاندي ونهرو وكتابات كارنجيا وبول فندلي وساطع الحصري وجواد علي وعبد الوهاب المسيري وزكي نجيب محمود ومحمد عابد الجابري ومحمد حسنين هيكل وعشرات غيرهم.
وشاعرنا من القارئين النهمين لا يستطاع إحصاء كل ما قرأه في شتى فروع المعرفة. وغرامه الأكبر دواوين الشعر بحيث لا يكاد يوجد ديوان شعر لم يطلع عليه ويحفظ الكثير منه ابتداء من شعراء ما قبل الإسلام وانتهاء بشعراء وقتنا.
وقد أتاح له عمله في وسائل الإعلام كالإذاعة وجريدة «عُمان» الالتقاء بكبار الصحفيين العرب أمثال أحمد بهاء الدين وسليم اللوزي وعبد الرحمن الشرقاوي وأكرم زعيتر وغيرهم ممن زاروا عمان أو زارهم هو في أوطانهم في مصر والأردن ولبنان والبلاد العربية الأخرى أو الصحفيين العرب الذين عملوا في الصحافة العمانية وفي الإعلام وذلك أفاده ووسع ثقافته الحديثة وأثراها وأضاف لها.
وشاعرنا بالإضافة إلى شعريته القوية البالغة الجمال والأصالة له في كتابات النثر مقالات لا يمكن إغفالها حين كان في جريدة «عمان» أكثرها في أحوال ذلك الوقت ومنها في الأدب والفكر ومن أبرز كتاباته حينها كشفه عن بعض أعلام عمان غير المعروفين كثيرا كمثل الشاعر «علي بن زوزان» الذي ترجم له ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» وأورد أبياته الرائعة التي يتشوق فيها إلى وطنه إبان إقامته بالبصرة في العراق ومنها:-

ألا أيها الركب الموفون بلغوا
تحية نائي الدار وقيتم جهدا
إذا ما حللتم في صحار فألمموا
بمسجد بشار وجوزوا به قصدا
وعوجوا إلى داري هناك وسلموا
علي والدي «زوزان» لقيتم رشدا
وقولوا له إن الليالي أوهنت
تصاريفها زندي وقد كان مشتدا
وغيبن مني كل ما قد عهدته
سوى الخلق المرضي والمذهب الأهدى
وكشفه كذلك عن الشاعر كعب بن معدان الأشقري شاعر المهالبة الشهير الذي قيل أن الخليفة عمر بن عبد العزيز نوه بشعره وأثنى عليه. وكان هو أول من كتب عن هذين الشاعرين في صحافتنا العمانية.
وإذا عدنا إلى شعر شاعرنا فسنجده في مقدمة الشعراء المجيدين كما أشرنا لذلك من قبل يحرص على تطوير قصيدته ومراجعتها المرة بعد المرة يضيف إليها ويحذف منها ويستبدل الكثير من ألفاظها ويعيد صياغة جملها وتعديل صورها سعيا منه لتنقية شوائبها وإزالة ما يخطر له بأنه من العيوب فيها بغية الوصول إلى الأجمل والأكمل. ومما يدل على تمكنه وبلاغته وقدراته الفائقة أن قوافي قصائده لم يكد يفتها حرف من حروف العربية الثمانية والعشرين حتى الحروف التي يصعب عادة على الشعراء النظم فيها.
وشاعرنا متواضع بل مسرف في التواضع ويتبدي ذلك في أنه لم يورد في ديوانه قصائد الشعراء الذين كتبوا إليه تحرجا لأنهم نوهوا ببعض مناقبه وصفاته الحسنة واكتفى فقط بقصائده الجوابية لهم.
وهو شاعر عفيف محافظ أبعد ما يكون عن الشطط والتهور ومع ذلك تعرض للاتهام في شبابه من بعض زملائه بأن غزلياته تعبر عن تجارب حقيقية عاشها مع شابات بذاتهن وهو يقسم بالأيمان المغلظة أنها إشارات من محض الخيال ويقول عن هذا الموضوع في بعض قصائده:

ولا نهد يرقص فوق السرير
معي رقصات الطروب الوفي
ولا ثغر أرشف من خمره ولا خد ورد به أحتفي
ولا ضحكات طفولية ولا يد تعلق في معطفي

مع لاءات كثيرة احتشدت في القصيدة ولكن الذين يتهمون ظلوا يكررون اتهاماتهم ويعيدونها فاضطر لتركهم ومضى في شعره غير مبال بأقوالهم فالغزل في الشعر ركن أساسي لدى الشعراء جميعا تزدان به القصائد وتتعطر:-

مالي وما للائمين لمابي
الحب حبي والشباب شبابي
قالوا قريضك دائما نبع الهوى
عرما وفيض فتوة وتصابي
تتراقص الغيد الحسان بدوحه
رقص النسيم بأذرع العناب
صدقوا ورب فؤاد كل متيم
إني إلى عرف المليحة صابي

وفي قصيدة ثانية كتبها سنة 1976م

إن القصائد والخرائد توأمان مدى العصر
لا ينبض الشعر الوسيم بغير وسم من خفر ما الشعر إلا ما تدثر بالمحاسن واتزر إني وان صغت النسيب وجئت منه بالدرر ما كان لي بسوى الجمال
وقد تألق من وطر مالي بما ضم الخمار ولا بما حوت الأزر
ويقف في أحد المواضع ليجلو شخصيته ويبين صفاتها ويفصح عن طبعها ومسارها في مجال الحب والغرام :-

فما وهت شرتي يوما ولا وهنت
لكن سمت تبتغي المريخ مقتنصا
وما جريت به يوما على خطل
ولا تجشمت في حكم الهوى الرخصا
ويوضح في قصيدة أخرى موقفه الرشيد ومسلكه غير المنحرف وثباته على المنهج السوي الذي لا اعوجاج فيه:

على أن لي والحمد لله نهية
لها من ضياء الله حكم وحاكم
لزمت عنان الحق نهجا ومنهجا
إذا قاد غيري للمخوف المئاثم

ولعل سبب تلك الاتهامات غيرة أولئك الشباب من جزالة شعره وواسع ثقافته ومن المكانة التي كان يحظى بها والتقدير والاحترام الذي يحيطه به المشايخ والأعلام.
وشاعرنا بعد ذلك له في شعر الحكمة والتأمل ومناجاة الذات وقفات مبينة سامية الدلالة تهدي إلى السبيل القويم :-

إذا شغلت موقعا في عمل
فكن نبيل الفكر وقاد النهى
حبذا إذا حضرت باكرا
تسعى بضوء الصبح وضاح الرؤى
تقابل الناس بوجه باسم
ومهجة شفافة عن الضيا

وفي التوسلات الإلهية والتضرع إلى الله والتماس عفوه ورضاه والتفاؤل بنيل الخير والرشاد منه نفحات يتضوع عطرها محيطا بالزمان والمكان وباعثا في الأنفس الشفافة الخافقة المزيد من الطمأنينة والأمان والأنس. وكذلك قصائده في المديح النبوي والاقتراب من النبي الكريم تلهب المشاعر وتؤجج الحواس الدفينة. وفي مدح «عمان» والافتخار بها وتمجيدها وإبراز مكانتها ومآثرها وأعلامها الشيء الكثير الذي يكاد يصل لنصف الديوان كقصائد مفردة بذاتها أو أبيات تدخل في هذه القصيدة أو تلك يلحظها بوضوح متصفح ديوانه:

عمان إني إلى عينيك التجئ
فقد سرى في ضلوعي الجوع والظمأ
عيناك نهر من الفردوس يغمرني أكاد في موجه السحري أنكفئ
حيث الحكايات شتى ما لها أمد
يعيدها المجد تاريخا ويبتدئ
نزوى ومسقط عنوان لقصتها
أما صحار فللأمجاد متكأ
وفي سمائل للإسلام مئذنة من عهد مازن بالأنوار تمتلئ
وفي ظفار مقامات وأندية على عماد العلى والحمد تتكئ

وفي الديوان قسم واسع للقومية العربية تصدح قصائده بالعروبة وشؤونها وشجونها وآلامها وآمالها ويبرز فيها شعور الشاعر المعبر عن صادق انتمائه ورفيع إحساسه تجاه أمته:

وطن العرب واحد في هواه
ورؤاه ومجده وانتصاره
مسقط والرباط في جانبيه
رابطاه على مدى أقطاره

وهناك مصر والعراق والشام والجزائر والمغرب وتونس واليمن والخليج وكل ديار العرب تزدحم بها صفحات الديوان حبا وولاء وعاطفة صادقة:

أرض العروبة أرضي أينما ذهبت
ركائبي فهي لي كالأم للولد
فما أغادر من أرضي ولا وطني
إلا إلى وطني والله أو بلدي
وفي الديوان مراثي الراحلين من الأهل ومن العلماء ومن الأعلام ومن الأدباء تنشج كلها بالحزن والأسى والألم لهجمات الموت على الأحبة وخلو المنازل منهم والحديث عن شمائلهم ومكارمهم وجميل صفاتهم والترحم عليهم. وفيه كذلك القصائد الإخوانية مع الأصدقاء والأعزاء فياضة بمشاعر الإخاء الصادق والمودة والوفاء والتقدير والثناء النابع من القلب.
أما قصة اختطافه المأساوية المؤلمة من قبل الجماعات الإسلامية في الجزائر فلم تظفر على كل صعوبتها وقسوتها سوى بيتين اثنين يؤشران من بعد ولا يفصحان عن شيء:

قالوا خطفت وما أدراك من نصب
فقلت بالله خلوني من العقد
فما خطفت ولكن طائر غرد
أما علمتم بحال الطائر الغرد

وتعتبر قصيدة «القلادة» أطول قصيدة كتبها شاعرنا فهي بحق ملحمة كبرى في الوطن انتهج فيها نهج الشاعر الكبير أبي مسلم في تتبع القبائل العمانية وهي على نفس الوزن والقافية ولكنها استدركت على أبي مسلم القبائل التي لم يذكرها وهي أطول من قصيدة أبي مسلم ربما بأكثر من النصف.
وقد تناول شعر شاعرنا العديد من الكتاب والنقاد ومن أبرزهم الدكتور إحسان النص الذي أتينا بفقرة من دراسته أول كلامنا ومنهم أيضا الدكتور الناقد عبد اللطيف الأرناؤوط الذي نشر دراسة عن شعره في العدد العشرين من مجلة نزوى الصادر في أكتوبر سنة 2000م ومن هؤلاء النقاد الدكتور جابر عباس أستاذ النقد والأدب بالجامعة الأردنية وقد كتب عنه في جريدة عمان في 23 مايو سنة 2002 وقد أشاد هؤلاء النقاد الثلاثة بقوة شعره وببلاغته وروعة انسجامه وتلاحم نسيجه وللأسف لا يتسع المقام لاقتطاع نماذج من هذه الدراسات العلمية الموضحة للكثير من خصائص شعر شاعرنا.
وقبل الختام لا بد لي من وقفة عن العلاقة الطيبة التي تربطني بهذا الشاعر الكبير فقد شاء لي حسن الحظ التعرف عليه في أوائل السبعينات بداية في مجلس والده العلامة الكبير ثم تطورت العلاقة بعد ذلك عبر اللقاءات هنا أو هناك وأذكر أنني ذهبت مرة إليه في مكتبه بجريدة عمان راغبا الانتقال من الإذاعة إلى الجريدة فوعدني بالمحاولة إن تمكن ناصحا إياي بالبقاء في الإذاعة لان مستقبلها أفضل حسب رأيه ثم شاءت الأقدار أن يأتي هو إلينا في الإذاعة في النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين الماضي مديراً لدائرة الأخبار وتلك الدائرة كانت مكان عملي ثم مديراً عاما للإذاعة فتوطدت علاقتنا وأصبحنا صديقين حميمين إلى أقصى مدى وكان يحرص على إعادتي للبيت بسيارته الخاصة يوميا رافضا ذهابي مع الرفاق في سيارة العمل كما كان يمر علي في أوقات الفراغ والإجازات لنتجول ونزور المشايخ والأصدقاء وكثيرا ما كان يستضيفني في بيته ظهرا أو مساء ليغمرني بكرمه المعهود وقلما يمر يوم علينا دون لقاء في العمل أو في المساء وكان ذهابي للعمل قبل مجيئه متوزع بين فترة الظهر أو فترة أول الليل أو فترة السهرة التي تمتد حتى الصباح ولكنه منذ توليه قرر أن يكون حضوري فترة الصباح فقط ومنحني ترقية لأكون رئيسا لقسم التحرير ثم بعد فترة أصبحت نائبا له وعندما عين مديرا عاما للإذاعة سعى بقوة لدى المسؤولين لكي أكون في محله ولكنهم تحفظوا وبقيت أدير الدائرة من غير قرار رسمي.
وحين تمردت في وقت لاحق ورفضت تنفيذ القرار الصادر من المسئولين بسفري في مهمة مع بعض الزملاء وكان رفضي لأسباب تبادرت لي يومها أنها صائبة وربما كان ذلك ناتج من حدة الشباب وسبب رفضي ذاك الكثير من الإحراج له وبذل أقصى الجهد ليمحو حالة التوتر التي نشأت جراء هذا الموقف. ثم عندما رغبت الانتقال من الإذاعة لوزارة التربية فيما بعد سعى بكل استطاعته ومعه المرحوم لأستاذ عبدالله بن صخر العامري مدير عام الإعلام وقتها لإثنائي ولكني عاندت وأصررت على ما أريد ولم تتأثر علاقتنا بعد انتقالي واستمرت على حالها بل نمت وتجددت أكثر فأكثر إلى أن لحقني هو الآخر تاركا وزارة الإعلام إلى وزارة الداخلية ومنها بعد مدة لم تطل كثيرا إلى وزارة الأراضي التي استقر فيها لفترة حتى تم اختياره سفيرا للسلطنة في الكويت ثم الجزائر ثم سوريا وحين سافرت إلى البحرين ملحقا ثقافيا بالسفارة العمانية هناك كان التواصل غير منقطع بالاتصالات الهاتفية والمكاتبات التي ما زالت بحوزتي حتى الآن وبالقصائد الرائعة التي شرفني بها وعندما أعود للوطن تعود الجولات شبه اليومية بسيارته ويعود الكرم الغزير في منزله وذات مساء مر علي في منزلي لنخرج كعادتنا فلم يجدني فترك لي في الباب ورقة بها أربعة أبيات ما زلت محتفظا بها تعبر عن نبله ومودته وصادق وفائه وإخلاصه والأبيات تقول:

أخي جئتكم والقلب ينبض باسمكم
وشاءت حظوظي أنكم ليس في الدار
فقلت حسام فارق الغمد نصله
أو الشمس راحت بعد طول نهار
فأنت حسام المجد لا فل حده
وأنت ضياء الفكر دون مباري
فدم بين وصفيك الجميلين هانئا تسير وتسري والنجوم سواري

ومن قصيدته التي شرفني بها بعد أن ذهبت إلى البحرين:-

مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا
يا شراعا وراء «دلمون» حلا
حضنتك «أوال» مؤئل
آ داب وكهفا للنابغين معلا
أنت جيل من العروبة صدق فتجلجل كما تشا وتجلى
يا أخي يا فتى العروبة حيا الله فيك العرباء شبلا فشبلا
رب حرف نقشته ولد النور
واحيا و الله ما كاد يبلى

ومن قصيدة أخرى أكرمني بها كان قوله:

يا أخي يا ابا فلاح سلاما لك مني كما يفوح الخزامى
قسما يا أخي وحلفة بر لست أنسى الحقوق والالتزام
ا
إلى آخر أبيات القصيدة الناطقة بصدق الانتماء للوطن وبعظيم الإحساس تجاه العروبة وأشجانها.
ويوم صار شاعرنا سفيرا كان الاتصال والتراسل لا يكاد ينقطع وقد ذهبت لزيارته في الكويت ثم في الجزائر ثم في دمشق وفي البلدان الثلاثة كان يعرفني بالنخبة من السياسيين والكتاب والصحفيين والشعراء والمثقفين ومرة علم أنني أزور بيروت وكان هو في دمشق فبادر مسرعا بالمجيء ليلقاني وهناك بصحبته زرنا الناشر والكاتب الصحفي رياض الريس وكان شديد الرغبة في إجراء مقابلة معه يحكي فيها قصة اختطافه في الجزائر بل إنه عرض عليه تأليف كتاب كامل عن تلك الحادثة الأليمة ولكنه رفض بقوة. ثم زرنا بعد الريس الشيخ عبدالله العلايلي الكاتب وعالم الدين المتسامح والمثقف الكبير الموسوعي وكان وقتها في شيخوخته المتأخرة ربما عند التسعين أو قبلها بسنوات قليلة وأمضينا في مجلسه ما يزيد عن الساعة في حديث تلقائي انفتح للكثير من الذكريات والآراء المفيدة الدقيقة وقد أدركت الشيخ المنية بعد زيارتنا بفترة قصيرة وأسفي يومها كان عظيما لأننا نسينا الكاميرا في السيارة ففاتتنا الصورة معه ولم يكن لدينا جهاز تسجيل لنستبقي حديثه الشيق الرائع الجميل.
وكذلك زرنا دار الجديد واستقبلنا فيها صاحبها لقمان وشقيقته الكاتبة رشا الأمير التي وعدت بأن تجمعنا مع الشاعر سعيد عقل ولكنها لم تنجز وعدها.
تلك هي لمحات سريعة وقفزات عجلى مع الشاعر الكبير الشيخ هلال السيابي وسيرته العامرة العاطرة وشاعر يته الفياضة الواسعة وهي أقل من أن تفي بحقه ومكانته ومنجزه الشعري الضخم وسيرته الشديدة الثراء.