السعدي: «حديث السبعة» يتناول الأمة من رأسها إلى قاعدتها

فيه مقاصد عظيمة وقضاء على أمراض –
إضافة الظل إلى الله «يظلهم الله في ظله» إضافة تشريف كما يقال الكعبة بيت الله والمسجد بيت الله –
أكد فضيلة الشيخ الدكتور جابر بن علي السعدي على أن حديث «سبعة يظلهم الله في ظله» فيه مقاصد عظيمة فهو يتناول الأمة من رأسها إلى قاعدتها، وأن الحديث فيه توجيه عظيم لهذه الأصناف من الناس وهم أفراد المجتمع.
وأوضح أن في انتشار المحبة بين الناس يكون سببا في استقرار العلاقات بين أفراد المجتمع فتنتهي منهم الأمراض التي تصرف الدول ميزانيات ضخمة في علاجها كالسرقات والاعتداء والقتل وغيرها.
وقال السعدي: المجتمع إذا انتشرت فيه الصدقة بالسر يكون مجتمعا متكافلا لا يشعر المحتاج فيه بضيعة أو ضيق .. جاء ذلك في محاضرة حول حديث «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله».
بدأ السعدي بتقديم الحديث الذي رواه الإمام الربيع وغيره من أهل الحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه بالدموع من خشية الله، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه».

متابعة : سيف بن سالم الفضيلي –     
وقال: هذا الحديث يصور لنا صورة من صور يوم القيامة ويبين مشهدا من مشاهد يوم القيامة، ويوم القيامة كما ذكره الله تعالى يوم عظيم يوم فيه شدة عظيمة « يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى» « يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ» هذا اليوم الذي يكون الإنسان فيه مذهولا حائرا لا يتلفت لأحد ولا يعرف أحدا من شدة الهول ومن شدة الأمر، فتجد الناس كل يصيح نفسي نفسي في هذا المشهد العظيم الذي يكون فيه الناس هكذا، هناك فئة ومجموعة من الناس لا يحسون بهذا كله وكأن هذا الأمر لا يعنيهم، هم يستظلون بظل الرحمن، هذه الفئة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، تكون في أمان وفي أمن وفي خير وهؤلاء هم الذين ذكرهم الرسول في الحديث.
وذهب أهل العلم إلى أن عدد السبعة لا مفهوم له أي أن غير هؤلاء السبعة يكون مشمولا بهذه الكرامة وبهذا الظل وممن أشار إلى ذلك الشيخ السالمي وغيره من شراح الحديث فعبارتهم على أن العدد لا مفهوم له هنا.
ولعلهم يريدون أن أحاديث وردت وهي كذلك وردت في أصناف آخرين يتمتعون أو تشملهم هذه الكرامة من الله تعالى ويذكرون «من جهز غازيا أو من أفسح على مدين أو وضع عنه والتاجر الصدوق» وقد أوصلها بعضهم إلى سبعين صنفا وقد نظمها بعضهم شعرا وفي ذلك شرح يطول في كتب أهل العلم.
وأوضح : الحقيقة أن العدد هنا منطوق وقد وردت أحاديث أخر ولا شك انه إذا تعارض المفهوم والمنطوق قدم المنطوق، فلو قلنا أن السبعة لها مفهوم هاهنا فلا يعارض هذا المفهوم ما ورد من منطوقه صلى الله عليه وسلم في بيان بعض الأصناف الذين تشملهم هذه الكرامة ويظلهم الله في ظله.
وبيّن السعدي: «سبعة يظلهم الله في ظله» هؤلاء – كما ذكرت – يكونون في ظل الله في ذلك اليوم الذي ينعدم فيه الظل إلا ظل الله تعالى «يوم لا ظل إلا ظله» وقد خاض علماء الحديث وغيرهم في بيان هذا الظل فقيل هو ظل عرش الرحمن وقيل هو ظل الجنة وقيل هو ظل طوبى وقيل غير ذلك، لكن الحديث الشريف هو ظل الله، فالله تعالى في ذلك اليوم يظل من يشاء فالملك في ذلك اليوم إنما هو لله الواحد القهار الذي لا شريك له.
إضافة الظل الى الله «يظلهم الله في ظله» هي إضافة تشريف كما يقال الكعبة بيت الله والمسجد بيت الله الى غير ذلك.
ثم تطرق الى أول صنف من أصناف هؤلاء السبعة «إمام عادل» والإمام العادل المقصود به هو رأس الأمة أو رئيس الدولة ويلحق به كل عادل قياسا عليه ممن تولى ولاية أو تسنم أمرا تكون حوائج الناس فيه إليه حتى ألحق به بعض أهل العلم الوالد بين أبنائه والمرأة بين أولادها وبناتها، قياسا، فكل من تولى أمرا فعدل فيه وأقام منهج الله تعالى على الوجه الذي يرضيه يستظل بظل الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
«إمام عادل» لأنه متقدم قدوة ولذلك يسمى إماما ويكون أسوة عادلا أو عدلا والعدل أو العادل هو كل من يضع كل شيء في مكانه ويقوم بما أمر الله تعالى به حسب أمره ونهيه.
وعدالة الإمام تكون من وجهين: الوجه الأول عدالته في توليه ولاية المسلمين وقيادتهم فتكون ولايته ولاية صحيحة عن اختيار وانتخاب صحيح بإرادة حرة نزيهة من قبل الأمة لاكتمال الشروط فيه.
والوجه الثاني عدالته في قيادته للمسلمين وحكمه لهم ويكون ذلك من وجهين: الوجه الأول عدالته في نفسه وفي سيرته الخاصة وذلك بالتزامه التقوى والقيام بما أمر الله تعالى والانتهاء عما نهى الله تعالى عنه وإنصافه من نفسه وأداء ما افترض الله تعالى عليه والانتهاء عما انتهى الله تعالى عنه.
والوجه الآخر هو عدالته وإنصافه في سيرته في الناس بقيامه بالعدل ورده للظلم وكف الناس عن الظلم والتظالم وإيصاله الحقوق الى أصحابها وردع كل ظالم عن ظلمه والقسط والقسطاس المستقيم والحكم به بين الناس في سيرته وذلك بعدم إذعانه للمؤثرات الخارجية كمراعاة قريب لأجل قرابته أو اتباع للهوى أو مراعاة غني لأجل غناه أو مراعاة قوي لأجل قوته أو امتهان ضعيف لأجل ضعفه، هذه جوانب العدالة. ويلحق به من ولي من أمور المسلمين شيئا من الولايات.

التنشئة في عبادة الله

والصنف الثاني في الحديث «وشاب نشأ في عبادة الله» ولا شك المقصود هنا بالشاب من جرى عليه القلم فمن ناهز البلوغ ولازم التقوى واستمر عليها ودام على ذلك إلى أن لقي الله يكون يوم القيامة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.
وإنما خص الشباب لأن الشباب مضنة الهفوات وتكثر فيه نزغات الشيطان ويقوى فيه الهوى ومنازع الشر في الإنسان فإذا كان هذا الشاب ملتزما طاعة الله تعالى ملزما نفسه هذه الطاعة كان ذلك دليلا على صدق إخلاصه ويقين طاعته ومزيد حبه لله سبحانه وتعالى.

قلوب تتعلق بالمساجد

أما الصنف الثالث: «ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه» هذا الصنف هم من تتعلق قلوبهم بالمساجد إذا خرجوا منها حتى يرجعون إليها وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل «ورجل قائم في المسجد أو معتكف في المسجد أو جسده في المسجد» فقد أثبت أن هذا الرجل يخرج لكنه يخرج بجسده وقلبه وهواه ورغبته في المسجد وهذه طائفة من الناس نسأل الله تعالى ان يكثر من أمثالهم.
«قلوبهم معلقة بالمساجد» نعم فيها تجارة رابحة وهي تجارة أخروية إنما تعلقوا بالمساجد لحبهم لطاعة ربهم فهم يحبون الصلاة والذكر ويحبون عبادة الله وقراءة القرآن لأن المساجد جعلت لذلك « فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ، رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ» فهذا الصنف من الناس معلقة قلوبهم بالمساجد يخرجون منها لأجل أمورهم وشؤونهم ويقضون حوائجهم لكن قلوبهم متعلقة بالمسجد ويحبونها ويأوون إليها.

المحبة في الله

والرابع: «ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» أي تحاببا في الله كل منهما يحب صاحبه يحبه لله لأنه رجل صالح لأنه يطيع الله لأنه مقيم على طاعة الله، الناس يحبون بعضهم البعض لأغراض كثيرة لكن الغرض الذي لأجله يكون الإنسان مستظلا في ظل الله هو محبته لأجل الله قال «اجتمعا عليه وتفرقا عليه» أي يجتمعان ويفترقان محبة لله سبحانه وتعالى.
ولا شك ان محبة المؤمن لإخوانه واجبة «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه» يجب على المؤمن ان يحب لأخيه ما يحبه لنفسه المؤمن لا يضمر الشر إنما يضمر له الخير ويريد له حسن المآل، فدائما قلبه ينطوي على هذا في المنشط والمكره، ولكن هذا مزيد محبة بين شخصين أو أكثر على محبة الله.

صدقة مبالغ في إخفائها

والخامس: «ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه» هذا الرجل متصدق أولا الحديث أورد لفظ الصدقة نكرة، تصدق بصدقة والتنكير دليل الإطلاق فالصدقة مطلقة هنا قد تكون الصدقة بمال أو بأرض أو ببيت أو بعلم يعلم من لا يعرف من أبناء المسلمين وغيرهم.
وصفة هذه الصدقة أنها مخفية ومبالغ في إخفائها وبشدة وقد بين الحديث من شدة هذا الإخفاء أن يده الشمال لا تعلم ما تنفق يده اليمين.
والحكمة من هذا أن هذا الرجل إذا كان بهذه المثابة وبهذه الطريقة وبهذا الحال فهو ينفق لله تعالى لا يريد شهرة ولا رياء ولا سمعة إنما لوجه الله فهو يحب أن تكون صدقاته مخفية منسية ويكره أن تُعلم فإذا كان كذلك فإن الله يظله يوم لا ظل إلا ظله.
والحكمة من هذا الإخفاء ان في الإعطاء والتصدق حظوظ للنفس والإنسان إذا اعطى إنسانا فإنه قد يثني عليه ويحبه «النفس مجبولة على حب من أحسن إليها» وأيضا فيه شيء من الأثر على الذي يأخذ يشعر بشيء من الأمور النفسية التي تخالج الإنسان عندما يأخذ من غيره قد يشعر ان هذا المعطي أفضل منه، فإذا كان هذا المعطي قطع هذه الأسباب بإخفاء صدقته، لا يعلمها أحد حتى الذي يأخذ لا يعلم ممن.
وقد ذكر أهل العلم طرقا لهذا الإخفاء حتى ذكر بعضهم ان من إخفاء الصدقة ان يشتري الإنسان سلعة من شخص هو لا يريد هذه السلعة لكن صدقة على البائع «يرى صاحب سلعة محتاجا، يبيع سلعة في السوق يعف بها نفسه، فيشتري هذه السلعة منه لكونه يريد ان يوصل هذا الثمن الى هذا البائع» هي في ظاهرها بيع وشراء ولكن الواقع ان المشتري قصد ان يوصل هذا الثمن الى البائع.

إني أخاف الله..

وأما السادس: «ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين» هذا الرجل تعرض لموقف وهي ان امرأة دعته الى نفسها وهي ذات حسن وجمال فما كان منه إلا ان اعتصم بطاعة الله تعالى، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، لم يقل: إني أخاف من العار أو أخاف العاقبة من الناس، فقد كان تركه لله.
ولننظر الى هذا الرد في الحديث الشريف، هذا الرجل الذي دعته المرأة لم يقل لها بئسا لك وتعسا لك وقبحك الله، لا، بل رد عليها بهذا اللفظ الذي ورد في الحديث، في هذا الموقف ذكرها بالله تعالى وهو أن مرد الناس لله وأنه يجب عليهم ان يراعوا الله تعالى، فقوله لها: «إني أخاف الله رب العالمين» هو تذكير لا شك لنفسه أولا وهو تذكير لها بوجوب طاعة الله وفيه إشارة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الى طريقة الدعوة ومراعاة الأسلوب الحسن في جميع الأحوال مع ان هذه المرأة تدعو الى معصية عندما تدعوه إليها.

فاضت عيناه

والسابع: «رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه بالدموع من خشية الله» هذا الصنف من الناس هم أصحاب خشية ومزيد تقوى ومزيد خوف من الله تعالى.
هذا الصنف من الناس إذا ذكروا الله في خلواتهم وجلت قلوبهم واستشعروا عظمة الله فترجمت هذه الخشية العيون ففاضت هذه العيون بالدموع خشية من الله، لأن الناس يبكون، الناس يبكون ألما وحزنا وقد يبكون فرحا، لكن هذا الصنف من الناس الذي سيظلهم الله بظله وخصهم بهذه الكرامة إنما يبكون خشية من الله، لذلك ورد في الحديث ذكر كونه «خاليا» لم يبك في حضرة من الناس لأن البكاء في حضرة من الناس قد يخالطه شيء من الرياء.
وأجمل فضيلته مقاصد الحديث الشريف بقوله : حديث السبعة فيه مقاصد عظيمة وذكر أهل العلم انه من أحسن الأحاديث في فضائل الأعمال ذكر غير واحد ذلك، وهم أدرى وأغزر علما، إلا أن الذي يتأمل الحديث الشريف فيجد قول الرسول صلى الله عليه وسلم «إمام عادل» عدل الإمام واجب عليه ومن يقاس عليه هي ليست من فضائل الأعمال، «وشاب نشأ في عبادة الله» الالتزام بما أمر الله تعالى على المكلف واجب أيضا، وأيضا الامتناع عن المحرمات «ورجل دعته….» هذا ليس من الأعمال المندوبة إنما هو واجب عليه أن يمتنع عن المعصية إلى غير ذلك.
أيضا الحديث يشمل الرجال والنساء إلا ما خص به الرجال كالإمامة العظمى وصلاة الرجل في المسجد وغير ذلك أما بقية الأمور كالصدقة والمحبة في الله تعالى والامتناع عن المعصية.
والحديث الشريف ورد فيه عند الإمام الربيع «ذات حسن وجمال» وورد في بعض الروايات «ذات منصب وجمال» وعلى هذه الرواية فإن امتناع الرجل في مراودة المرأة له يكون لأمرين: أولا لعفته في نفسه وإيثاره رضوان الله تعالى وخوفه من عقابه وطلبه لثوابه، ثانيا: استعداده وتحمله لما عسى أن يصيبه من هذه المرأة ذات المنصب لأنه إذا دعته امرأة ذات منصب وجمال فامتنع فلا يؤمن أن يصيبه مكروه باستغلالها منصبها في إيذائه وهو ما حدث مع نبينا يوسف عليه السلام عندما دعته امرأة العزيز وراودته عن نفسها فامتنع عليه السلام محتسبا لله تعالى طالبا ثوابه. وقد ذكر شراح الحديث أن سيدنا يوسف هو ممن اجتمعت فيه خصال هذا الحديث الشريف ولا شك أن سيدنا يوسف حقيق بذلك وقد قص الله قصته في كتابه الكريم ولا يمنع أن يكون غيره كذلك اذ كم من خلق الله تعالى لم تصل إلينا قصصهم ولم ترد إلينا أخبارهم وهم من عباد الله الصالحين من أنبياء الله وغيرهم.
وهذا الحديث أيضا من عظم شأنه انه يتناول الأمة من رأسها الى قاعدتها فهو يتناول رئيس الدولة ويمر بالشباب والنساء والرجال ويمر بالصدقات ويمر بالعلاقات بين الناس فهو يتحدث عن العدالة في المجتمع فإذا كان الإمام عادلا فإن من سواه ممن تحت رعيته يكونون كذلك، وهذا معهود معروف، لأنه إمام لأنه كالسوق الذي تروج فيه البضاعة التي يريدها فإن كان عادلا راجت بضاعة العدل في سوقه لديه وألفه العدول وآوت إليه أفئدتهم وأنسوا به وان كان غير ذلك استوحشوا منه وفروا بدينهم منه ولجأوا الى الله واعتصموا به من الظلم والحيف.
وكذلك أيضا تحدث الحديث عن فئة الشباب، فلو كانت هذه الفئة من الشاب على طاعة الله تعالى وكان أفراد المجتمع متحابين وكانت العفة تسودهم جميعا بين رجالهم ونسائهم وبين أفرادهم جميعا وكانت الصدقات التي هي لوجه الله تعالى فاشية بينهم وخلقا من أخلاقهم وكانت الخشية من الله شعارهم، كيف سيكون حال المجتمع؟ مجتمع أئمته عدول وشبابه أهل صلاح وخشية، أفراده يتعلقون بالمساجد وبطاعة ربهم وذكر الرحمن ويتراحمون فيما بينهم، يحب بعضهم بعضا لأجل الله ويتصدقون على بعضهم البعض خفية قصدا لوجه الله ويبالغون في إخفاء صدقاتهم، يعف فيه أفراده عن الخنا وعن الفحش وسفاسف الأمور ويبكون خوفا من الله، تصوروا معي كيف سيكون هذا المجتمع؟ هذا ما يتحدث عنه الحديث. ولذلك عندما يتحدث البعض فيقول ان السنة التي تتعلق بفضائل الأعمال لا علاقة لها بالتشريع،لا ، التشريع في الإسلام كل لا يتجزأ يأخذ بعضه بحجزة بعض وهو فطرة الله التي فطر الناس عليها تنزيل من الله الذي خلق الأنفس ويعلم خائنة نفوس الناس وما تخفيه صدورهم.
هذا الحديث فيه توجيه عظيم لهذه الأصناف من الناس وهم أفراد المجتمع ولو نظرنا إليه بالمنظور المادي الذي تتعلق به الدول الآن لوجدناه حاضرا وقاعدة عظيمة، فمن المعلوم عند الناس اليوم ان الاستقرار في القضاء بعدالته واستتباب الأمن في المجتمع يكون سببا في انتشار الرفاه بين الناس وكما يقولون في استجلاب الاستثمار فإن الناس إذا رأوا مجتمعا هذا شأنه فإنه يكون مهوى لأفئدتهم ويكون موئلا لأموالهم يأمنون فيه على أنفسهم وعلى أموالهم وعلى أعراضهم لأنه مجتمع عادل فيكون سببا في استتباب الدول وفي انتشار الاستثمار الذي تسعى إليه الدول في عصرنا هذا. أيضا في انتشار المحبة بين الناس هذا مما يكون سببا في استقرار العلاقات بين أفراد المجتمع فتنتهي منهم الأمراض التي تصرف الدول ميزانيات ضخمة في علاجها كالسرقات والاعتداء والقتل وغيرها، هذا المجتمع إذا كان أفراده يحب بعضه بعضا لله فإنه لا يحتاج الى كل ذلك. كذلك أيضا هذا المجتمع إذا انتشرت فيه الصدقة بالسر يكون مجتمعا متكافلا لا يشعر المحتاج فيه بضيعة أو ضيق فإن كثيرا من الأيدي الخفية تمتد إليه وتعينه في دنياه فإذا كان كذلك أورثه ذلك حب أفراد المجتمع والثناء عليهم والدعاء لهم وشدة الألفة لهم وصدق الانتماء لهذا المجتمع.