للشاعر حرية الالتباس تنكيلا بالمطمئنين بيقينهم المطلق

الشاعر البحريني قاسم حداد لـ عمان:-
ليس ثمة جمهور للشعر.. هناك قراء نادرون –
حاوره ـ عاصم الشيدي –
908883يحضر الشاعر البحريني قاسم حداد في المشهد الشعري العربي باعتباره أحد أهم الأسماء، وباعتباره أحد أهم المجربين في آليات بناء القصيدة. كل ديوان شعري يصدره يكاد يختلف عن الديوان الذي قبله. كان في مسقط قبل أسبوعين، وكان ضمن أجندته اليومية زيارة جريدة عُمان، وكنت أنتظره بجوار فنجان قهوة لنجري حوارًا صحفيًا نحتفي به بالشاعر الضيف ونستشرف من خلاله مشهد الشعر ومستقبل القصيدة. لكن الظروف شاءت ألا يصل قاسم إلى جريدة عمان، وأن تنطلق به السيارة إلى جهة أخرى.
لكن فكرة الحوار بقيت قائمة، وبعثت للشاعر الأسئلة عبر البريد الإلكتروني وكانت هذه الردود التي جاءت فيما يبدو على عجل ومقتضبة على طريقة الحوارات السريعة التي تأتي إجاباتها مكثفة جدا.
وإلى نص الحوار.

• ماذا تعني الأمسيات الشعرية للشاعر، أعني بشكل خاص الشاعر الحديث الذي تبتعد قصيدته عن الخطابية والمنبرية؟
هي لحظة الاتصال المباشرة بعدد قليل من القراء الذين يوقظون النائم من النص المكتوب بصوت صاحب النص. صرت أحب هذه اللحظات النادرة وأحتاجها أنا أيضا.

• لكن هل ما زال معناها بالنسبة لك كما كان مثلا قبل عشرين سنة؟ ماذا تغير؟

•عشرون سنة؟ لا أذكر ماذا كنت أرى آنذاك. لابد أنني تغيرت.. تقريبا.

• بشكل عام ماذا تغير بالنسبة لتلقي الجمهور للقصيدة؟
ليس ثمة جمهور للشعر. هناك قراء نادرون. الشعر يستطيع رعاية قرائه. وهم كائنات تقبل التطور وتساعد الشاعر على ذلك. صار التلقي ضربا من المشاركة الحميمة وتبادل المكتشفات.

• هل ما زالت قصيدة النثر نخبوية التلقي؟
الشعر خصوصًا إبداع نخبوي، وأرجو أن يظل كذلك، فذلك يحصنه ضد سطحية العمومية.

* ألا تعتقد أن الجمهور العربي اليوم جمهور سردي أكثر منه جمهور شعري؟
لا أعتقد ذلك.

* مضى زمن طويل وأنت مشتغل بالشعر وفي الشعر.. هل تعتقد أن دوافع كتابة القصيدة اختلفت لديك منذ البدايات أو لنقل منذ التحقق في مرحلة البواكير إلى اليوم؟

لكي أصور لك الأمر بصورة مباشرة، سأقول: منذ زمن طويل، ربما في البواكير، حسب تعبيرك، كنا في وهم تغيير العالم بالشعر، إلى درجة أن أحدنا عندما ينشر قصيدته الجديدة ينزل الشارع صباحا متوقعا أن يرى الجماهير قد خرجت للقيام بالثورة لتغيير العالم. الآن، لم يعد هذا الوهم في برنامجي. صار الشعر أكثر جمالا من الشارع، ومن الجماهير، ومن الثورة أيضا.

* كيف تتحدث عن لحظة الشعر بالنسبة لك.. لحظة ولادة القصيدة؟
هي أجمل لحظات الحياة، وأكثرها قوة وأنشطها خيالاً.

* هذه اللحظة الحميمة الخاصة.. كيف تقاربها مع تجربتك كتابة النص المشترك «مع أمين صالح» على سبيل المثال؟ هل لحظة ولادة القصيدة تقبل شريكا آخر؟
تجربة كتاب (الجواشن) لا تشبه غيرها على الإطلاق. في القصيدة أنت وحدك. في النص المشترك أنت مع اثنين آخرين: أمين صالح والنص الثالث الجديد الذي يولد مختلفًا عن أسلوب أمين وأسلوب قاسم. كنا تذهب إلى نص يختلف عما كنا نكتبه نحن الاثنين.

• سمعتك مرة تقول إنك لست شفويًا على الإطلاق وإن الارتجال يخذلك أو أنك لا تحسنه.. كيف بالنسبة للقصيدة.. هل تأتي على سجيتها أم أنك تعمل على نحتها أو صوغها كما يعمل الصائغ؟
لا أذكر قانونًا واحدًا قاد كتابتي في جميع حالات الكتابة. في كل مرة تأتي الكتابة بطريقة وشكل مختلفين عن المرة السابقة والمرة اللاحقة. كل شيء يأتي على سجيته وبحريته الكاملة.

• لكنك مجرب كبير، وتعمل كثيرًا على فكرة التجريب في كتابة نصوصك الشعرية؟ هذا الأمر ألا يخرج القصيدة من اعتبارها لحظة شعورية تولد كيف شاءت لها ظروف اللحظة؟
هذا صحيح، فالكتابة ليست بهذا والشكل ولا بشكل آخر، في كل مرة.

* ما الذي يشغل قصيدتك في الفترة الحالية؟
المزيد من الحرية والجمال.

* لو تحدثنا عن تجربتك في جهة الشعر وإلى أي مدى خدمتك وخدمت قصيدتك؟
جهة الشعر شرفة للحوار الحضاري مع الإنسان المبدع في شتى العالم. كلما نشرت نصًا جديدًا للكتاب غمرتني سعادة الشاعر وهو ينجز نصه الخاص. والجهة موقع ليس خادما عند لأحد. إنه الشعر بحد ذاته.

* أين تجد كل هذا الوقت لملاحقة الموقع؟
كل الوقت للشعر، بشتى تجلياته.
• فيما حدث في البحرين والمنطقة منذ 2011م البعض قال: إن قاسم حداد لم يكن له حضور أو على الأقل كان حضوره ملتبسا جدا؟ ما رأيك؟
فعالية الشاعر تتحقق في درجة التباسه. والذي لا يعرف تجربتي الإنسانية والفكرية والشعرية من شأنه أن يقف عند حدود الالتباس الذي تشير إليه. ومن يقف هناك ربما كان يعرف طبيعة حضوري (أو غيابي) لكنه لا يكتفي بذلك، لأنه يريدني قيد موقفه، الأمر الذي يصادرني منذ الوهلة الأولى، وهو الذي يزعم الديمقراطية والسعي لتحقيقها، دون أن يكون مستعدًا لوعي موقف ووجهة النظر الأخرى، ويتصرف كما لو أن الحقيقة كاملة في جيبه. بهذا المعنى أرى أن للشاعر حرية الالتباس، تنكيلا بالمطمئنين بيقينهم المطلق.

* هل حقق ما حدث في العالم العربي حراكا على مستوى قصيدتك؟

القصيدة لا تتحرك مع السطوح وظواهر يقين البهائم، الشعر يصدر عن جواهر الحياة ويذهب إليها حرًا جريئًا وأكثر إنسانية.

* المشهد الشعري في الخليج وفي الوطن العربي .. كيف يقرأه قاسم حداد؟
هذا سؤال يوجه للنصوص والنقاد بالدرجة الأولى.