نهاية الأيديولوجية وبداية الشعوبية!

الســـيد يســــين  –
eyassin@ahram.org.eg –

يمكن القول بدون أدنى مبالغة أن انتخاب «دونالد ترامب» بخطابه السياسي الشعبوى الصارخ رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية يعد في ذاته إعلانا عن نهاية عصر الأيديولوجية وبداية حقبة الشعبوية!
ولا شك أن القرن العشرين كان هو بذاته عصر الأيديولوجية الذي دار فيه الصراع الفكري العنيف الذي سرعان ما تحول إلى حروب شاملة بين أيديولوجيات عنصرية مغلقة أبرزها هي النازية والفاشية وبين أيديولوجيات منفتحة هي الديمقراطية. كانت هذه هي الجولة الأولى من الصراع الأيديولوجى الذي اشتعل في الحرب العالمية الثانية (1939-1945) التي انتهت بالهزيمة الساحقة لكل من «هتلر» زعيم النازية و«موسولينى» رائد الفاشية وكذلك اليابان التي قادت الحملات العسكرية في آسيا.
غير أنه بالرغم من تحالف الاتحاد السوفيتي مع الدول الغربية في معسكر «الحلفاء» للقضاء على دول «المحور» (ألمانيا وإيطاليا واليابان) والاشتراك الفعال للجيش السوفيتي في إنزال الهزيمة الساحقة بها إلا أنه بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة سرعان ما بدأ الصراع الأيديولوجى العنيف بين الشيوعية السوفيتية من جانب التي يتبناها الاتحاد السوفيتي والديمقراطية الرأسمالية التي تتبناها أساسا الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة «العالم الحر»، كما ساد هذا الوصف في الخطاب السياسي.
وبالرغم من اشتعال «الحرب الباردة» –إن صح التعبير- بين المعسكرين إلا أن الذي منع اندلاع حرب عالمية ثالثة هو ما أطلق عليه «توازن الرعب النووي» لأن كلا من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية كانا يمتلكان القنبلة الذرية، وهكذا تحول الحديث عن الحرب -لو قامت وكيفية مواجهتها- محل الحرب الفعلية!
لكن ذلك لم يمنع الصراع الأيديولوجى من الاشتعال بين المعسكرين خصوصا بعد أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية (1945) سياسة «الاحتواء» Containment أو وضع السياسات المختلفة وعلى رأسها السياسة الثقافية لاحتواء خطر تمدد الشيوعية إلى بلدان العالم المختلفة. وفي خضم هذه الحرب الأيديولوجية المشتعلة بين الشيوعية من جانب والديمقراطية الرأسمالية من جانب آخر، وهي التي تعددت معاركها ظهرت نظرية «نهاية الأيديولوجية» التي صاغها أحد أبرز علماء الاجتماع الأمريكيين وهو «دانيل بل» Danial Bell التي قرر فيها أنه لا يمكن اعتقال التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري لمجتمع ما في ظل أيديولوجية مقننة لها مبادئها المقدسة التي لا يمكن تغييرها فذلك ضد منطق تاريخ التطور الإنساني. ودارت حول هذه النظرية معارك فكرية شتى واعتبرت لدى بعض المفكرين محاولة فاشلة للقضاء على جاذبية الماركسية وتطبيقاتها الشيوعية في عديد من بلاد العالم الثالث.
غير أن بعض منظري الرأسمالية قرروا أن يتحولوا من الدفاع عن الديمقراطية الرأسمالية بالهجوم على الماركسية ذاتها وذلك بصياغة نظرية رأسمالية مقننة تقوم على مقولات محددة مثلها في ذلك مثل الماركسية تماماً.
وقد قام بهذه المحاولة الجسورة -وإن كانت فاشلة- عالم الاجتماع الأمريكي «بيتر برجر» الذي نشر كتابا مثيرا عام 1987 بعنوان «الثورة الرأسمالية». ولعل دافعه إلى ذلك المقولة التي أذاعها المفكر اليميني الفرنسي المشهور «ريمون آرون» الذي قال -في معرض دفاعه عن الرأسمالية- «إننا لن نستطيع أبدا أن نجاري الماركسية ونصوغ نظرية متكاملة مثلها تفسر الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والتاريخ»، وكانت وجهة نظره أن الماركسية نجحت في صياغة نظرية شاملة في الوقت الذي فشلت فيه الرأسمالية في مجاراتها على هذا الصعيد.
إلا أن بيتر «برجر» تقدم الصفوف لكى يفند وجهة نظر «ريمون آرون» وأصدر كتابه المثير الذي هو في الواقع نظرية مصاغة بطريقة صورية محكمة. وقد قدم خمسين مقولة للدفاع عن الرأسمالية وتبريرها وإظهار أفضليتها على الماركسية. وهذه المقولات تتعلق بثمانية ميادين رئيسية هي: الرأسمالية والحياة المادية، الرأسمالية والطبقات، الرأسمالية والديمقراطية، الرأسمالية والثقافة الفردية، الرأسمالية وتنمية العالم الثالث، الرأسمالية في شرق آسيا، الرأسمالية الصناعية، إضفاء الشرعية على الرأسمالية.
هكذا دار الصراع الأيديولوجى الضاري طوال القرن العشرين بين الماركسية والرأسمالية. غير أن الذي حكم نتيجة الصراع في الواقع لم يكن هو الجدل النظري بقدر ما كانت هي الممارسة الفعلية لكل من الشيوعية والرأسمالية.
وفي مجال الممارسة الفعلية حاول بعض المنظرين الفرنسيين الماركسيين وعلى رأسهم «لويس ألتوسيز» الإنقاذ النظري للماركسية لكي تتحرر من جمودها وتصبح أكثر قدرة على التعامل مع الواقع، ولذلك حاول في كتابه الشهير «قراءة كتاب رأس المال» تجديد النظرية الماركسية، إلا أنه اعترف بعد ذلك بفشله حين قرر في مؤتمر عقد في إيطاليا بعنوان «الماركسية في المجتمعات ما بعد الثورية» على سبيل النقد الذاتي «كنا نبحث عن جوهر خالص للنظرية الماركسية» وتبين لنا أنه ليس هناك جوهر أساسي لأي نظرية». كما حاول الحزب الشيوعي الإيطالي تجديد الممارسة الماركسية وذلك من خلال نظرية «الشيوعية الأوروبية» بمعنى تحييد فكرة الصراع الطبقي والدخول في الانتخابات الديمقراطية للحصول على الأغلبية التي تسمح بالحكم إلا أن هذه الاستراتيجية فشلت كذلك.
أما على الصعيد الرأسمالي فقد حاولت الدول الديمقراطية إنقاذ الرأسمالية من مصيرها الحتمي بعد فشلها في إشباع الحاجات الأساسية للجماهير العريضة واستحدثت صيغة دولة الرعاية الاجتماعية Welfare State التي تضمن تأمينات اجتماعية متعددة للمواطنين الضعفاء اقتصاديا في مجال البطالة والمرض إلا أن التجربة فشلت للعجز عن تمويل هذه البرامج الاجتماعية المتعددة.
وقبيل نهاية القرن حدثت واقعة كبرى لها دلالتها التاريخية العظمى وهى انهيار الاتحاد السوفيتي بعد فشل النظام السلطوي في إشباع الحاجات الأساسية للجماهير وفي تحقيق الحد الأدنى من الديموقراطية وحقوق الإنسان. وقد ثبت بما لا يدع للشك مجالا أن النظام الديموقراطي العتيق لم يكن سوى شعار خادع يحمى مصالح أعضاء الطبقة العليا على حساب الطبقات الوسطى والفقيرة، ولذلك أعلن بعض علماء السياسة فشل الديمقراطية النيابية وضرورة ابتداع نوع جديد من الديموقراطية أطلقوا عليه «ديمقراطية المشاركة». كما أن الجماهير في المجتمعات الرأسمالية ضاقت بالخطاب السياسي التقليدي الذي يعد الجماهير بالجنة الموعودة ولكنه لا ينفذ، ومن هنا صعد الخطاب الشعبوى الذي يمثله «دونالد ترامب» خير تمثيل لكي يغازل مطالب الناس واحتياجاتهم ويعدهم بتحقيق الجنة الموعودة.
لم يكن نجاح «ترامب» في الواقع إلا وجها واحدا من الوجوه المتعددة للحقبة الجديدة.