عن رحيل عاشق عُمان: يوسف الشاروني

سليمان المعمري –

«يوسف الشاروني عمانيّ أيضا»
هذا أول ما خطر ببالي وأنا أتلقى

في هاتفي خبر وفاة هذا الأديب الكبير وأنا في مطار تشيناي بالهند مساء الخميس 19 من يناير 2017. ليس فقط لكتبه العديدة التي خصصها للأدب والثقافة في عُمان، ولا لبرامجه الإذاعية والتلفزيونية التي أثرى بها إذاعة وتلفزيون سلطنة عُمان، ولكن أيضا لأنه ظل محباً ووفياً لعُمان حتى بعد مغادرته النهائية لها سنة 1992 .
منذ بدأتُ أعي شيئاً اسمه الأدب العُماني وأنا في مراهقتي الغضة في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات وأنا أعرف أن أديباً مصريا اسمه يوسف الشاروني يكتب عن هذا الأدب وعن الثقافة العُمانية بشكل عام، ولكني لم أتعرف به بشكل شخصي إلا بعد فوزي بجائزة يوسف إدريس للقصة. على هذا كان لقاؤنا الأول في القاهرة مساء 13 من يونيو 2007 في حفل تسلمي للجائزة. والتقيتُ به بعد ذلك في زياراتي المتقطعة للقاهرة، أذكر منها لقاء في السفارة العُمانية هناك حيث أهداني روايته «الغرق» ودار حديث طويل عن حنينه لعُمان واشتياقه لها ولناسها وربوعها. وعندما زار السلطنة بعد ذلك أجريتُ معه حواراً مطولاً للإذاعة عن تجربته الأدبية والثقافية تحدث فيه بحب عن سنواته العُمانية، وأضاء جوانب من تجربته الإبداعية في كتابة القصة التي بدأتْ بمجموعته القصصية «العشاق الخمسة» سنة 1954 ومروراً بـمجموعات قصصية أخرى هي «رسالة إلى امرأة»، و«الزحام»، و«حلاوة الروح»، و«مطاردة منتصف الليل»، و«آخر العنقود»، و«الأم والوحش»، و«الكراسي الموسيقية»، وهي القصص التي قال عنها الأديب الكبير نجيب محفوظ: «لقد انتهيتُ في القصة القصيرة بما بدأ به يوسف الشاروني».

عندما زار الشاروني عُمان للمرة الأولى سنة 1983 كان أديباً كبيراً ومثقفاً متحققا. وأنْ تبدأ إقامتك في بلد ما وأنت على مشارف الستين يختلف بالتأكيد عن أن تبدأها وأنت شاب في مقتبل العمر، فالحالة الأولى تعني أنك رأيتَ كثيراً في حياتك حد أنه بات من الصعوبة أن يدهشك شيء. وهذا ما أكده الشاروني وهو يسترجع سنواته الأولى في السلطنة حيث عمل مستشاراً بوزارة الإعلام، يقول في مقال له بعنوان «لمحات من حصاد تجربتي العُمانية»: «….أحسستُ أنني استرجعتُ شبابي، وكنتُ قد وصلتُ إلى مرحلة تشبع بالقراءة جعلتْني لا أجد إلا القليل من الجديد، لكن ما إن بدأتُ الاطلاع على المكتبة العُمانية التي كونتْها في سنوات النهضة الستّ عشرة وقتئذ وزارتا الإعلام والتراث القومي والثقافة، كما كانتا يطلق عليهما وقتها، حتى عادت إليَّ فرحة الاكتشاف والحصول على الجديد، وهي فرحة لا يعرفها إلا الشباب، وتقل تدريجياً كلما تقدم العمر بالإنسان عندما تزداد خبرته فتقل دهشته، وهكذا أعلنتُ أن تجربتي في السلطنة– على قصرها وقتئذ– قد أخصبت ذهني بل ووجداني، مما أوحى إليَّ بفكرة أكثر من كتاب يتضمن ما اكتشفته لنفسي وأحرص على أن يعرفه الآخرون» . أول هذه الكتب نشره في هيئة الكتاب بالقاهرة سنة 1986 بعنوان «سندباد في عُمان» وتضمن مختارات من دراسات وأحاديث إذاعية له نُشِرتْ وبُثّتْ أثناء السنوات الثلاث الأولى لإقامته في السلطنة، واحتوى فصولا من التاريخ العُماني وأخرى مستمدة من البيئة العُمانية وعروضاً عُمانية تقليدية بالإضافة إلى مقالات عن الفن التشكيلي والمسرح، ومقالات عن الشعر العماني الفصيح منه والشعبي. وقبل أن أسترسل في ذكر بقية الكتب يجدر بي أن أتحدث عن تعاون يوسف الشاروني مع إذاعة وتلفزيون سلطنة عُمان في إعداد عدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية المميزة التي صارت بعد ذلك نواة لكتبه المتعددة عن عُمان. فكتاب «سندباد عُمان» المشار إليه أعلاه مثلا كان ثمرة إعداد لبرنامج «حديث السهرة» للإذاعة العُمانية لسنتين متتاليتين (نوفمبر 1985، ونوفمبر 1986). كما أُسنِد إليه إعداد المسابقة الإذاعية الرئيسية في رمضان لعامَين متتاليَيْن (1406 و1407 هـ الموافقان لمايو 1986، وإبريل ومايو 1987) ودارت المسابقة حول أعلام من عُمان بين حكام وأئمة وشخصيات تاريخية ودينية وأدبية في السنة الأولى، وأضيف لها شخصيات عربية في السنة الثانية، وقد جمع ما كتبه عن الشخصيات العُمانية في كتاب «أعلام من عُمان» الصادر عن دار رياض الريس سنة 1990. وعن الدار نفسها، وفي العام ذاته، صدر له كتاب «في ربوع عُمان» الذي تحدث فيه عن ثلاثين مدينة عُمانية وما تميزت به من طبيعة وعادات وتقاليد. ثم أصدر في العام عينه ومن الدار ذاتها كتاب «ملامح عُمانية» الذي تحدث فيه عن مُنتجات عُمان وحيواناتها وحرف أهلها وصناعاتهم وعمارتهم ما بين قلاع ومساجد وحصون. أما الكتاب الرابع فكان بعنوان «في الأدب العماني الحديث» وكما يبدو من العنوان فقد تضمن دراسات ومقالات عن الأدب العُماني الحديث شعراً ونثراً. أصدر بعدها عام 2004 عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة كتاب «البوسعيديون حكام سلطنة عُمان» وكتب في مقدمته أنه «ليس تاريخاً ولا قصة، لكنه الاثنان معا، فهو كتاب يقدم التاريخ في خيط قصصي» ، وحرص فيه على نشر ملاحق توضح شجرة الحكم لأسرة البوسعيد في عُمان، ثم قائمة بحكام عُمان عبر التاريخ من العصر الحاضر إلى ما قبل الإسلام»، فقائمة بالسادة البوسعيديين حكام زنجبار.
وبمناسبة احتفالات مسقط بكونها عاصمة للثقافة العربية عام 2006 أصدر الشاروني كتابه الأخير عن عُمان بعنوان «سلطنة عُمان بين التراث والمعاصرة» عن مركز الحضارة العربية أيضا. وتضمن هذا الكتاب ستة فصول عن التراث العُماني، وفصلاً بعنوان: «من التراث إلى المعاصرة … عن يوميات رحلة فُلك السلامة»، فتعريفاً بثلاث روايات عُمانية لكل من عبدالله الطائي وسعود المظفر وبدرية الشحية، وأخيراً فصل بعنوان «حوارات سبلة عُمانية» وهي الحوارات والسجالات التي دارت بينه وبين بعض الكتّاب العُمانيين على صفحات الصحف العُمانية أثناء إقامته في السلطنة ما بين مهاجم له ومدافع عنه.

ولم يقتصر اهتمام يوسف الشاروني بالسلطنة على النشر في الصحافة الأدبية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية وتأليف الكتب الخاصة بها وبثقافتها، بل تسرّب هذا الاهتمام إلى مؤلفاته الأخرى .. ففي كتابه «مع الرواية» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1994 – أي بعد مغادرته السلطنة بسنتين – نشر فصلين عن روايتَيْ «الشراع الكبير» لعبدالله الطائي، و«المعلم عبدالرزاق» لسعود المظفر. وفي كتابه «مع التراث» الصادر عن الهيئة نفسها سنة 1996 فصل عنوانه « مع التراث العُماني». وفي كتابه «مع الأدباء» الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر سنة 1999 فصلان عن الروائيَيْن العُمانيَيْن عبدالله الطائي وسعود المظفر.
ورغم مغادرة الشاروني عُمان سنة 1992 إلا أن وده لها استمر طوال ربع القرن المتبقي من حياته، وحرص على المشاركة بدراسات عن الأدب العُماني الحديث والثقافة العُمانية في عدد من المؤتمرات والملتقيات الأدبية والفكرية العُمانية والعربية، أذكر منها مشاركته في ندوة «عُمان في التاريخ» في مسقط سنة 1994 ببحث عنوانه «بناء السفن العُمانية»، وفي مؤتمر القاهرة للإبداع الروائي في فبراير 1998 ببحث عنوانه «الرواية العُمانية وخصوصية الرواية الخليجية»، وفي الدورة الثانية من هذا المؤتمر في أكتوبر 2003 شارك ببحث عنوانه :«بين الجبل والمجينة: قراءة في رواية «الطواف حيث الجمر» للأديبة بدرية الشحية»، وفي الدورة الثالثة في مارس 2005 شارك ببحث عنوانه: «عبدالله الطائي.. رائد الرواية التاريخية الخليجية»، هذا علاوة على مشاركته في ندوة الأدب العُماني في جامعة السلطان قابوس سنة 2000. وكان قد شارك إبان إقامته في عُمان في الملتقى الأدبي للقصة القصيرة في دول مجلس التعاون الخليجي بالكويت في إبريل 1985 ببحث عنوانه «القصة القصيرة في سلطنة عُمان» .
وإذا كانت السلطنة قد استنت خلال معرض مسقط الماضي للكتاب سنة حميدة بتنظيم ندوة لتكريم الراحل محمد حسنين هيكل بُعَيدَ أيام قليلة من رحيله ضمن فعاليات المعرض الثقافية، فإنني أتمنى أن تواصل سُنَّتَها الحميدة هذه بتخصيص ندوة مماثلة ليوسف الشاروني في المعرض القادم الذي سيطرق الأبواب بعد أقل من شهر، خاصة وأن أربعينية الشاروني ستكون متزامنة مع أيام المعرض، وهو الأديب الكبير والمثقف الموسوعي الذي منح جزءاً غير يسير من حياته المديدة لعُمان، حباً وكتابة، ووفاءً. هذا الأديب الذي لا أجد خاتمة لهذا المقال أنسب وأجمل من وصفه العميق والفائض بالحب للعُمانيين الذي كتبه بعد نحو ربع قرن من تركه لعُمان: «…والعُماني في معظم الأحيان – بعكس قيظ شمسه التي تلهبه – هادئ الأعصاب، أو على الأقل خافت الصوت، قليل الإشارات، أما عصبيتُه إن وُجِدتْ فلا بد أن يمور بها داخله، ولا يكاد يُفصح عنها خارجه، لهذا فشوارعها هادئة، الناس فيها لا يتصايحون، وإذا وقع حادث لا يتشاجرون، بل يتشاكون أو يتفاهمون، مما يُشعرك بأنك في بلد شعبه دمث مهذّب عريق الحضارة».
رحم الله يوسف الشاروني.