قصص الحب والجنون والموت

صالح العامري –

ما يدعو للتحسر فعلا هو غياب الفعل الترجميّ الباكر، الذي يُعنى بآداب وفنون وثقافات الشعوب الأخرى، وباستثناء ذلك الجهد المتباعد المتقطع، لم تحظ الثقافة العربية لأمد طويل بهذا التلاقح المبدع من تلك الآداب والفنون والثقافات وبتلك الإسعافات الإبداعية التي تمثل مصدر ثراء روحيّ وعقليّ لأي ثقافة وحضارة منفتحة يعوّل على مهمتها الوجدانية والتاريخية، وبالتالي حصل نوع من الغياب التام والقسريّ لكتب أدبية وفكرية رفيعة، في غاية الأهمية والأصالة، وراج في المطبخ المتخلف كتب صفراء رقّعت الأذهان بمزق من الأفكار الساذجة الفجة، أسست لمستويات قرائية، جهدت في تمييع وتسطيح أكثر العلاقات الإنسانية تشابكاً وتعقيدا، ولعل أدب أمريكا الجنوبية أبرز مثال في هذا الخصوص، حيث لم يتم الالتفات إليه إلا منذ عقدين أو ثلاثة، خصوصاً بعد الشهرة التي حظي بها الكاتب الكولومبيّ جابرييل ماركيز، وتحديداً بعد حصوله على جائزة نوبل عام 1982. وحتى في حال أن توفرت الإمكانات والنوايا والجهد المنظم (تقريبا)، نجد ذلك التأخر في النقل والتعريب والاشتغال الترجميّ، وإهمال كتاب أساسيين ومبدعين كبار (مركزيين أو هامشيين في ثقافة بلدانهم)، ومن بينهم الكاتب الأورجوياني هوراسيو كيروجا (1878-1937)، والذي قام بترجمة كتابه (قصص الحب والجنون والموت) إلى العربية صالح علماني عن دار طوى للثقافة والنشر والإعلام، لندن، في العام 2015، وهو الكاتب الصادر لكيروجا عام 1917.
الثالوث الذي يشد لحمة هذا الكتاب يتألف من الحب والجنون والموت، وهو ثالوث خبره الكائن وألفه على مر حقبه وعصوره، وكأنّه ليس ثمّة جديد، سوى أن نعصب أعيننا ونمضي إلى النهر. إلا أنّ الحكاية شيء والقصة شيء آخر، كما هو الفرق بين البذرة الصغيرة المتخففة من أعباء الأشجار، والشجرة المكتملة التي تحتضن تلك البذرة ضمناً وتحمل معها مؤونة الزمن والرياح الهوج والأغصان والطيور والفصول المتحولة. إنّ «الحكاية» تجعل من هوراسيو كيروجا جَداً سردياً يبذر الحكايات، غير أنّ «القصة» التي يكتبها تصيِّره واحداً من أولئك المعلمين الرصينين الذين يتحلق حول شجرتهم قراء شغوفون ببحثهم السرديّ وطاقتهم الأسلوبية وحيوية إبداعهم وفنية اشتغالهم الكتابيّ.
يستل هوراسيو كيروغا لحظة السرد من تلك المغارة الرهيبة، التي تجمع بين الحب والجنون والموت، تلك الشواهد الأمينة على قدر الإنسان ومصيره، مستدرجاً إياها على الأوراق في رحلة معمقة، مستفيداً خلالها من زمن تأملاته الأسيانة، ومن الإصغاء إلى الصوت الداخلي للسرد دون الالتفات السطحيّ إلى سلطة القارئ، ومن الآصرة السحرية التي تشده إلى الواقع عوض جاذبية الواقع العاديّ الأصمّ التي تشد نفسها إلى التاريخ والجغرافيا، كما يوظف المؤلف نوعاً من الجحيم الشعري الذي يتهدد الشخصيات، كاشفاً عن الآلام الرهيبة الملتصقة باللاوعي المنغرس فينا، وعن تلك المراحل المفصلية الحادة التي عايشها هوراسيو كيروغا نفسه والتي ضفّر بها لعبته الفنية الآسرة.
إنّ الكاتب هنا، يشبه القفّار الذي يتتبع الأثر، أثر الجرح والطعنة الغائرة، متتبعاً في حقل الزهو والرعب، كيف يغرق كائن ما في الحب والجنون والموت، دون أن يحسب حساباً لذلك، ودون أن تكون هنالك مقدمات منطقية معقولة تؤدي إلى تلك النتائج الفنتازية الأشبه بالكارثة أو الجريمة أو السر المندلق بوحشية وفظاظة.
ويبدو من سيرة حياة هوراسيو كيروغا التي لم تتجاوز الإحدى والخمسين، بأنه كان منذوراً لتلك الخيارات القلقة التي استهوته واستمالته إليها والتي لا تدع مجالاً للقول بأيّ فرق بين حياته وكتابته بما في ذلك حبه للأراضي البكر والأدغال الموحشة، وانغماسه بالتوازي مع الكتابة بالعمل كفخاري ومجلد كتب وصانع مفروشات وسكرتير حسابات وزارع برتقال وبروفسور للغة القشتالية ورئيس كهنة قروسطيّ في جماعة «مصلّى الأدب» ومصور فوتوغرافيّ ومربي ماشية وحطاب ونجار ومربّي «جراء جبلية»*.
إن السيرة الذاتية التي عاشها هوراسيو كيروغا، ملفوفة بحذر في قصص هذه المجموعة التي كتبها وهو في سن الأربعين، لأنه من أولئك الكتّاب الذين لا يغامرون بدلق سيرتهم الذاتية بطريقة مجانية في العمل الفنيّ، حيث استشعار مدى الخطورة التي يمكن أن تلحق الكتابة من تلك الواقعية العادية وتخريب بيتها الجمالي، مهما بلغ شأو تلك السيرة في مستوياتها العجائبية والاستثنائية. إن الكاتب هنا، يَعْقد نوعاً خافتاً من العلائق بين السيرة والفنّ، بحيث لا يمثِّل أحدهما بالآخر ولا ينتهكه إلا بمقدار ما يغذيه وينمّيه ويطوّره، ولا يقتحم أحدهما حدود الآخر إلا بالقدر الذي يجعل من البرق والرعد وعداً في بال المطر.
في قصة «الابن» مثلاً قد نستحضر شبح والد المؤلف، حين يخرّ صريعاً ابنٌ في الثالثة عشرة من عمره، في رحلة صيد للدجاج البريّ والحمائم والبلشونات، جراء رصاصة أطلقها من زناد بندقية ثقيلة يحملها من نوع سانت إيتين الضخمة، عيار 16، ذلك أن والد هوراسيو «كان يحمل بندقية صيد في يده الخشنة، فاصطدم السلاح بحافة المرسى، وانطلقت منه رصاصة اخترقت رأس الأب، بينما كان هوراسيو ما يزال صغيرا في الثانية من عمره تحمله أمه بين ذراعيها». أما ما عدا ذلك، فالقصة تجد نفسها في تلك المشاعر الفيّاضة التي يكنها أب تجاه ولده الصغير، والانفتاحات الهذيانية، الناتجة من صهد الفكرة والشمس والإجهاد معا، والتي يجد فيها الكاتب ضرعاً مليئاً بالحليب الذي يلقم به عطش السرد.
كما أن قصة «مع التيار» هي الأخرى، تقدح شرارة ما في سيرة الكاتب، وتبدي شبح والد هوراسيو كيروغا مرة أخرى، إذ يلتمع فيها، من بعيد، والده الذي «يقفز إلى البر» من قارب صيده، ليلقى حتفه ببندقية صيده بعد ذلك مباشرة. لكن على النقيض من والده، فإنّ الرجل الذي في القصة يموت في قاربه قبالة إحدى الضفاف الجبلية، بعد صراع مع الموت إثر لدغة حية من نوع (ياراكاكوسو)، دون أن يتمكن من الوصول إلى البر كي يسعفه أحد أصدقائه، مع تصاعد تيار النهر وعدوانيته.
كما نجد في قصة «القرد الذي قَتَل» أن الخادم الهنديّ فورتونو ينادي سيده باسم: «الدون جيلليرمو»، وجيلليرم اينهاردت هو الاسم الأدبيّ الذي استعاره وتقنّع به هوراسيو كيروجا في بداياته، مستقياً إياه من (بطل رواية «وباء العصر» لماكس نوردو»).
على أية حال، فإنّ الحياة المأساوية التي عاشها هوراسيو كيروجا، قمينة باصطياد كل تلك الأشباح التي تربت في ذاكرته أو تلك التي عششت فيها، وهي حياةٌ يمكن أن توصف بأنها فجائعية ومرعبة، وهذا الرعب هو العتبة التي اجتازها كيروغا، لكي يتمكّن من كتابة قصصه ومناخاتها المتقلبة التي تشمخ موسيقاها في ذلك الثالوث الرهيب «الحب، الجنون، الموت»، وهو الذي دفعه إلى أن يرفع منجل «المتشيتي»، منجل ذاكرته وذكرياته، ساحباً إيّاه من حزامه، عزاء ومتعة، جزاً للأعشاب الضارة المتسلقة أو انغراساً في شيفرته الحادة، للقبض على ذلك الحصاد المتطاير، الآفل، في طاحونة هواء الكتابة وفي أفران خبزها المقدسة.
إن الأسى الذي ينضح بعنف (كما في قصة «الدجاجة المذبوحة»)، والصبر الذي بلغ حده الأقصى حتى نفد تماماً (كما في قصة «السوليتير»)، وامتداح الطفولة وألعابها الشقية (كما في قصة «سيجارتنا الأولى») والتقمصّات المرعبة التي تستدعي الهذيان والقتل والجنون والحبّ (كما في قصة «التهاب السحايا وظلها» وقصة «القرد الذي قَتَل») تدلل على المناطق الخصبة التي توجهت إليها منازع هوراسيو كيروغا الكتابية، وعن تلك الثيمات الكبرى التي جعلها مرتكزاً في كتابته، والتي تكشف هشاشة الإنسان وضعفه وطاقاته المفاجئة ورغائبه المزدوجة، وتصدمنا بتلك اللزوجة العدمية والتخثر الأهوج وقيم اللامبالاة والانتظار المختَرَق.
الشخصيات في المجموعة ضحية لشخص آخر أو شيء أو حالة، ومآلاتها تصير إلى فراغ مسدود أو خذلان أو سراب عابث، حيث لا شيء هنا إلا التناقضات التي تهرس الأعمار، والالتباسات التي تضع الشخوص في كف عفريت، حيث الماوراء هو قُدّام، والأيام الخوالي تتربّص بالراهن، والفوارق الاجتماعية تطل من تلك الكوى ومن المسامات المؤلمة في أبنية القصّ. كما أنّ الماضي لا يموت، بل يقفز مثل «قرد في منتصف الطريق فلا يعبر أحد»، ولهذا تنهض الأرواح في قصة «القرد الذي قَتَل»، والتي ماتت في الهند الآسيوية منذ ثلاثة آلاف عام، لتتعارك وتنتقم في العاصمة الأرجنتينية «بوينس أيرس»، عام 1907، راسماً لنا تلك اللوحة الكابوسية، وتلك الأرواح الملوثة بالخطيئة والثأر والدناءة، والتي تستيقظ عبر إصبع ديناميت زمني أو عبر قصة قصيرة.
إنه كتاب صغير، لكنّ غباره يستبطن الحقيقة ويستشفها ويدنو من ظلالها، حقيقة الحياة الصادمة المرعبة المشحونة بلذة الكتابة ومتعها اللانهائية.

•راجع مقدمة المترجم التي استفدنا منها في التعريف بالكاتب.