قصة قصيرة .. غيبوبة

حمد عبدالله المخيني –

«لم تبكِ خاتون حين علمت أن البيت الذي تسكنه لم يعد لها. لقد بكت كثيرا يوم هجرها زوجها وما تغير أي شيء، تركها وحيدة هي وصغارها الأربعة (فاطيمة ذات الثلاثة عشر عاما، زبير ذو العشرة أعوام، مهديم ذات الثمانية أعوام وعزير الطفل الرضيع). الآن كل ما عليها فعله هو توضيب الأسمال والممتلكات الرخيصة والمشي مع أطفالها تحت الشمس الحارقة إلى منزل أختها لال بيبي في الحي الشعبي القريب تاركة بيتها لمالكه الجديد.
فتحت لال بيبي الباب لترتمي خاتون في حضنها بينما تحمل فاطيمة الحزينة عزير الرضيع ويراقبا زبير ومهديم المشهد في صمت.
الآن فقط ستبكي خاتون، ستبكي في حضن لال بيبي بشدة وستقول أنها تعبت؛ فزوجها لم يختفِ عنهم وحسب بل باع البيت وتركهم للسكك المريبة الممتلئة ببصاق التمباك وزجاجات الخمر. أبعدت الأخت الحديدية أختها الهشة عن حضنها وصرخت مانعة إياها عن البكاء ثم نظرت نحو السماء لاعنة الزوج الهارب. أدخلت أختها والعيال في غرفة بين غرف البيت القليلة وقالت: هنا ستعيشين.»

انتهت الحكاية.

،،
،

لا.
لم تنتهِ بعد،
الحكاية بدأت للتو…
هل انتابك الفضول لأكمل؟ الحكايات تصبح أكثر وقعا حين نكتشف أننا نعرف شخوصها جيدا أليس كذلك؟ حسنًا.
عاشت خاتون في منزل أختها لال بيبي قلقة، تتحمل طعنات رجل آخر هذه المرة، زوج أختها السكير الذي لم يتوان عن الصراخ في أطفالها واستحقارهم، وهكذا ارتدت رداء الصبر الضيق لتستر قلة حيلتها أمامه لكن سرعان ما مُزِّق هذا الرداء يوم غمز لها بعينه غمزة ماكرة وهو يعيد ربط ازاره متعمدا في فناء المنزل حيث كانت خاتون تقطع اللحم الذي يصلهم كل شهر من مؤسسة خيرية، تركت ما في يدها فورًا ولملمت أسمالها الرخيصة من جديد مقررة الإبتعاد حتى لا تدمر حياة أختها التي أصرت أن تعرف سبب هذا الرحيل المباغت. ومرة أخرى بكت خاتون في حضن لال بيبي منهارة من كل هذا الألم الأبدي وأخبرتها عن فعلة زوجها التي خدشت كرامتها، لم تبد الأخت أية ردة فعل، لا شيء. لكن في صباح اليوم التالي لم يعرف أحدا أين اختفى الزوج، وحين بحثت خاتون عن السكين لتكمل تقطيع اللحم لم تجدها.»

سأكمل، لكن يجب أن أعرفك بنفسي الآن فالحكاية ستصبح أكثر خصوصية فيما بعد وأنت ستكف عن سماعي وتنشغل بالأسئلة التي ستضج في دماغك: من هذا الذي يعرف كل شيء؟. حسنا، أنا عزير ابن خاتون الرضيع في بداية القصة ولسوء الحظ أنا ابنك أيضا. لقد كبرت يا أبي!. أبي؟ آه كم هي ثقيلة هذه الكلمة. هل عرفت الفتاة التي تقف إلى جانبي في هذه الغرفة الكئيبة والباردة تبكي بصمت خانق؟ إنها ابنتك مهديم وهي ترفض الحديث معك. قد تتساءل أين هم فاطيمة وزبير؟ لقد اختفيا كذلك…
قد كُتبَ لخاتون أن تعيش وحيدة يا أبي، لكن لا خوف، فقد كانت تقول أن الوحدة ليست عقاب بل هي قدر، وليست ضعف بل هي قوة. زبير المسكين في مستشفى المسرة يتعالج من الإدمان على المخدرات وهو لا يكاد يغادره حتى يعود إليه مرة أخرى. كان دائما هو من يتسبب في حزن أمي. حاول مرة إسعادها بعد خروجه من المستشفى، أراد أن يثبت لها أنه تغير وأصبح مسؤولا. واحتاج أن يبدأ. لم تكن أمامه أية طريقة سوى أن يقتحم المزرعة في الحارة المجاورة ظهرًا ويجمع اللومي الأخضر في كيس ومن ثم يبيعها على المارة. استطاع أن يجمع مبلغا يكفي لشراء اللحم وأعواد حطب وفحم. أنشأ كشكه على الطريق وبدأ يبيع المشاكيك. وكان فخورا وسعيدا وهو يعطي أمي المال الذي جناه.
وكانت أمي تفرح.
أحست يومها أنها متكئة على جدار صلب. كان شعورًا كاذبًا محضًا تجرعت مرارته حين تهادى الجدار في لحظة بعد أن استسلم زبير للمخدر من جديد… هل نلومه؟ امممم؟
فاطيمة الجميلة التي تشبه نجمات التلفزيون تزوجت من مديرها في العمل، رجل مسن ثري ومبتئس، هل كنت تعلم أنها لم تخلق جميلة سدى؟ أخبرتنا أمي أنه جعلها قبل ذلك سكرتيرته ورغم أنها لم تكن تنهض من مكتبها وكانت تشعر في أغلب الوقت بالملل، إلا أنها كانت تعمل وكان عملها منتجًا جدًا وساحرًا. مثل ثريا جميلة على السقف أو وردة يانعة على المكتب. كانت وظيفتها الحقيقية هي الجلوس في مكتبها متململة حتى يتسنى للمدير تأملها جيدا. وبعد أن تزوجته وأصبحت تزين بيته نسيتنا. جاءت قبل أشهر إلى حينا الشعبي تقود سيارة فارهة، سألت عننا، وضعت نقودا في يد أمي بعد أن قبلتها ثم غادرت تاركة إياها تغرق في دموعها.
أي الحكايات تهمك أكثر؟ حكاية خاتون؟ أم حكايات صغارك الذين كبروا؟ أبي؟ لماذا تركتنا؟ أنت لم تكن مخنوقا بأيدينا، لم نقس عليك فلماذا قسوت علينا؟ خمسة عشر سنة ويدك بعيدة عن خيوط حكاياتنا التي تنعقد فنسعى لفكها يائسين، ترتخي فنحاول أن نشدها عاجزين. لقد قدمنا لزيارتك اليوم بكل شجاعة لنخبرك عن تفاصيل كثيرة غابت عنك. هل ظننت أنك ستتخلى عننا بسهولة؟ الحمام يعود إلى عشه حتى ولو كان هذا العش قفصًا ضيقًا. دعك مننا الآن، فأنت لن تهمك حكايتنا حتما، لم تردد الأذان في أذني يوم ولادتي، لم تتقيأ مهديم الحليب على دشداشتك، ولم ننم في الفراش بينك وبين أمي، لنكمل :
« بقيت الأختان في المنزل وحيدتان بلا معين، أبناء لال بيبي الكبار الثلاثة وكما تحب أن تصفهم هي: كلاب، ينامون الصباح ويسهرون الليل يلمعون سياراتهم الرخيصة أمام البيت، ونحن كنا صغارا. وكم كانت فرحة الأختين كبيرة يوم أصبحتا عاملتا نظافة في المدرسة المجاورة يمتلكن أجرهن الشهري الذي يسد احتياجات المنزل البسيطة. ومثل كل حياة تمضي الأيام، نعيشها كيفما اتفق، نكبر وتكبر أحلامنا، لكننا لا نحلم لوحدنا! ولا نحب لوحدنا، خاتون تحب لال بيبي، لال بيبي تحب خاتون، لال بيبي تحب أبناءها الكلاب مهما فعلوا، خاتون تحب أبناءها الصغار مهما كبروا، في ليلة مشؤومه دخل ابن لال بيبي البيت، لم يكن ثمة أحد سوى مهديم تراجع دروسها، خاتون ولال بيبي تحضران عرس احدى الجارات، شاهد الرجل ابنة خالته لوحدها، تبدو فرصة ثمينة وجامحة. قرر أن يفعلها الليلة. صرخت مهديم وقاومت وكادت أن تستلم لولا أن سكينا اخترقت ظهر الرجل الآخر الذي كان على خاتون أن تقضي عقوبة السجن المطلق لتحمي ابنتها منه… وكان السجن أخف ألما على خاتون من بصقة لال بيبي عليها يوم رأت ابنها جثة هامدة تسيل دما»

ونزور أمي في السجن. يمنعنا عنها حاجز زجاجي شفاف ومقيت. مرات كثيرة أشعر برغبة في كسر الزجاج واحتضانها. اشعر بالعذاب. لكنها لم تكن تبك أمامنا. لم تبك سوى مرة واحدة يوم أخبرناها أن خالتنا لال بيبي عادت إلى موطن أجدادها البعيد بعد أن بدأت تنخرُ الحياةُ هنا صلابتها. لم تعد تثق في أحد حتى في كلابها. ورحلت باحثة عن السلام، هناك.
هيه؟ هل آلمتك نهاية أمي؟ لا خوف، هي إمرأة قوية، وأنت رجل ضعيف، فكيف ستكون نهايتك؟ انظر إلى نفسك، مسجى كسمكة ميتة، صامت كليل، هش كندفة ثلج. ماذا حدث لك؟ صوتك المتحشرج الذي يروَض زبير صار أنينا، يدك التي تهاوت على ظهر فاطيمة مرتخية، ملامحك التي تُعجب مهديم صارت تثير شفقتها الآن وهي تقف أمامك تبكي وترفض محادثتك.
إن تحدثت مهديم فستردد ما تكتبه في مذكراتها التي أتلصص عليها سرًا. ستخبرك أنها تحب اسمها الذي منحتها إياه أنت لحظة حنين قاس إلى موطنك، هذا الاسم أهداها الكثير من الغربة غير أنها تحبه وأحبته منذ أن تعلمت كتابته أول مرة في طفولتها قبل سن المدرسة. صارت تكتبه على الأوراق والكتب وفي يدها وقدمها حتى فرغ الحبر من قلم فاطيمة التي هددت مهديم بالضرب المبرح إن لمست قلما واحدا من أقلامها مجددا. لكنها لم تيئس فهي تحب اسمها كثيرا، صارت تتسلل إلى أقلام فاطيمة خلسة، تكتب اسمها حول سرتها وتخبئه تحت ثوبها كأنها تخبيء طفلًا. ستخبرك مهديم أنها ستصبح طبيبة وأن الحياة الصعبة علمتها كيف تصير فراشة تخرج من شرنقتها كما كتبت في مذكرتها. ستقول لك أن فقدان الأب والأم والعيش في شقة-تدفع ايجارها أختها الثرية-مع أخ مراهق مضطرب نفسيا-تقصدني أنا- كان دافعا كبيرا لها كي تنجح لا كي تنحرف. ها هي تغادر المكان، يبدو أنها غضبت من إفشائي لسرها. هل كنت تعلم أنها أحبتك تماما كما أحبت اسمها. هي لم تجيء إلى هنا لتتكلم، بل لتبكي، وربما كي تشكرك على منحك إياها هذا الإسم، الشيء الوحيد الذي أحبته منك. بالمناسبة ما رأيك باسم شهيرة؟ أيناسبني؟
جيد أن مهديم غادرت. يمكنني الآن أن أتحول جلادًا يجلدك دون أن تشفق عليك ابنتك. أو أصرخ في أذنك وأقول لك بيقين أن الله لن يسامحك. لكنني لست سوى فتى ناعم وجبان. أتعلم؟ مثلما أوجدت مهديم شيئا يشعرها بوجودك، كنت أنا أهرب عنك بطريقتي، بعيدا عنك وعن ملامحك وعن لغتك. هربت إلى اللغة العربية أخبيء حزني بين حروفها، أغيب إلى عوالم الكتب، وأكتبني في سطر تمحيه دموعي. هل انتبهت لاستعاراتي المجنونة وأنا أسرد عليك هذه الحكاية؟ هل واجهت صعوبة في فهمها؟ يستحسن ذلك، حتى لا تشعر أنني ذو صلة بك. أتساءل، ما الذي كان سيتغير في حكايتي إن لم تختف أنت؟ قد أرسم شنبا وأنا في عمر الخامسة كشنبك وأكبر وأنا أحلم به، وقد يخشى أقراني في المدرسة التحرش بي حين يرونك معي. قد توبخني بشدة حين تراني أجالس الفتيات. هيا افتح عينيك وأخبرني، كيف ترى الطلاء الأحمر على أظافري. هل يبدو جميلا على يدي ابنك؟ انظر للغرة التي تنسدل على جبهتي؟ صوتي الناعم؟ هل يعجبك؟ اجتهدتا أمي ومهديم لتغيير سلوكي لكن محال. تعتقدان أنني مصاب باضطراب الهوية الجنسية لكن كل ما في الأمر أنني لا أريد أن أصير رجلا يشبهك، لا أريد. قال لي الأخصائي الإجتماعي يائسا وربما ساخرا : لماذا لم يعلمك ابوك الرجولة؟ قلت له: أبي لم يكن رجلا. نظر إلى عيني المكحولة ولم ينبس بكلمة. يقول أساتذتي أنني ذكي وفهيم وأتكلم كلاما أكبر عن سني. هم لا يعلمون أنني عشت حياة طويلة، لقد كبرت في السادسة حين لُطّخت طفولتي بماء رجل لا اتذكر ملامحه، وتعلمت الحيلة في الثامنة حين كنت أشحذ النقود في محطات تعبئة النفط. وأخذت دروس الحياة من أمي التي كلما رأتني حزينا بسبب الاضطهاد الذي أواجهه في المدرسة تقول:» ستكبر وتصبح رجلا يهابك الكل، أنا متأكدة. ستكبر وتنسى فالوقت كفيل بالنسيان.» لقد مضى وقتا طويلا، والآن أنا وحيد، وأريد امي كي أخبرها أنه ليس ثمة أقسى من أن تكون وحيدًا.
أبي، انتهى موعد الزيارة لكن حكايتي المتشظية لم تنته بعد. ثم وبصراحة المكان هناك كئيب وموحش، يعيدني إلى ليال مخيفة وشبح أينما يممت وجهي كنت أراه، وجهه الظلام، جناحاه أغلال ثقيلة، كان أنت. تكلم؟ قل شيئا أغفر لك به؟ افعل شيئا قبل أن أغادرك، لا أملك سببا لأحبك لكن لا تدع سكوتك يكون سببا لأكرهك. أبي؟ ربما لن أعود، مد يدك وامسح على رأسي، ارني شكل ابتسامتك، اعطني ذكرى جميلة أذكرك بها، ماذا بك؟ ألم تشبع من نومك الطويل منذ أمد؟ ألا تتعبك كل هذه الأجهزة في جسدك، ألا يزعجك صوتها؟ يزعجك؟
حسنا. أنا سأغلقها،
ونم بهدوووء !