سرت المحررة .. في انتظار الحل السياسي الشامل

مختار بوروينة  –
mokhtarbourouina@yahoo.fr –

بعد أكثر من عام من القتال الشرس الذي خاضته القوات التابعة للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني مع مسلحي تنظيم « داعش » ، الذي وضع موطئ قدم له في ليبيا منذ 2015 في ظل الفوضى الأمنية التي تشهدها ليبيا ، وبعد تضييق الخناق عليه في سوريا و العراق ، توجت عمليات «البنيان المرصوص» بتحرير مدينة سرت الساحلية كاملا ودحر التنظيم الإرهابي ، لكن الحرب على الإرهاب في ليبيا لم تنته بعد .
وأعلنت القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا (أفريكوم) عن نهاية ضرباتها العسكرية في ليبيا بعد شن 495 غارة جوية حققت هدفها الرئيسي في السماح لقوات حكومة الوفاق الوطني بطرد المنظمة الإرهابية المعروفة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من سرت الليبية، وأنها ستواصل مساعدة ليبيا على مواجهة التهديد المتنامي لـ « داعش» .
كما أنهى الاتفاق السياسي الليبي عامه الأول وسط جدل كبير حول شرعية استمراره كوثيقة سياسية تصلح لتحقيق الوفاق بين الأطراف المتنازعة في ليبيا ، بشكل لم تنته في إطاره الانقسامات السياسية المتمثلة في وجود حكومتين، الأولى مدعومة من المجتمع الدولي ويرأسها فايز السراج ومقرها طرابلس ، والأخرى تتمركز في الشرق ولا تتمتع باعتراف المجتمع الدولي لكنها تحظى بمساندة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر .
على الرغم من الترحيب الدولي الواسع والدعم من دول كبرى للمجلس الرئاسي وحكومته إلا أن قائد الجيش المعين من برلمان طبرق ، اللواء المتقاعد خليفة حفتر، أبدى اعتراضه عليه وتمكن من عرقلته طيلة العام الماضي من خلال حلفائه السياسيين في البرلمان الذين أفشلوا محاولات مؤيدي الاتفاق السياسي في البرلمان عقد جلسة مكتملة النصاب للتصويت على تعديل الإعلان الدستوري ، ورفضوا تشكيلتين حكوميتين قدمهما المجلس الرئاسي بسبب المادة الثامنة فيه التي تقضي بنقل صلاحيات قيادة الجيش والمؤسسات الأمنية إلى المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ، ما يعني إقصاء اللواء حفتر من المشهد.
لكن إجابات السراج ظلت مفتوحة بمد يده لكل الفرقاء ومن اختلف معه من أبناء الوطن، مؤكدا أن الحرب على الإرهاب في ليبيا تتطلب توحيد القوى العسكرية في جيش وطني واحد وتحت قيادة عسكرية وسياسية موحدة، وتحرير مدينة سرت الاستراتيجية الليبية من قبضة الارهاب يعد تحديا نجحت حكومة الوفاق الوطني في رفعه وخطوة كبيرة تجاه تثبيت الاتفاق السياسي وبسط سلطتها في تسيير البلاد ومؤسساتها وقيادة معركة بناء ليبيا بإمكانيات أكبر مع إعادة تصدير النفط الذي ارتفع انتاجه الى 600 الف برميل يوميا بعد ما عرف ركودا واضحا بإنتاج 300 الف برميل يوميا ، وهي قفزة نوعية تحققت بعد استعادة السيطرة على المنشآت النفطية من جانب قوات حفتر، اذ تعتبر إدارة الثروة النفطية وتوزيعها من أهم المشاكل الأساسية التي يدور حولها الصراع الحقيقي في ليبيا.
بدوره، ناشد الممثل الخاص للأمين العام ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مارتن كوبلر الليبيين اغتنام فرصة تحرير سرت من قبضة « داعش » والعمل على جعل سنة 2017 للقرارات من أجل تحقيق تقدم سياسي وتعزيز المصالحة الوطنية والدفع قدما نحو تنفيذ الترتيبات الأمنية المؤقتة التي من شأنها أن تضع حدا لشبح الانقسام المخيف وتهديد المواجهات المسلحة الداخلية .
ومن الجزائر الى القاهرة مرورا بتونس عبر آليات دول الجوار الليبي ، وبعض دول الساحل الافريقي في إطار الاتحاد الإفريقي وبالتنسيق مع البعثة الاممية في إطار الاتفاق السياسي الذي يعد الأرضية الوحيدة التي تعطي الشرعية لكل ما يمثل ليبيا ، تبذل جهودا مكثفة بهدف تسوية الأزمة الليبية نهائيا والتعامل مع كل طرف يمكنه المساهمة في معادلة الحل الذي يدفع نحو التمهيد للمصالحة واعادة الاستقرار لليبيا .
في الاثناء ، تواصل الجزائر استقبالها للمسؤولين الليبيين على اختلافهم من أجل جمع الإخوة الأعداء ، في شرق ليبيا (بنغازي ) وغربها (طرابلس )، على طاولة الحوار تمهيدا لتشكيل حكومة وحدة وطنية تكون مقدمة لحل يرضي جميع الأطراف وينهي حالة الاقتتال المهدد بتفكك البلد .
ويؤكد الوزير الجزائري المكلف بالملف الليبي ، عبد القادر مساهل، ان العمل مع الأشقاء الليبيين يتم على أساس إيجاد حل سلمي للازمة دون ضغوط أجنبية ، وأن يكون الحوار ليبيا – ليبيا ، وهو ما أدى إلى التباحث مع كل من عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي ، وقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر ، وبعده رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، ثم رئيس مجلس الدولة عبد الرحمن السويحلي الذي زار إلى الجزائر ، مؤخرا ، بعد يوم واحد من التصريح المثير الذي أدلى بها اللواء خليفة حفتر إلى صحيفة إيطالية والذي رفض فيه الحوار مع حكومة فايز السراج .
من جانب آخر لم يتوان كوبلر في التعبير عن رده على القرار المفاجئ للواء حفتر، وبلغة الدبلوماسي المتابع عبر عن قلقه إزاء مخاطر التصعيد في ليبيا ودعوة الأحزاب الليبية لتجنب كل ما من شأنه تأزيم الوضع ، مثلما جددت أمريكا دعمها الثابت لحكومة فايز السراج ، وأعطى الناطق للخارجية تلميحات تعليق على تصريحات حفتر من خلال دعوة كافة الفصائل الليبية إلى التعقل ودعم حكومة الوفاق الوطني التي قال انها تسعى للحفاظ على وحدة ليبيا والإشراف على الانتقال إلى حكومة جديدة كما هو مقرر في الاتفاق السياسي الليبي، وان المواجهات بين الفصائل الليبية في وسط البلاد وتصعيدها في ليبيا يخدم «داعش»، وأنه حان الوقت لانخراط كل الليبيين في مسعى الحوار من أجل المصالحة الوطنية.
وتفيد الكثير من القراءات أنه لم يكن منتظرا من حفتر مثل ذلك التصريح بل وبعد نجاحه في استعادة شرق ليبيا بالكامل (باستثناء درنة)، وتطهير مدينة بنغازي باستثناء بعض الجيوب ضمن عملية عسكرية واسعة اطلقها في مايو 2014 تحت اسم «كرامة ليبيا» والسيطرة على جزء مهم من جنوب غرب البلاد بهدف تطهير البلاد بشكل عام من الارهاب، أن يستعد الجيش الليبي بقيادته لاستعادة العاصمة طرابلس التي تشهد انفلاتا أمنيا غير مسبوق في ظل استمرار المواجهات بين جماعات مسلحة متناحرة، وغالبا ما تجرى بين كتائب مسلحة وسط الاحياء السكنية مخلفة قتلى وجرحى، ما ادى إلى تصاعد الدعوات من أجل تدخل الجيش لفك وإنهاء حالة الفوضى لاسيما مع تصاعد نسب القتل والخطف.
ويجمع مراقبون للشأن الليبي على انه في حال نجاح الجيش في استعادة العاصمة فإن ذلك سينعكس على الوضع في كامل ليبيا ، حينها سيضطر الفرقاء السياسيون الى التعامل بجدية وتقديم تنازلات لإخراج البلاد من المأزق الذي تقبع فيه، مثلما عبرت عنه رسالة عضو الأمانة العامة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الليبي، علي الصلابي، التي وجهها إلى رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج ، بخصوص عقد جلسة حوار برعاية جزائرية بين المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق من جهة، وتيار قائد عملية الكرامة اللواء خليفة حفتر، وتيار المفتي الصادق الغرياني ، وتيار النظام السابق من جهة أخرى .
وأوضح على سبيل الرأي، إن التيارات ستجتمع كلا على حدة مع المجلس ثم في حوار عام يجمعها، وأن المدعوين من تيار المفتي هم الشيخ الصادق الغرياني والعميد صلاح بادي ورئيس حكومة الإنقاذ خليفة الغويل، والمدعوين من تيار حفتر هم خليفة حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح ، ورئيس الحكومة المؤقتة عبدالله الثني ، مشيرا إلى أن الشخصيات الممثلة للنظام السابق هم عقيل حسين المقرحي، والوزير السابق محمد الزوي ومحمد الشحومي، ويتحدد هدف الاجتماع في الاتفاق على عدة نقاط أهمها حكومة وفاق وطني ومصالحة وطنية ووقف لإطلاق النار والاتفاق على ميثاق وطني تحدد فيه أسس ومبادئ الدولة الليبية ، فضلا عن الوصول إلى انتخابات حقيقية للخروج من الفراغ الدستوري في البلاد، والتحضير لمؤتمر موسع للمصالحة تشارك فيه شخصيات اجتماعية وسياسية وعسكرية وعلمية من الوزن الثقيل لا يتجاوز100 شخصية من الشرق ومن الجنوب ومن الغرب لدعم مسار الحوار والتوافق والمصالحة.
رسالة الصلابي هي خطوة في الحل الليبي – الليبي المنشود وتحقيق مسعاها العام يحتاج إلى اتصالات ولقاءات عالية التمثيل لأطرافها بغية بناء الثقة بين هذه الأطراف أولاً ثم تقريب وجهات النظر بينها ، وصولاً إلى تحقيق التوافق بين جميع الأطراف من خلال العمل على مسارين ، الأول جمع كل فرقاء الأزمة على طاولة واحدة ورفض التدخل الخارجي ، والثاني هو توحيد الأجندات العالمية بشأن هذه الأزمة ، ذلك ما ينبغي أن يكون ويحشد له الدعم بعد تحرير سرت والانتقال إلى تنفيذ الاتفاق السياسي الشامل ، خاصة وان هناك جهود أخرى تقوم بها مصر في هذا المسار الذي يجمع بين مختلف الفرقاء الليبيين ، ولعل تلك الجهود كلها تنجح في تحقيق أهدافها لصالح ليبيا والشعب الليبي الشقيق .