هوامش .. ومـتون : رصاصةٌ من موسيقى.. وكلمات

عبدالرزّاق الربيعي –
razaq66@hotmail.com –

إذا كان لاصطفاق الباب في مسرحية إبسن «بيت الدمية»، بعد أن غادرت بطلتها
« نورا» بيت الزوجيّة «دوي ارتجّت له أركان العالم»، كما وصف أحد نقّاد المسرح، فإنّ الجملة الموسيقيّة الجنائزيّة التي وضعها تشايكوفسكي بعد إطلاق (يوجين) النار على شاعر شاب هو من أعزّ أصدقائه، بأوبرا(يوجين أونيجين) في مبارزة، بسبب الغيرة، هزّت كياني، وظلّت ترنّ في رأسي طويلا، بعد انتهاء عرض بُني على قصيدة ملحميّة لبوشكين، الذي فقد حياته بمبارزة، للسبب نفسه، فكأنّه تنبّأ بنهايته الفاجعة!
وكانت تلك الجملة الموسيقية من العنف، والألم بحيث حبس الجمهور أنفاسه في العرض الذي قدّمته فرقة مسرح ستانيسلافسكي ونيميروفيتش دانشينكو بموسكو،واستضافته دار الأوبرا السلطانية مسقط.
وقد التقط مخرج العرض (ألكسندر تيتل) هذا المشهد، ليجعل منه استهلالا تعبيريّا، صامتا، دون مقدّمة موسيقيّة اعتدنا عليها في العروض الأوبرالية، فكان اطلاق الرصاص، أوّل حركة للتمثالين الموضوعين على جانبي المسرح، على بعضهما البعض، بعد انسحاب المجموعة، وبها بدأ العرض الذي كانت ذروته رسالة كتبتها(تاتيانا) الفتاة الريفيّة الساذجة لـ( يوجين) الشاب المغرور القادم من المدينة، وكانت ردّة فعله صادمة، فسبّبت لها ألما كبيرا، فجاءت بمثابة رصاصة من كلمات، وتشاء الأقدار أن يلتقيا،بعد مرور سنوات، وعودته من سفر طويل، أمضاه بعيدا عن المجتمع، بعد قتله صديقه في المبارزة، ويجد الفتاة الريفيّة الساذجة قد تحوّلت إلى سيّدة مجتمع راق بعد زواجها من الأمير(غريمين)، وتبدو فاتنة، فتنقلب الصورة، ويقع في حبها، لكنّها تكون قد طوت تلك الصفحة للأبد، إخلاصا لزوجها، وإدراكا منها لهشاشة العاطفة، ليضعنا العرض أمام حقيقة صادمة: سراب الحب، ووهم العاطفة، والأقدار التي تقول كلمتها الفصل، وبذلك غاص في خفايا النفس البشرية، وهذا ما عمّقته موسيقى العرض الذي تألّف من فصلين، أدّى شخصيّاته ناتاليا بيتر، وجيتسكايا، وديمتري زويف، وقاد به الأوكسترا الروسي فيليكس كوروبوف، وكما وضع تشايكوفسكي في السيمفونية السادسة «روحه كلّها فيها» كما ذكر في خطاب له، فالذي استمع إلى موسيقى أوبرا (يوجين أونيجين) يرى إنه وضع عاطفته، ووجدانه، وآلامه فيها، من خلال مزج الآلات الموسيقية المختلفة، وتنامي البناء الدرامي الذي عزّزته المقطوعات الغنائية، فجاءت مناسبة انسيابا يرتقي بالحس، والوجدان، ويخاطب العاطفة، وممّا زاد من توهّج عبقريّته، في هذا العرض، أنه كان يحب أشعار بوشكين، وذكر في خطاب له إنه «مسحور» بها، و«منجذب إليها » ولهذا استمد من أعماله أوبرات ثلاث، وهي (يوجين أونجين)، و(مازيبا) و(ملكة البستوني)، ويقال أنّ الرسالة التي وجّهتها (تاتيانا)، بطلة الملحمة، نكأت جرحا قديما في وجدان تشايكوفسكي، إذ سبق له «أن تلّقى هو الآخر رسالة اعتراف مشابهة من تلميذته، أنطونينا ميليوكوفا» كما يقول د. ناصر الطائي، وكان من طبيعة تشايكوفسكي أن يحول كل موقف مؤلم في حياته إلى عمل فني، فيسكب ألمه في موسيقاه التي جاءت ذات طابع جنائزي، كما هو الحال في (السيمفونيّة السادسة) التي كتبها حزنا على قطع صديقته السيدة فون ميك، علاقتها به بعد 17 عام من المراسلات.
لقد أدخلنا المخرج في أجواء القرن التاسع عشر بروسيا، من خلال تساقط ندف الثلوج، والأزياء، والعربات، والجرافات، ولجأ للرقصات لكسر حدّة الحزن الذي غلّفها، كما ملأ المساحة الزمنية الطويلة للعرض – استغرق الأول ساعة، ونصف الساعة، أما الثاني فجاء في 55 دقيقة – طردا للملل، بمقطوعات غنائية تشيع روح البهجة، جاءت خاطفة، كما رأينا في الحفل الراقص الذي أقيم في عيد اسم «تاتيانا»، بالمشهد الرابع، واستخدم أسلوبا تعبيريّا، وبرع في تحريك المجاميع، وبعض الديكور، فالمشاهد التي تسمو فيها العاطفة كانت تؤدى فوق الجسر، في النصف العلوي من المسرح، بينما جعل المشاهد التي تخمد بها العواطف، وترتفع الكراهيّة، والزيف،تؤدى على أرضيّة المسرح، وفي مشهد جمع (أوجين) بعد أن قرأ على رسالة (تاتيانا)، أخفى وجهها خلف الأقمشة، تعميقا للتعبير، وأضاف للخشبة تمثالا أدار ظهره للجمهور، كتعبير عن إدارة ظهر البطل للبطلة الخائبة، أما في مشهد المبارزة، فقد جعل الأعمدة الثابتة تميل قليلا إلى يمين الجمهور، تهيئة لحدوث اهتزاز في القيم، تمثّل في قتل البطل لصديقه الشاعر الذي رثى من سيلقى حتفه، وبارك لمن سينجو، قبل المبارزة بمونولوج تجلّت به عبقريّة بوشكين:
«بورك الصباح الذي سيشرق غدا
وبوركت ظلمة القبر أيضا»
مشهد القتل يقابل مشهد (يوجين) الذي أطلق رصاصة من كلمات على قلب (تاتيانا) الجريح:
«تذكّر إنّني وحدي تماما هنا»
فكانت الرصاصة هي القاسم المشترك في المشهدين، كونها قتلت إنسانا في الأول، وطعنت قلبا محبّا في الثاني، والجريمة واحدة.