أوروبا بين نار ترامب ورمضاء بوتين

ناتالي نُوجَايَرَيْد  –
ترجمة قاسم مكي –
الجارديان –

انشغلت العواصم الأوروبية بإرسال مبعوثين إلى نيويورك لتحسس نوايا دونالد ترامب. فأنجيلا ميركل، التي سبق أن وجهت تحذيرا خشنا للرئيس الأمريكي المنتخب يوم 9 نوفمبر الماضي ، أرسلت مستشارها المقرَّب كريستوف هوسيغين للقاء الجنرال مايكل فلين، مستشار الأمن القومي الأمريكي الجديد، في أواخر ديسمبر. أما فرانسوا أولاند، الذي علَّق في أثناء حملة ترامب بأنها (أي الحملة) جعلته يرغب في «التقيؤ»، فقد أرسل مستشاره الدبلوماسي جاك أوديبير. والآن أعلنت تيريزا ماي أنها ستسافر إلى واشنطن للقاء ترامب بنفسها في الربيع القادم. ولكن الزعماء الأوروبيين في حيرة من أمرهم إزاء ما يتوقعونه من الرجل. ومن الصعب أن يكون ذلك مبعثا للدهشة عندما تصدر أهم التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية عبر تويتر. وكان مسؤول ألماني قد قال لي مؤخرا، بعد أن أشار إلى أي حد تعاونت ميركل مع أوباما حول موضوع أوكرانيا وقضايا أخرى،«نحن في عالم آخر». إن أي شيء يصدر عن ترامب ويحيِّر أَلْبَابَ الأمريكيين الليبراليين ويصيبهم بالهم والغم يفعل أكثر من ذلك للأوروبيين الديمقراطيين بسبب مخاوفهم الجيوسياسية. ومع استقرار ترامب في البيت الأبيض وشماتة بوتين في الكرملين (وهما زعيمان غير ليبراليين يفضلان لعبة المجموع الصفري) تجد أوروبا نفسها محصورة بين نار ورمضاء. النار هي مَيلُ ترامب إلى الاستخفاف بالتحالفات وإظهار تعاطفه مع الساسة الأوروبيين اللاليبراليين. أما الرمضاء فهي توقعات بوتين بأن فرصا أكثر وليست أقل بانتظاره في مسعاه لتحقيق أهداف سياسته الخارجية. وهي أهداف ليس أقلها إعادة تخطيط معمار أوروبا لمصلحة روسيا. أما الأصوات التي يعلو ضجيجها في أوروبا الوسطى بأن ترامب سيكون حريصا على الاهتمام بالمنطقة لأن زوجته ولدت في سلوفينيا فهي تدلُّ إما على التهكم أو اليأس. وبالنسبة لأوروبا، يبرز مصدران للخطر. أولهما حقيقة أن المبادئ التي تأسست عليها الرابطة عبر الأطلسية في معاهدة شمال الأطلسي عام 1949 بما في ذلك الالتزام بالحفاظ على «الديمقراطية وحرية الفرد وحكم القانون» قد تتجه إلى سلة المهملات. والثاني هو أن أوروبا قد تشهد عودة (فكرة) مجالات النفوذ. وهذا شيء أُبتُلِيَت به تاريخيا ويعني في جوهره أن القوة تصنع الحق وأن الأقوياء يفعلون ما يستطيعون فعله فيما يعاني الضعفاء ما يجب عليهم أن يعانوه. وكما يبدو، ليس هنالك الكثير الذي يفصل ترامب عن بوتين في هذا الصدد. وإذا كان هذا هو الشيء «العادي الجديد» فعلينا أن نتوقع تدافعا أوروبيا غير لائق، إذ ستنطلق الحكومات لتأمين مصالحها الخاصة بها مهما كانت كُلفة ذلك لجيرانها ولمستقبل القارة. وسيكون بوتين منتظرا بذراعين مفتوحتين أولئك الذين قد يرغبون، خوفا أو إعجابا، في تعويض الانسحاب الأمريكي الاستراتيجي بالبحث عن ترتيبات جليلة مع الجار الشرقي العظيم. إن سلخ أوروبا عن الولايات المتحدة هدفٌ كشَفَ عنه بوتين منذ فترة طويلة. فأوروبا القوية والمتعاونة ستكون في صالح بوتين فقط إذا استحسنها أيديولوجيا مع وجود دعاة حماية الثقافة الوطنية من الأجانب مثل مارين لوبان وجيرت ويلدرز وفيكتور أوربان في موقع المسؤولية. ولكن إذا أمكن للديموقراطية الليبرالية أن تقاوم، خصوصا في فرنسا وألمانيا، فحينها سيواصل العمل على جعل أوروبا ضعيفة وممزقة. وهاهنا يتموضع التحدي المباشر. فكبار المسؤولين بمن فيهم قادة الاستخبارات في برلين ظلوا يحذرون علنا من استراتيجية روسية وضعت لعرقلة الانتخابات الألمانية القادمة من خلال حملات تضليل إعلامي وقرصنة إلكترونية. أما المسؤولون في باريس فقد كانوا أقل صراحة ولكنهم قلقون على نحو مماثل. ومما له دلالة أن الأحزاب الديمقراطية في ألمانيا ظلت تتشاور حول كيفية الرد في حال حدوث قرصنة واسعة النطاق للبريد الإلكتروني. ويبدو أن القصد من ذلك هو الالتزام بالامتناع عن استغلال المحتوى البريدي(المقرصن) في الحملات الانتخابية. ولكن مع وجود رئيسٍ أمريكي مستعد لإدانة أي نقد أو فضح للأنشطة الروسية الإلكترونية ألا يخاطر الساسة الأوروبيون بعزل أنفسهم؟ ليست هذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها أوروبا بعدم الارتياح العميق من رئيس أمريكي. فغزو جورج دبليو بوش للعراق خلَّف انشقاقا عميقا في القارة. وألحق معسكر جوانتانامو والتعذيب ضررا بالغا بصورة أمريكا. أما محاولة أوباما تحسين العلاقة مع روسيا فهي بالكاد كانت مقنعة خصوصا عندما أعلن في عام 2009 أنه يعكف على تقليص خطط الدفاع الصاروخي الأوروبي في الذكري السنوية للغزو السوفييتي لبولندا عام 1939. والأهم من ذلك أن إخفاقات أوباما الكبيرة في سوريا كلفت أوروبا ثمنا باهظا ليس فقط بسبب الطريقة التي قلبت بها أزمةُ اللاجئين السياسةَ الأوروبية رأسا على عقب ولكن أيضا لأن الفسحة الاستراتيجية التي أتاحها لبوتين مكَّنَته، بل ويمكن القول إنها دفعته إلى معاداة أوكرانيا بتلك الحدة في عام 2014. كما أن عقدَ «صفقاتٍ» مع بوتين، حسبما وعد ترامب، ليس جريمة أو فكرة سقيمة. فأوباما أبرم صفقات مع روسيا حول القضايا النووية وأفغانستان. إن السؤال الذي يشكل هاجسا لأوروبا هو هل ينطوي تعريف ترامب لمفهوم الصفقة على القبول بأية شروط قد يضعها بوتين؟ حتى الآن يبدو أن المزاج السائد داخل الحكومات الأوروبية الرئيسية هو محاولة تقليل الخسائر. ففي برلين، يتمثل الأمل في إمكان إقناع ترامب تدريجيا بالمحافظة على إرثِ 70 عاما من الارتباط الأمريكي بأوروبا. إذ يصعب على ألمانيا، مهما كان تصور الآخرين لها «كآخر زعيمة للغرب»، المضي لوحدها. وفي باريس، يُرَجَّح طرح التعاون ضد الإرهاب. أما بريطانيا فتريد إنقاذ ما يمكنها إنقاذه من «العلاقة الخاصة» فيما هي تتجه إلى «الخروج» من الاتحاد الأوروبي. ولا شك أنه يمكن الاعتماد على ضغط الجمهوريين التقليديين. ولكن لا يزال القنوط مستبدّا بالمسؤولين الأوروبيين. فلسان حالهم يقول «نحن ننتظر. دعونا نرى(ما سيحدث).» ومن المتوقع أن يقع أول اختبار رئيسي في دونباس. فإذا تراجع ترامب عن العقوبات المفروضة على روسيا حول أوكرانيا هل سيكون بمقدور الاتحاد الأوروبي الحفاظ على الجبهة المشتركة؟ يلمح المسؤولون الألمان سرا إلى أن ذلك (التراجع) قد يوجد انشقاقا عبر- أطلسي لن يتحاشونه إذا أُعتُقِدَ أن المصالح الجماعية لأوروبا في خطر. ويقول أحدهم «قد نحتاج إلى أن نمضي في هذا الطريق.» ويضيف بسرعة أن الكثير سيعتمد على نتيجة الانتخابات الرئاسية الفرنسية. هنالك جوانب قليلة مضيئة في هذه الصورة الكئيبة. فإذا كان ثمة شيء ساهم في تعزيز تماسك الموقف الأوروبي تجاه بوتين سيكون الاستياءَ من الغارات الروسية الواسعة النطاق على المدنيين في سوريا . كما يوجد أيضا حديث مستمر حول تقوية الموارد الدفاعية الأوروبية. ولكن لا أحد يعلم تماما ما يجب عمله إزاء الأسلوب المتمرد الذي يعتمده ترامب واستراتيجيته المتمردة بنفس القدر. ثمة مرارة حقيقية في الأجواء . لقد وعد أوباما في ثقة مسؤولا أوروبيا رفيع المستوى في العام الماضي بقوله «لا تقلقوا. لن أدع فلانا هذا يقترب من البيت الأبيض.» ويقول البعض إن الميزة الوحيدة لمجيء ترامب هي أن بوتين فَقَدَ فجأة احتكار ذلك النوع من التصرفات التي يستحيل التنبؤ بها على الإطلاق. ربما أن هذه التعزية ستكون قصيرة الأجل. ولكنها ليست كافية لبناء الثقة.

•الكاتبة معلقة الشؤون الخارجية بالجارديان البريطانية ومديرة تحرير سابقة لصحيفة لوموند الفرنسية.