نهاية القيادة الأنجلو – أمريكية لاقتصاد العالم

روبرت نيبليت –
ترجمة قاسم مكي –
معهد شاتام هاوس –
حين تترك بريطانيا الاتحاد الأوروبي فإنها ستكفُّ عن لعب أي دور في التحرير المستقبلي للسوق الموحدة في الاتحاد الأوروبي على الرغم من أنها (أي السوق) تشكل في الوقت الحاضر مقصدا لحوالي 45 % من الصادرات البريطانية. وستمضي قُدُما خططُ إنشاء اتحاد أسواق رأس المال (التي قادها المفوض البريطاني اللورد هل قبل استقالته عقب الاستفتاء) وإزالة العديد من حواجز تجارة الخدمات وإنشاء أسواق رقمية أكثر انفتاحا دون مشاركة بريطانية.  

منذ أيام رونالد ريجان ومارجريت تاتشر اتبعت البلدان حول العالم المثال الاقتصادي الأمريكي والبريطاني فخصخصت وحررت وفتحت اقتصاداتها للتجارة والاستثمار الأجنبيين. وهو مثال يطلق عليه أحيانا اسم «النموذج الأنجلوساكسوني.»
أما الآن فتصويت بريطانيا بمغادرة الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب رئيسا قادما للولايات المتحدة يشيران إلى نهاية القيادة الأنجلو-أمريكية للاقتصاد العالمي. وسيتوقف البلدان عن قيادة جهود التحرير الاقتصادي سواء في منطقتهما أو في العالم الأوسع في المستقبل المنظور. لقد كشف التصويتان البريطاني والأمريكي عن مطلب شعبي قوي باستعادة البلدين سيطرتهما على الاقتصاد الوطني. ويعني هذا للعديدين ممن انتخبوا ترامب التراجع عن مقاربة «دعه يعمل دعه يمر» للتجارة والاستثمار الدوليين. ويعتقد هؤلاء أن هذه المقاربة (حرية التجارة والاستثمار) ساهمت في ركود الأجور الوَسَطِية واستفحال عدم الأمان الوظيفي. والنتيجة كانت برنامجا انتخابيا لترامب تعهد فيه بمعاقبة الشركات الأمريكية التي تنقل الوظائف إلى الخارج بهدف تخصيص الأولوية لسلاسل الإمداد العالمية. كما ستضع أمريكا أيضا حدودا للتكامل الاقتصادي هذا إذا لم تتراجع عنه وتستعد للتخلي عن التفاوض حول شراكة عبر المحيط الهادي أو التفاوض مجددا حولها. وهي شراكة تمثل جهدا طموحا من جانب إدارة أوباما لتعميق قيم السوق الليبرالية عبر المحيط الهادي. أما التصويت لصالح خروج بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي فيبعث برسالة أشد تعقيدا.
فاستطلاعات الرأي العام منذ الاستفتاء تعني ضمنا أن أغلبية من البريطانيين لا تزال تفضل الانفتاح التجاري والاستثماري. ولكن عضوية السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي تفرض التزامات تؤثر على جوهر السيادة الوطنية، خصوصا حرية انتقال الأيدي العاملة من البلدان الأخرى الأعضاء في الاتحاد. ويعتقد بريطانيون عديدون أن الهجرة الكبيرة للأيدي العاملة إلى بريطانيا في الأعوام الأخيرة ضغطت على الأجور واستحوذت على الخدمات العامة والإسكان. وفي نظر دعاة تخلي بريطانيا عن الاتحاد ممن يناصرون السوق الحرة أن عضوية الاتحاد سجنت السياسة التجارية لبريطانيا في نظام تفاوض جماعي سلحفائي ومعقد. وهذا الوضع يمنع بريطانيا من عقد اتفاقيات تجارية مع بلدان الأسواق الصاعدة مصممة على أساس نقاط قوة الاقتصاد البريطاني مثل قطاع الخدمات. ولكن حين تترك بريطانيا الاتحاد الأوروبي فإنها ستكفُّ عن لعب أي دور في التحرير المستقبلي للسوق الموحدة في الاتحاد الأوروبي على الرغم من أنها (أي السوق) تشكل في الوقت الحاضر مقصدا لحوالي 45 % من الصادرات البريطانية. وستمضي قُدُما خططُ إنشاء اتحاد أسواق رأس المال (التي قادها المفوض البريطاني اللورد هل قبل استقالته عقب الاستفتاء) وإزالة العديد من حواجز تجارة الخدمات وإنشاء أسواق رقمية أكثر انفتاحا دون مشاركة بريطانية. لقد رفض الناخبون البريطانيون والأمريكيون القبول بالتطور المنطقي للنموذج الأنجلو ساكسوني. وهو تطور انتقل بمقتضاه هذا النموذج من تحطيم الحواجز التجارية على الحدود الوطنية إلى معالجة الغابة الكثيفة من النظم غير الجمركية التي كثيرا ما تقيِّد التجارة والاستثمار وراء الحدود. إن الحكومات الوطنية تستخدم عموما هذه النظم اتباعا لأولويات سياسية محلية مثل تحسين كفاءة الطاقة أو ضمان صحة وسلامة المستهلكين.
ولكنها يمكنها أيضا توظيفها لحماية قطاعات في الاقتصاد من المنافسة الخارجية. (النظم غير الجمركية» أو بدقة أكثر «الإجراءات التجارية الأخرى بخلاف التعريفات الجمركية» هي، بحسب موسوعة إنفستوبيديا، الحواجز التجارية التي تقيِّد واردات وصادرات السلع والخدمات من خلال آليات أخرى غير التعريفات الجمركية ويمكن أن تأخذ شكل حصص أو كوتات وتأخير جمركي وحواجز فنية وسواها – المترجم.) لقد كان المفوض الأوروبي البريطاني اللورد كوكفيلد الذي عينته مارجريت تاتشر هو من أعان على وضع خطة السوق الموحدة التي فككت الحواجز غير الجمركية بالاتحاد الأوروبي. ولكن القيام بذلك انطوى على تبني مفهوم «اقتراع الأغلبية المؤهلة». وبعد 30 عاما لاحقا، لم يهضم بريطانيون عديدون فكرة إمكانية فرض نظم أو إجراءات قانونية عليهم بواسطة أغلبية البلدان الأخرى الأعضاء في الاتحاد بصرف النظر عن استفادة أو عدم استفادة تجارة بلدهم من هذه الإجراءات. وعلى نحو مماثل، يبدو أن الرئيس المنتخب ترامب مستعد للنأي بالولايات المتحدة عن وضع قواعد مشتركة لتعزيز التجارة والاستثمار حول آسيا الباسيفيكية. وسيركز الرئيس المنتخب بدلا عن ذلك على إزالة القيود البيئية الداخلية المفروضة على الشركات الأمريكية إلى جانب النظم المالية في حقبة ما بعد الأزمة المالية والتي، حسب اعتقاده، تقيِّد أيضا النمو في الولايات المتحدة. وفي هذه الأجواء تبدو التوقعات قاتمة بشأن إكمال شراكة عبر الأطلنطي للتجارة والاستثمار بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فلا يوجد الآن الكثير الذي يحفز النواب الأمريكيين والأوروبيين على تقديم تنازلات حول معاييرهم التنظيمية في قطاعات حساسة سياسيا مثل سلامة الغذاء والبيئة والمواد الصيدلانية. بل نحن في الحقيقة قد نشهد فترة تنافس تنظيمي «عبر أطلنطي» أكثر حدة. فبالإضافة إلى النزاعات الدائرة حول استخدام الكائنات المعدلة وراثيا في الزراعة، يطعن الاتحاد الأوروبي في معايير الشركات الأمريكية حول حماية البيانات ومقارباتها لموضوع التهرب الضريبي.
ومن المرجح أن تَرُد إدارة ترامب باتخاذ موقف يتسم بالمواجهة. ومن شأن ذلك أن يشكل معضلة لبريطانيا. فقد تجد بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي أن عليها، فيما هي تبحث عن اتفاق تجاري، الاختيار بين التقارب التنظيمي عبر الأطلنطي (مع الولايات المتحدة) وبين سوقها الرئيسية في الاتحاد الأوروبي. إنها لمفارقة أن «بَطَلَي» النظام الاقتصادي الليبرالي يوشكان على التراجع عن تعميق جذور الاقتصاديات الليبرالية في منطقتيهما ويختاران بدلا عن ذلك العودة إلى عهد الاتفاقيات التجارية التبادلية والأكثر انتقائية. ربما أن القيام بذلك سيتيح للساسة والمواطنين في كلا البلدين الوقت الكافي للتواؤم مع الاضطرابات التي سبَّبَها التحرير الاقتصادي في الماضي.
ولكن أمريكا وبريطانيا تخطوان إلى الوراء في وقت تعاني فيه منظمة التجارة العالمية من الشلل. إنهما تفعلان ذلك حين يكون بمستطاع القوى المنافسة لهما استخدام الفراغ (الناتج عن تراجعهما) للترويج لنماذجها الاقتصادية الخاصة بها في مناطقها بما في ذلك نموذج التمحور الاقتصادي حول الدور الذي تفضله بيجينج أو التمحور السياسي حول الدولة الذي يتم الترويج لها من الكرملين.

• الكاتب مدير المعهد الملكي للشؤون الدولية «شاتام هاوس» في لندن.