طريق النهضة.. جدول أعمال الأمة

هل تعاني الأمتان العربية والإسلامية من تراجع حضاري حقيقي؟
تأليف :د. رفيق حبيب ـ عرض وتحليل : إميل أمين –
هذا كتاب يجب ان يقرأ في هذه الأيام لا سيما وأننا نقف أمام الأوضاع الراهنة للأمتين العربية والإسلامية، ويغالبنا الشعور بالإحباط أو اليأس. فمرات نرى أن الوضع الراهن لا يسمح بأي بارقة أمل، أو نتصور أن التغيير مستحيل. ومرات نظن أن الزمن ضدنا، وليس لنا. وفى الكثير من الأحيان، ننظر للتقدم الغربي، فنتصور صعوبة اللحاق بالغرب المتقدم. والحقيقة، أن تلك النظرات، لا تعبر عن الواقع التاريخي للأمة، ولكل الأمم والشعوب، فلا الهزيمة قدر لا مفر منه ، ولا التراجع الحضاري قدر لا مهرب منه.وكل الأمم والشعوب، تتراجع وتنهض، وتتقدم وتتخلف، وسنن التاريخ تؤكد على أن التغير في أحوال الأمم والشعوب، من سنن التاريخ ، مثلها مثل سنن الحياة والموت. يبلور المفكر المصري الدكتور رفيق حبيب صاحب هذا الكتاب رؤيته عن واقع حال الأمة هذه الأيام في سطور هذا الكتاب الشيق وعنده إن ماحققته الأمة في تاريخها الطويل، يعد نموذجا تاريخيا، أسهم في تاريخ البشرية. والآن تمر الأمتان العربية والإسلامية، بمرحلة تراجع، وتحتاج إلى أن تبدأ مسيرة النهوض الحضاري.

إذا كنا من صنع حالة التراجع الحضاري فهل يتوجب علينا صناعة حالة النهوض؟
أين توجد القوة الحقيقية للأمة؟ هل في جيوشها أم في وجدانها الداخلي وقيمها العليا؟

 

ما هي مسؤولية الأمة التاريخية؟

يطرح المؤلف علامة الاستفهام هذه ويرى أن مسؤوليتها هي أن تقوم بدورها في النهوض الحضاري. وفي كل لحظة، تتاح للأمة وسائل للنهوض، وعلى الأمة أن تحقق أفضل ما يمكن، حتى تصل إلى مرحلة النهوض الكامل.
والنهضة واجب على الأمة، بكل فئاتها وشرائحها. فعلى الجميع القيام بالدور المنوط بهم في النهوض، فالنهضة ليست فعلا سياسيا فقط، بل هي فعل حركي شامل، وعملية حراك حضاري متكاملة. فالنهوض يتحقق بقدر ما نحقق طفرة كيفية ونوعية وكمية، في مختلف مجالات الحياة. ولهذا فجهد كل جمهور الأمة، هو العماد الأساسي لتحقيق النهوض. وفي المقابل نجد أن على طليعة الأمة القيام بدور التوجيه والتنظيم لمسار حركة الأمة. فالأمة تحتاج لفئة تقوم بدور المنظم لحركة التغيير، وهنا يبرز دور حركات التغيير. وحتى تقوم تلك الحركات بدورها، عليها أن تحدد منهج التغيير المناسب للعصر الذي نعيش فيه. فلكل عصر خصائصه المميزة له، عن العصور السابقة عليه؛ بل إن كل مرحلة من المراحل لها ظروفها الخاصة.
ومنهج التغيير، وبالتالي منهج النهوض، يتوقف على ملامح العصر والظروف الراهنة. والحقيقة أن قدرة طليعة الأمة على قيادة عملية التغيير، تتوقف في جانب مهم منها، على قدرة هذه الطليعة على اكتشاف الطريق المناسب للنهوض، والذي يتعامل مع الواقع الراهن في أنسب الصور.
لهذا نؤكد على أن العصر الراهن، ليس معنا، وليس ضدنا، بل نحن الذين نحدد موقفنا من العصر. فبقدر ما نحقق من تكيف إيجابي مع الأحوال المعاصرة، وبقدر ما نحقق من استفادة من مستجدات الحياة، بقدر ما تكون ظروف العصر مناسبة لحركة التغيير. ولهذا علينا أن نعمل من أجل حركة تغيير حضاري، توظف العصر الراهن وتجعل من مفرداته وسائل لتحقيق نهوض الأمة.
يرى الكاتب أن عصر العولمة والمعلومات، يمثل فرصة تاريخية لتحقيق نهضة الأمة العربية الإسلامية. وكذلك أن أدوات فرض العولمة والتغريب على العالم، وأدوات فرض هيمنة النظام السياسي الغربي، والمشروع الحضاري الغربي، هي نفسها الأدوات المناسبة لتحقيق نهضة الأمة. وحول هذه الرؤية، تدور سطور هذا الكتاب .

التغيير منهج الحياة الثابت

يحدثنا المؤلف عن كيف إننا نصنع الزمن، والزمن لا يصنعنا. فلا توجد حالة مفروضة علينا، بقدر ما توجد ظروف نعيشها، ونتعامل معها. والحالة الراهنة للأمة، هي نتاج الظروف الحياتية المختلفة، بما فيها العوامل الخارجية وتلك الداخلية؛ ولكن المآل النهائي لحياتنا، يعبر في الجزء الغالب منه عن موقفنا الحياتي، وطريقة تعاملنا مع الظروف المحيطة. فالحالة الداخلية للأمة، تعبر عن موقف الأمة، وسلوك الناس، وتصرفاتهم واتجاهاتهم. والظروف المحيطة بالأمة، وهي العوامل الخارجية، تؤثر فينا بالطريقة التي نحددها نحن، من خلال أسلوب استجابتنا لهذه الظروف. لا يعني هذا، أننا نقدر على صنع ما نريد، أو أن حرية الاختيار التي تتمتع بها الأمة، تمكن الأمة من صنع الحياة التي تريدها. ولكن النتائج النهائية لحالتنا، هي في الواقع، نتاج التفاعل بين الظروف الحياتية العامة، الداخلية والخارجية، وبين إرادة الأمة وفعلها العملي، وسلوكها اليومي.
فإذا كانت الظروف المحيطة بنا، لها أثر سلبي فينا، فإن مدى تحقق هذا الأثر، يتوقف على فعلنا الإيجابي تجاه هذه الظروف. والناس في كل مكان، لهم فعل ، كما لهم رد فعل. فنحن نختار طريقنا أحيانا، ونحدد موقفنا من الظروف المحيطة في أحيان أخرى. وما بين الفعل ورد الفعل، يتحدد موقف الناس من اللحظة الراهنة. ويصبح نتاج اللحظة، ليس ظرفا مفروضا علينا فقط، بل محصلة التفاعل بيننا وبين الظروف المحيطة بنا. ولا نستطيع أن نصف موقف الأمة بالسلبية، أو بالإيجابية، فليس كل سلوكنا فعلا، وليس كله رد فعل؛ بل الحقيقة أننا نتفاعل مع الحياة وظروفها، في كل لحظة من اللحظات، ولا يخلو موقفنا من الفعل، كما لا يخلو من رد الفعل.
والغالب في الحياة أن الفعل يتلاحم مع رد الفعل، فيصعب التمييز بينهما. فالناس في حالة تفاعل دائم، مع ظروفهم ومواقفهم الداخلية، والظروف والمواقف المحيطة بهم. ويختلط الفعل مع رد الفعل، ويتحول الأمر إلى علاقة مستمرة من التأثير والتأثر. فلا الحياة في مجملها ظرف مفروض علينا من الخارج، ولا هي محض اختيار حر لنا. وبقدر التداخل بين التأثير والتأثر، بقدر ما تصبح الحالة الراهنة نتاج فعلنا، والظروف المحيطة به.

بين الحالة الراهنة وضعف الأمة

ربما نرى أن الحالة الراهنة، والتي تعاني فيها الأمة من ضعف ظاهر، تجعلها أسيرة رد الفعل، وتجعل الظروف المحيطة بها، هي صاحبة التأثير الأكبر؛ أو نظن أننا لم نعد قادرين على الفعل، ويغلب علينا رد الفعل؛ أو نتصور أننا لا نحدد مصيرنا، بل تحدده الظروف الدولية المحيطة بنا. والحقيقة، أننا في حالة الضعف، كما في حالة القوة، نشترك بنصيب موفور في المسؤولية عما يحدث لنا، ومن حولنا. ففي كل الظروف يكون لنا فعلنا المؤثر في حياتنا، وأيضا في حياة الآخرين، ومهما تغير ميزان القوة، فإن الناس لا تتحول إلى مستقبل سلبي، ولا يمكن أن نتصور أن حياة الناس تنتج من مواقف الآخرين ، ولا نتصور أن الناس لا تحدد مصيرها بدرجة مؤثرة. ففي كل الظروف، يكون للأمة دورها في صنع حالتها الراهنة، أيا كانت قوتها مقارنة بقوة الآخرين.إن الفرق بين حالات الضعف وحالات القوة، ليس في مقدار تأثيرنا في وضعنا الراهن، بل في اتجاه ونتائج هذا التأثير.
ففي كل الحالات يكون للأمة دورها المؤثر في حالتها الراهنة، ولكن في حالات الضعف، يكون لدور الأمة نتائج سلبية وغير مرغوبة، أما في حالات القوة، فيكون لدور الأمة نتائج إيجابية ومرغوبة.
فالأمة ليست مجرد مستقبل لتأثيرات خارجية، ولكنها تتفاعل مع هذه التأثيرات وتؤثر فيها، ولكن القضية الحاسمة تتعلق بالنتائج النهائية لتفاعل الأمة مع اللحظة التي تعيش فيها. ولهذا، تصبح الحالة الراهنة، والتي تتميز بالضعف والتراجع الحضاري، ليست حالة ناتجة عن الظروف الخارجية فقط، بل هي أيضا نتاج موقفنا من هذه الظروف، كما أنها نتاج مواقفنا الداخلية.
نخلص من هذا إلى أن الأمة مسؤولة عن وقوعها تحت الاستعمار، أيا كان شكله ومنهجه، كما أن الاستعمار نفسه يكون مسؤولا عن الاعتداء على الأمة. فإذا نظرنا إلى الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين، فلا ينبغي لنا أن نتصور أنه نتاج الفعل الإسرائيلي المعتدى فقط، بل هو أيضا نتاج موقفنا من هذا الاعتداء.وإذا نظرنا إلى محاولات الهيمنة التي تتعرض لها الأمة، ومحاولات التغريب، وغزو العراق وأفغانستان وغيرها، فيجب علينا أن نكتشف دورنا في هذه المحن، كما نحدد دور الآخر المعتدى علينا.

إشكالية تفاعل الأمة مع الآخرين

يجزم الباحث والمفكر المصري رفيق حبيب بأن الحالة الراهنة للأمة، هي نتاج التفاعل بين حالتها وموقف الآخرين؛ بل إن الغالب على حالتنا، أنها نتاج الضعف الداخلي للأمة، قبل أن تكون نتاج الاعتداء الخارجي فقط. فالضعف الداخلي، لا يمهد فقط للاعتداء، بل يجعله أيضا ممكنا أصلا. وحالة الضعف التي تمر بها الأمة، هي المسؤول الأول عما وصلت له الأمة من ترد في أوضاعها الحياتية. ويمكننا أن نعرف الفعل الإيجابي والفعل السلبي، أو الفعل ورد الفعل، من خلال العلاقة بين الفعل والظروف المحيطة به. فالفعل الإيجابي، هو الفعل المقاوم للظروف السلبية، والمستخدم للظروف الإيجابية؛ أما الفعل السلبي، أو رد الفعل، فهو الفعل الذي يتكيف مع الظروف السلبية المحيطة، ولا يستفيد من الظروف الإيجابية. ومعنى هذا، أن موقف الأمة يمكن أن يقاس بقدر موقفها من الظروف المحيطة بها، سواء الداخلية أو الخارجية، وأيضا بقدر موقفها من الإمكانات المتاحة لها، بحكم الوضع الداخلي والوضع الخارجي. وكأننا بصدد التمييز بين حالة الاستسلام للظروف الراهنة، وحالة المقاومة والفعل الإيجابي، تجاه هذه الظروف.فيمكن أن تمر الأمة بحالة من الضعف، تسمح بالكثير من التدخلات الخارجية، ولكن موقف الأمة المقاوم لما تراه تدخلا في شؤونها، هو الذي يجعل لها موقفا إيجابيا، يكون من شأنه تغيير الظروف المحيطة، أو العوامل الخارجية.
والمهمة الأساسية التي تقع على عاتق الأمة، هي العمل على تحقيق الواقع الذي تنشده؛ فإذا لم تتمكن الأمة من تحقيق ما تريد، فإن عليها أن تحاول، وعليها أيضا أن تقترب مما تريد. ولهذا يمكن أن نميز بين حالات الضعف، وبين حالات الفعل، فهناك فرق كبير بين حالة الاستسلام للظروف السلبية ومحاولة التكيف معها، وبين حالة المواجهة مع هذه الظروف والعمل على تغييرها، أيا كانت النتائج. فقبل قياس موقف الأمة من خلال ما يتحقق من نصر أو نهوض، علينا أن نقيس موقف الأمة من خلال ما يتحقق من فعل مؤثر على مجمل الظروف الحياتية الراهنة. والبداية الحقيقية، لن تكون بنصر أو نهوض مفاجئ ، ولكنها ستكون من خلال الفعل الإيجابي المؤثر، والذي يحاول مواجهة الظروف السلبية، والاستفادة من الظروف الإيجابية. والفعل الإيجابي، لن يحقق نتائج منذ اللحظة الأولى، بل سيدشن بدايات الفعل الحضاري الناهض، والذي يمكن أن يحقق التغيير المنشود عبر الوقت. نخلص من هذا إلى أن للأمة دورها في كل الحالات، ولها منهجها الحياتي المؤثر فيها، والذي يؤثر في الآخرين، كما يؤثر في مجمل الظروف الحياتية. وتلك هي نقطة البداية، لمواجهة الحالة الراهنة، التي تمر بها الأمة. فمن خلال المنهج الحياتي السائد بين أبناء الأمة، يتحقق لها تغيير الظروف السلبية، وتحقيق النتائج الإيجابية. ومن خلال النضال الحياتي المستمر، يمكن للأمة أن تصنع المستقبل الذي تتمناه.

الاجتهاد الدؤوب منهج حياة

ينبه صاحب الكتاب إلى انه غالبا ما يختلط علينا الأمر، ونرى أن المستقبل تحدده القوى السياسية، ولا نتصور علاقة المستقبل بحياة الإنسان العادي. ولكن الحقيقة، أن القوى السياسية تؤثر في المجال السياسي، والذي تظهر فيه تأثيرات الدولة، والقوى الحاكمة والنخب، كما تظهر فيه تأثيرات القوى المعارضة.
ولكن مجمل حياة الأمة، لا تحدده القوى السياسية فقط، بل إن القوى السياسية لا تستطيع أن تحول حالة الضعف التي تعيشها الأمة إلى حالة قوة، إلا بقدر دعوتها للأمة للنهوض. فالنهوض فعل الأمة، وهي التي تنهض، وهي التي تتراجع أيضا. فالحالة الحضارية للأمة، لا تصف حالة الدولة، قدر ما تصف حالة الناس. والدولة تساعد على الضعف، أو تعين على النهوض، والدولة أيضا تعاني من الضعف أو تتميز بالقوة؛ ولكن الحالة الحضارية العامة، هي في التحليل الأخير، حالة الأمة. وعندما نقول إن الأمتين العربية والإسلامية، تعانيان من حالة تراجع حضاري، فإننا نقصد الناس، ونصف حياتهم، ونشرح منهجهم وسلوكهم وتصرفاتهم. وتلك حقيقة يجب ألا تغيب عنا، فنحن أبناء الأمة العربية الإسلامية، المسؤولون عن حالتنا، ونحن الذين صنعنا حالة التراجع الحضاري، وعلينا أن نضع حالة النهوض الحضاري. وغالبا ما يختلط علينا الأمر مرة أخرى، ونتصور أن مقاومة العدو، هي مهمة فئة منا مؤهلة لذلك ومكلفة به، أو تظن أن مقاومة العدو هي من مهمة الدول لا الناس. ومرة أخرى، نقع في مغالطة تكشف عن مدى الضعف الذي يعترينا، فحالة الضعف هي التي تدفعنا لتوزيع المسؤوليات بعيدا عنا، حتى نصل لرؤية تجعل الناس غير مسؤولة عن حالها. والحقيقة أننا مسؤولون عن حالنا، وأننا أصحاب المسؤولية الأولى. وحتى عندما نتناول الاحتلال الإسرائيلي ، فلا نتصور أبدا أن مهمة مواجهة الاحتلال تبدأ وتنتهي عند الدولة، بل هي تبدأ بالناس، وتنتهي بهم أيضا وما موقف الدول والحركات السياسية والنضالية، إلا تعبير عن موقف الناس، وانعكاس لقدرة الأمة على الجهاد من أجل تحرير الأرض. ولا نتصور أن نصرا نهائيا على العدو، يمكن أن يتحقق من خلال القوة المفردة للدولة، بدون الاعتماد على قوة الأمة؛ بل إن أمتنا وعبر كل تاريخها، استمدت قوتها الحقيقية من إيمانها الداخلي، فكانت هي وقود النصر، ومصدر الكرامة.

الأمة بين الجيوش والإيمان والمعتقد

يؤكد المؤلف على انه إذا كانت بعض الشعوب تعتمد على قوة المؤسسات والجيوش النظامية، مثل ما يحدث في الدول الغربية، ومثل ما نجده لدى اسرائيل ،فنحن نعتمد على قوة الأمة وإيمانها، وقدرتها على الصمود والتحدي، وقدرتها على المقاومة والاستشهاد. فالقوة الحقيقية لنا تنبع منا، ولا تتمثل في مؤسسة أو قوة نظامية، بل تكتمل بهما. وتبقى القوة الحقيقية للأمة، في وجدانها الداخلي، وقيمها العليا. وهذا يجعل على الأمة مسؤوليات أكبر، فليس عليها أن تحقق القوة في دولة أو جيش، بل عليها أن تكون هي مصدر القوة وموضع تحققها. ويختلط علينا الأمر مرة أخرى، ونظن أن القوة هي السلاح، أو أنها الإمكانات المادية، وهو فهم يختلف مع الموروث الحضاري، والقيم التي تعلمناها من تاريخنا الممتد، بل ويختلف أيضا مع الواقع الراهن، وتجاربنا المعاصرة.
فالقوة هي قوة الأمة، قوة إيمانها، وقوة فعلها الناهض، وقدرتها على التفكير والإنجاز، ومجمل قواتها الحياتية، وفاعليتها في الحياة. وتلك القوة تترجم نفسها، في قوة العدة والعتاد، وتعبر عن نفسها في أدوات النهوض، وإمكانات الحرب. ولكن قوة الأمة الداخلية، تسبق إمكاناتها المادية، وتعهد لها، وتكتمل بها. ومن خلال القوة الوجدانية للأمة، تستطيع أن توظف ما لديها، لتحقق الجهاد المكلفة به، جهاد الدفاع عن الدين والأرض، وجهاد النهوض وتحقيق الرقى الحضاري. إن القوة في أمتنا، هي معنى قبل أن تكون مادة، أو شيئا، وهي مضمون الحالة التي تجسدها الأمة في حياتها، وفي كل المواقف، وفي كل الظروف، ومن المواقف الحياتية واليومية، إلى المواقف العامة. ولهذا، نجد أن للناس دورا مهما في مواجهة التحديات التي تمر بها الأمة، وهذا الدور لا يعنى أن كل الناس مكلفون بالحرب، أو مكلفون بأمور السياسة، فالقوة الحقيقية للأمة، لا تعني أن الأمة كلها تقوم بفعل الدفاع، بل يعني أن الأمة تحقق القوة، ومن هذه القوة يستمد كل فرد أو جماعة أو مؤسسة، القوة التي يحتاج إليها في الدور المكلف به. ولا نتصور مثلا أن الدولة قادرة على خوض الحروب دفاعا عن الأمة، إلا بقدر ما تملك الأمة من قوة ومن استعداد للجهاد. ويأتي بعد ذلك، ما تملكه الدولة من أدوات وإمكانات الحرب. ونخلص من هذا إلى أننا نحتاج إلى الأمة المجاهدة، التي يجاهد فيها كل فرد في مجال حياته، ويحقق الانتصار في حدود الدور المكلف به، ويتسلح بالقدرة على المواجهة، وعدم الاستسلام، تجاه الظروف التي يواجهها. ومن خلال حالة الجهاد العامة، يتحقق للأمة القوة اللازمة لتواجه التحديات الداخلية والخارجية، والتي تعترض طريق النهوض.

طريق النهضة والجموع الفاعلة

يستشرف الكاتب طريق النهوض الذي يبدأ من خلال تجمع القوى الفاعلة والقادرة على تحقيق الحياة المنشودة، وفي كل مجالات الحياة. وهنا نصل لأهمية دور الأمة. فالنهوض في نهاية الأمر، هو تغير إيجابي منشود، في مختلف جوانب الحياة: فهو تحسن في نهاية الأمر، هو تغير إيجابي منشود، في مختلف جوانب الحياة، فهو تحسن في أحوال الأسرة والعمل، وتقدم في سبل الحياة، ونهوض في دور القيم العليا الحاكمة للحياة. وحتى نحقق التغير المنشود، نحتاج إلى جهد الأمة كلها، كل في مجاله. والنهوض يحقق التغير على أرض الواقع، مما يؤدى إلى تحسن أوضاع الأمة، وامتلاكها زمام أمرها، ويؤهلها في النهاية لمواجهة التحديات الخارجية التي تعترض طريقها. ولا نستطيع أن نرجح دورا على آخر، ولا أن نرجح عاملا على آخر. ففي التحليل الأخير، تتأثر حياتنا بكل المتغيرات المحيطة بنا، كما أن تغيير أوضاعنا الراهنة، يحتاج لدور الأمة، كما يحتاج لدور الدولة، ودور الطليعة. ولكن المساحة التي تؤسس للنهوض، هي موقف الأمة، ومجمل حياة الناس، وفي تلك المساحة تتحدد بدايات وأسس النهوض، بل يتحدد أيضا طريق النهوض واتجاهه، والتصورات الحاكمة له. وعندما نغير منهجنا في الحياة، ونتحول من التكيف مع الأمر الواقع، إلى تغيير ذلك الأمر، وعندما يصبح منهجنا في الحياة قائما على الجهاد، أي يصبح الجهاد منهجنا في الحياة، عندئذ نبدأ طريق التغيير، الممهد لطريق النهوض. ومن هنا تظهر دلالة الجهاد بوصفه منهجا حياتيا، فهو يعنى الفعل الإيجابي المقاوم، والإيجابي البناء. فالمسألة لا تتوقف على العوامل السلبية التي نواجهها في حياتنا، بل أيضا على العناصر اللازمة للحياة، والتي لم نستطع تحقيقها. ولهذا، يصبح علينا أن نجعل سلوكنا اليومي، سلوكا مجاهدا ضد الظروف التي تؤثر سلبيا علينا، وسلوكا مجاهدا من أجل تحقيق وبناء الظروف التي نريدها. والفعل الإيجابي البناء، يتمثل في القدرة على تغيير الظروف الراهنة، وتوظيفها بالصورة التي تحقق ما نريد. ولا يمكننا الفصل بين مقاومة القوى المعادية لنا، والظروف غير الملائمة، المعوقة عن تحقيق الإنجازات الضرورية للحياة، وتحقيق الحياة التي ننشدها. إن هناك علاقة وثيقة بين القدرة على البناء، والقدرة على مواجهة التحديات، فكل بناء أو إنجاز جديد، يمثل قوة في المواجهة، وكل مواجهة تفتح الطريق أمام تحقيق إنجازات جديدة. وبقدر ما نستطيع الخروج من هيمنة القوى المعادية لنا، وبقدر ما نستطيع تحقيق إنجازات مميزة لنا، بقدر ما تتحقق قوتنا الحضارية، التي تمهد طريق النهوض. وحتى نستطيع تحقيق المجاهدة في الحياة، علينا أن نتسلح أولا بالعقيدة الدينية والحضارية، ونتسلح بالقيم العليا، ونرسم لأنفسنا طريقا نراه ملائما لنا.

التراجع الحضاري والأزمة الراهنة

عندما تراجعت الأوضاع الحضارية والحياتية للأمة، تعرضت للاستعمار الخارجي، والذي ظل حاكما للأوضاع فترة طويلة من الزمن. وأمام الاستعمار العسكري، حشدت الأمة كل طاقتها النضالية، وروحها الجهادية، لمقاومة الاستعمار. وتحقق التحرير في نهاية الأمر ولم تعد البلاد العربية والإسلامية محتلة، بل صارت محررة في أغلبها وإن بقي الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وعاد الاحتلال العسكري للعراق. وكان موقف الأمة في زمن الاستعمار واضحا وجليا، واستطاعت أن تحدد هدفها وتحدد عدوها، مما مكنها في النهاية من تحقيق الاستقلال السياسي. لكن فترة ما بعد التحرير، شهدت تحديات من نوع مختلف، حيث عاد الاستعمار في أشكال جديدة، غلب عليها الهيمنة السياسية والاقتصادية والحضارية. وتعرضت الأمة لسيادة النمط الغربي، وهيمنة المشروعات والأنظمة الغربية. وهو ما يعد نتاجا لتفوق الغرب في جانب منه، كما أنه نتاج لمحاولات الغرب للهيمنة، في الجانب الآخر.
فمن الطبيعي أن تهيمن الحضارة المتقدمة والقوية، على الحضارات التي تعانى من التراجع الحضاري، وهي هيمنة على العقول والتفكير، كما أنها هيمنة على مجريات الأمور على المستوى الدولي. وموقفنا من الحضارة القوية، يغلب عليه في مرحلة ما، وبخاصة المراحل الأولى بعد الاستقلال، نوع من التبعية والتأثر، حيث يفرض النموذج القوى نفسه، ويضعف البعض أمام هذا النموذج ، فيميل هذا البعض للتقليد. ونظن أن حالة الأمة بعد الاستقلال وجلاء المستعمر، غلب عليها ميل النخب الحاكمة لتقليد النموذج الغربي. فلم تكن معظم نخب التحرير واعية بالاستعمار الحضاري، قدر وعيها بالاستعمار العسكري؛ لهذا حاربت نخب التحرير الاستعمار العسكري، ولكنها خضعت في النهاية للاستعمار الحضاري.

النخب العربية والهيمنة الغربية

ولأن الأمة كانت، وما زالت، تعاني من التراجع الحضاري، لهذا وجدت النخب في المشروع الغربي، مادة تقلدها وتتبعها لتحقيق التقدم. وهو ما مهد وساعد على فرض الهيمنة الغربية، حيث أصبحت الأوضاع السياسية وحالة النخب الحاكمة مناسبة للوقوع في شراك الهيمنة الغربية. من جانبنا، كان هناك نقص فينا يعرضنا للوقوع تحت مظلة الهيمنة الغربية؛ ومن جانب الغرب، كان له مشروعه في الهيمنة، والذي يعني هيمنة السياسة والاقتصاد والثقافة والحضارة الغربية. وفي المشروع الغربي، الذي سمي في نهاية الأمر بالعولمة، حاول الغرب توحيد نظام العالم في إطار الحضارة الغربية، حيث يكون الغرب هو المركز الحاكم، وتصبح دول العالم الثالث كما تسمى، هي الأطراف التابعة. وبهذا عاد الاستعمار مرة أخرى، ولكن في صورة جديدة، فأصبح استعمارا حضاريا في المقام الأول يستخدم القوة العسكرية للترهيب كما حدث في الاحتلال الأمريكي للعراق. وهنا ظهر أثر ضعف الحالة الحضارية العامة للأمة، والتي لم تستطع مقاومة هذا الشكل الجديد من الاستعمار بالوسيلة المناسبة. فالصراع العسكري يحتاج لروح الجهاد النضالي، أما الاستعمار الحضاري، فيحتاج للجهاد الشامل، أي الجهاد في مجالات الحياة، وهو ما كان ينقصنا، ومازال؛ لأن الاستعمار العسكري يقاوم من خلال الحرب، بكل أشكال المقاومة الممكنة، ولكن الاستعمار الحضاري يحتاج لقوة ناهضة تبنى مستقبلا بديلا، وتبنى نموذجها الحضاري المتكامل. فمقاومة الاستعمار الحضاري لا تتحقق إلا بالنهضة، والنهضة فعل يحتاج لأمة مؤهلة للنهوض، في مختلف المجالات الحياتية. وحالة الضعف التي مرت بها الأمة، بعد تراجع نموذجها الحضاري، وتراجع دولتها، وتعرضها للاستعمار، أدت في النهاية إلى حالة من الأزمة الحضارية الشاملة، والتي تكرس حالة من الضعف في جميع مجالات الحياة. ولهذا تعرضت الأمة لصدمة حقيقية، وهي تواجه الظروف المتغيرة في الحياة، كما تواجه محاولات الغرب للهيمنة، وتواجه العدوان الأمريكي الصهيوني، وتواجه أيضا التقدم الغربي المذهل. وجميع تلك التحديات، أدى إلى مواقف من الأمة، والنخب الحاكمة، والنخب المثقفة، والدولة تدخل كلها في نطاق التكيف السلبي، أي اتخاذ مواقف من هذا الواقع الذي يتحدى الأمة، لا تؤدي في نهاية الأمر لتغيير هذه الحالة. وانقسمت ردود الفعل للتحديات التي تواجه الأمة، ما بين رافض لكل عدوان على الأمة وحضارتها وقيمها وعقيدتها، وما بين من يتوحد مع العدوان الذي تتعرض له الأمة. فهناك من قبل المشروع الغربي، وانهار تماما أمام تحديات الهيمنة، وأصبح يعمل من أجل فرض الهيمنة الغربية، ويدعو لما يدعو له الغرب، وأصبح هؤلاء وكلاء الغرب. ومن هذا الباب، عمل كثير من النخب على استيراد النماذج والأنظمة الغربية، حتى وإن كانت معظم النخب لم تكن متغربة بالمعنى الحضاري، ولكنها وجدت في الغرب وسيلة وطريقا لتحقيق التقدم، كما تصورته في مشروع الدولة القومية الحديثة.
ولكن بعض النخب المثقفة، مالت للفكرة الغربية نفسها، ودعت للتغريب، ونادت بالقيم الغربية. وأصبحنا أمام مقلد للنموذج الغربي في جانبه العملي والتطبيقي، ومقلد آخر للنموذج نفسه ولكن في جانبه الفكري. وغالبا ما كان الحكام أميل للنقل عن الغرب، دون أن يكون لديهم اقتناع مباشر بالقيم والأنماط الحياتية الغربية، فكانت الدولة في بلاد العرب والمسلمين، نموذجا للاستيراد عن الغرب، برغم أن النخب كانت أميل من حيث تكوينها للموروث الحضاري. أما النخب المثقفة، فهي التي روجت للمشروع الغربي من حيث قيمه وأسسه، وبالتالي لم تتوقف عند تقليد الغرب واستيراد نماذجه، بل دعت لنقل القيم الغربية، ونمط الحياة الغربي. وجملة هذه المواقف، تؤكد أننا بصدد حالة من حالات الاستسلام، وتوقف الجهاد بالمعنى الحياتي الشامل. فعملية تقليد الغرب، بهدف تحقيق التقدم، تعنى أننا بصدد محاولات تقوم على حالة من الضعف أمام الآخر، وتقوم على أساس من فقدان الثقة بالذات. فهذه النخب لم تر في نفسها أي قدرة أو إمكانات، ولم تر في تاريخها أي طريق أو أساس، ولم تر في أمتها أي أمل، بل مالت للاستسلام للنموذج الناهض، حتى وإن كان نموذجا مهيمنا، يبغي فرض سيطرته في نهاية الأمر؛ بل هو يبغي فرض سيطرته، وليس مساعدة الآخرين لتحقيق التقدم. فالدول الغربية تساعد الدول النامية، أو دول العالم الثالث، لتحقق قدرا من التقدم المحسوب، الذي يمكن من دمجها في النظام الغربي، دون أن يهدد التفوق الغربي.