… ضرورة الاستفادة من خبرات العقود الماضية

د.عبد الحميد الموافي –

إن الحوار العربي الأوروبي يمكن أن يسهم كثيرا في تحقيق السلام والاستقرار والتنمية والرخاء في الدول العربية، ليس فقط لأنه يمكن أن يبعد الشرق الأوسط عن الاستقطاب بين واشنطن وموسكو، ولكن أيضا لأن الإمكانات المتوفرة للجانبين كفيلة بتحقيق الرخاء في المنطقة.
قبل نحو عشرة أيام من انتهاء العام الماضي 2016م استضافت جامعة الدول العربية الاجتماع الرابع لوزراء خارجية الدول العربية ونظرائهم في الاتحاد الأوروبي، ومع أن هذا الاجتماع كان طرفه الآخر أهم تجمع سياسي دولي في عالم اليوم، وهو الاتحاد الأوروبي، إلا أن الاجتماع وما صدر في ختامه من بيان مشترك، وما عقد على هامشه من لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف، مر دون ضجيج، وربما دون أن يشعر به كثيرون، سواء في المنطقة أو في الاتحاد الأوروبي، وهو أمر مثير للقلق وللتساؤل أيضا، خاصة فيما يتصل بما يمكن أن يؤول إليه ما يعرف بالحوار العربي الأوروبي، أو العلاقات العربية الأوروبية، وما إذا كانت الاجتماعات، مجرد استجابة لضرورات التطورات الآنية الحالية، التي تفرض نفسها عربيا وأوروبيا، بشكل كبير وملموس، أم أنها ستكون بداية لخطوات أكثر تحديدا وقدرة على تحويل التوصيات والقرارات، والرؤى المشتركة إلى خطوات عملية على الأرض، لصالح كلا الطرفين، العربي والأوروبي أيضا، ومن ثم السلام والاستقرار الإقليمي والدولي الأوسع، وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى بعض الجوانب، لعل من أهمها ما يلي :
*أولا : إن الترابط بين المنطقة العربية ككل، وأوروبا بقواها التاريخية النشطة، بريطانيا وفرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا، وكذلك البرتغال وإسبانيا واليونان، هو ترابط ممتد في عمق التاريخ، ومتصل أيضا في الحقب المختلفة، بأشكال وصيغ عديدة ومتنوعة، وكان البعد الأمني والاقتصادي والتجاري هو الركيزة التي قامت عليها هذه العلاقات التي غلب عليها الطابع الاستعماري، ومن ثم فان الأمر يتجاوز الدول المشاطئة للبحر الأبيض المتوسط، أي الواقعة على أضلاعه الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية أيضا، فعلى مدى الألف عام الماضية عرفت أوروبا الفتح الإسلامي للأندلس، وعرفت الدول العربية الحملات العسكرية والاحتلال الأوروبي السافر والمباشر لمعظمها. وبالتالي فإن العلاقات والتفاعل العربي الأوروبي هو تفاعل قديم وممتد. ومن غير الممكن زعم أو تصور أنه أمر جديد، أو طارئ، فكل طرف، على الجانبين الأوروبي والعربي يعرف الآخر إلى حد غير قليل، بل ويدرك مدى أهمية وعمق الارتباط الأمني الوثيق بين أوروبا والعالم العربي من ناحية، وأهمية وقيمة الارتباط الاقتصادي والتجاري أيضا بين الجانبين من ناحية ثانية. غير أن هذه العلاقات الممتدة والضرورية أيضا للجانبين قد تأثرت بالآثار السلبية للاستعمار الأوروبي لدول المنطقة، وما صاحبه ونتج عنه من نتائج وآثار، لا تزال شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني تدفع ثمنها حتى اليوم. ولعل ذلك هو ما أصاب تلك العلاقات بقدر من الإحباط وعدم الحماس، المشوب بالتشكك في النوايا الأوروبية من جانب العرب، والمصحوب بقدر من النرجسية – إذا جاز التعبير – على الصعيد الأوروبي في النظر إلى العرب والعلاقة معهم. صحيح أن العقود الممتدة منذ مرحلة التحرر العربي في منتصف القرن الماضي قد كفلت قدرا من التغير في النظرة المتبادلة، وإنزالها، من جانب الطرفين العربي والأوروبي، على أرضية المصالح المشتركة والمتبادلة، وهى كثيرة، غير أن ذلك لا يزال يحتاج إلى جهد أوروبي في المقام الأول، وعربي بقدر كبير كذلك، حتى يمكن تحويل الفرص المتاحة، إلى خطوات عملية مفيدة على الجانبين.
وإذا كانت مشكلة تدفق اللاجئين العرب إلى أوروبا، وكذلك مشكلة انتعاش وتمدد التنظيمات الإرهابية في عدد من دول المنطقة، وانتقالها إلى أوروبا، بشكل أو بآخر، على مدى السنوات الأخيرة قد فرضت ضرورة العمل والتنسيق الأعمق والأوسع، والأكثر تخصصا في بعض المجالات، بين الدول العربية والأوروبية، إلا أن مراكب المهاجرين الأوروبيين كانت في سنوات الحرب العالمية الثانية تأتي من أوروبا في اتجاه بعض الدول العربية. على أية حال فإن الدول العربية والأوروبية تشعر الآن على نحو واضح وعميق أن هناك مشكلات لا مناص من التعامل الأوروبي العربي المشترك معها، سواء بالنسبة للاجئين، أو للتصدي لظاهرة الإرهاب، أو حل المشكلة الفلسطينية، أو التنمية في المنطقة العربية أيضا، خاصة أنه من المعروف أن دول الاتحاد الأوروبي هي الطرف التجاري الأكبر، على مستوى العالم، مع الدول العربية. ومن ثم فإن الأمر لا يرتبط بجوانب ظرفية طارئة فقط، ولكنه يستند إلى مصالح حقيقية موجودة، وينبغي الاستفادة منها والبناء عليها لصالح كلا الطرفين العربي والأوروبي، وهى مهمة مشتركة تقتضي عملهما معا، بثقة وقناعة أكبر.
*ثانيا : إنه ليس من المبالغة في شيء القول إن الحوار العربي الأوروبي لم يبدأ الآن، ولكنه بدأ في الواقع منذ أكثر من أربعين عاما، وتحديدا في أعقاب حرب أكتوبر عام 1973، فقد انطلق الحوار بين جامعة الدول العربية والدول الأعضاء في السوق الأوروبية المشتركة منذ قمة الجزائر عام 1974م، ومن خلال جامعة الدول العربية والسوق الأوروبية المشتركة في ذلك الوقت، وعقدت اجتماعات مشتركة شهدت خلافات أو اعتراضات أوروبية، حول مشاركة الوفد الفلسطيني، حتى تم التغلب على ذلك، كما أدى اختلاف الخبرات التنظيمية، بين الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، والمفوضية الأوروبية في بروكسل، إلى حدوث تعقيدات تنظيمية، وعلى صعيد آخر ظهرت توجهات، عربية وأوروبية للتعامل الفردي أو المحدود العضوية بين الجانبين العربي والأوروبي، نظرا لارتباط المصالح بشكل أكبر بين أطراف عربية وأوروبية محددة على الجانبين، وبالتالي كانت هناك مسارات أكثر نشاطا وأقل عددا، ومنها مثلا الاتحاد من أجل المتوسط الذي يضم الدول الواقعة على شواطئ البحر المتوسط، ومجموعة 5 5 بين دول اتحاد المغرب العربي وعدد من الدول الأوروبية، والحوار بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، ومفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين، والشراكة الأوروبية المتوسطية منذ عام 1992م التي تشارك فيها إسرائيل. وبالطبع ساهم ضعف جامعة الدول العربية، خلال السنوات الماضية، بفعل التطورات والعلاقات المشوبة بالخلافات بين الأشقاء، في إضعاف الحوار العربي الأوروبي. وعلى ذلك فإن النقطة الإيجابية في الاجتماع الرابع لوزراء خارجية الدول العربية والأوروبية الأخير، أنه أفسح المجال أمام العودة إلى الصيغة الأشمل للحوار العربي الأوروبي التي تضم كل الدول العربية والأوروبية (22 دولة عربية و28 دولة في الاتحاد الأوروبي)، وهذه صيغة تحتاج إلى جهد وعمل دؤوب من أجل تفعيلها بشكل حقيقي، ليس فقط لأنها تضم 50 دولة، ولكن أيضا لأن هناك جوانب كثيرة متاحة للاستفادة منها، إذا نجحت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية والمفوضية الأوروبية في بروكسل في استثمارها لصالح الجانبين، وعدم الوقوف فقط أمام مشكلتي اللاجئين والإرهاب الملحتين. وإذا كان العمل الجماعي في إطار الحوار العربي الأوروبي لا يتعارض ولا يفرض المساس بمسارات التعامل الأخرى بين بعض الأطراف على الجانبين إلا أن العمل على المستوى الجماعي سيحتاج إلى حشد طاقات كلا الطرفين العربي والأوروبي وبوعي وإرادة سياسية كافية ورغبة حقيقية في الإنجاز. صحيح أن العمل على مسارات أقل عددا من دول الجانبين قد تكون أكثر جاذبية أحيانا، ولكن الصحيح أن العمل على الصعيد الجماعي أكثر فائدة للجانبين العربي والأوروبي، خاصة إذا نجحت الأمانة العامة للجامعة العربية ومفوضية بروكسل في القيام بدورها المنشود بشكل فعال وعملي.
* ثالثا: إنه ليس من المبالغة في شيء القول إن الموقف الأوروبي من الحل السلمي للقضية الفلسطينية، ومن الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، قد تطور كثيرا عما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي، بل إن دولا أوروبية اعترفت بالدولة الفلسطينية، وكل دول الاتحاد تدعم حل الدولتين، ومؤتمر باريس أمس الأول كان بالغ الدلالة في هذا المجال. ومن ثم تخلص الحوار العربي الأوروبي من مشكلة كانت تعطله، حيث كان الأوروبيون يسعون إلى أرضاء إسرائيل بكل السبل، مقابل كل خطوة ولو صغيرة يخطونها نحو العرب. من جانب آخر فإن هناك رصيدا كبيرا من المقترحات والمشروعات، وصيغ العمل بين جامعة الدول العربية والمفوضية الأوروبية، لا تحتاج سوى إعادة النظر فيها مرة أخرى للخروج منها بما يناسب الأوضاع الحالية لخدمة المصالح المشتركة والمتبادلة. وإذا كانت التجارة بين الجانبين قفزت قفزات كبيرة فإن التعاون الأمني يسير بخطى حثيثة، كما أن مشكلة اللاجئين والهجرة عير الشرعية تمثل مجالات عمل مفتوحة أمام الجانبين. غير أن قضية استعادة الأمن والاستقرار في دول الشرق الأوسط تظل مسألة بالغة الأهمية، ليس فقط من خلال التغلب على داعش والمنظمات الإرهابية، ولكن من خلال حل القضية الفلسطينية، وتطبيق حل الدولتين كمدخل لا غنى عنه لتحقيق السلام في المنطقة وهو ما أكد عليه الرئيس الفرنسي في مؤتمر باريس، ويضاف إلى ذلك أن قضية التنمية ونقل التكنولوجيا، وتحديث المجتمعات العربية تظل قضية حيوية، لارتباط الأمن الأوروبي بأمن الشرق الأوسط والمنطقة العربية خصوصا، ومن هنا فإن لأوروبا دورا بالغ الأهمية لابد أن تقوم به، ومن حسن الحظ أنها تدرك أهمية وضرورة ذلك، وتقبل بتحمل تبعاته وأعبائه المادية الكبيرة.
ومع إدراك أن الحوار العربي الأوروبي لن يعني تخلي الاتحاد الأوروبي عن دعمه لأمن إسرائيل، ولا عن جوهر سياساته المعروفة حيالها، برغم تطور موقفه حيال حل الدولتين والحقوق الفلسطينية المشروعة، وأن الاتحاد الأوروبي لن يتمكن وحده من دفع حل الدولتين بدون تأييد أمريكي، إلا أن الحوار العربي الأوروبي يمكن أن يسهم كثيرا في تحقيق السلام والاستقرار والتنمية والرخاء في الدول العربية، ليس فقط لأنه يمكن أن يبعد الشرق الأوسط عن الاستقطاب بين واشنطن وموسكو، ولكن أيضا لأن الإمكانات المتوفرة للجانبين كفيلة بتحقيق الرخاء في المنطقة إذا تم حل المشكلات الراهنة فيها، وهذا هو التحدي الكبير أمام الجانبين العربي والأوروبي، وهو تحد يتطلب إرادة سياسية تتجاوز المصالح الآنية لهذا الطرف أو ذاك، وعملا مخلصا وفق رؤية استراتيجية لمستقبل العلاقات الأوروبية العربية لابد أن تدرك معها روسيا وأمريكا والصين أنها ليست متعارضة مع مصالحها في المنطقة التي لم تعد تقبل الاستقطاب ولا السياسات الاستعمارية. فهل سيتمكن العرب والأوروبيون من ذلك؟ أم أنهم سيغرقون في مواجهة المشكلات الآنية ؟ الأشهر القادمة ستبدأ في الإجابة على ذلك !!.