«أغلق نوافذك جيدا!»

تسنيم بنت عبدالرؤوف التوبية –

نسقط وكأن أحدهم نسي أن يسمي علينا! ونتعثر بقوة، ونبكي من أعماق قلوبنا لعل شيئا يخفف من لوعة الفؤاد، نهرع لكي نكتب، نكتب مشاعرنا وأحزاننا حرفا حرفا على الورق لعل شيء فينا يهدأ، كل شيء يصبح غريبا ومرا، لطالما كانت الكتابة المتنفس الذي ينفس عن الكثير في دواخلنا، لكن كل شيء يتغير، في كل حرف نزف وألم.

تحاول أن تغلق دفتر الماضي وتنسى كل الذين خذلوك جدا، الذين كانوا يحرسون قلبك ويعيذونه باسم الله من أي ألم يمسه

وأنت تدرك أنك لم تقترف أي ذنب سوى أنك كنت وفيا للغاية!
للذين زرعت لهم من الود بساتينا وفاجئوك بألغام مزقت أجمل ما في داخلك!

إلى أولئك الذين كنت نعمة الله عليهم، لكنهم لم يكونوا شاكرين بما يكفي، فجحدوك وعاقبهم الله بحرمانك!

لأولئك الذين باعوا قلبك المحب لهم، قلب ضاق للعالمين واتسع لهم وحدهم، قلب لم يسكنه سواهم، لكن عذرهم أقبح من ذنوبهم.. أن قلبا مهجورا لا يسكنه سواهم يشعرهم بالوحدة لذلك بحثوا عن قلب آخر !

لابد أن تمضي، ترابط على قلبك المهشم وتمضي جسدا بلا روح وقلب لا ينبض، لابد أن تعتاد أن تقوم بنفسك، أن تضمد جراحك وأن تغمض عيناك وتهرب من كل الذكريات

عليك أن تكون قويا وأن تتجاوز أشد آلامك وأن تدعو الله أن يفرق بينك وبين شيء أحببته بصدق ولم ترغب بسواه

امضِ وكأن لا أحد يدرك الكذب الذي تشي به عيونك وأنت تقول وداعا وكل ما في داخلك راغب بالبقاء.. فقط اترك المكان وارحل كن أصما لا يسمع الضجيج الملتهب في داخله للبقاء..

ليت القلوب لا تشفى ولا تبرى من بعد أن تجرح! حتى لا تلدغ من جحرها مرتين..

ويقتلنا الغياب، يقتلنا ولا يبقى لنا وصل سوى الدعاء.. فليتهم يعيدون أغرابا كما التقيناهم في المرة الأولى

لقد كان وجودهم أبسط أمنياتنا.. لكن الحياة لم تكن بنا رحيمة فسلبت أبسط أمانينا..

لا شيء يقصم ظهورنا كالغياب والفقد، أولئك الذين أدمناهم وأدمنا قربهم ووصلهم، كافح كثيرا وحارب أن تنسى وأن تمضي.. وما أشد ألما من انتظار غائب لن يعود.

تكتب الكثير من الرسائل ثم تمزقها لانك تدرك أن المستقبل لن يهتم، لو كان يهتم بك صدقا لما رحل!

وحده الله يعلم كم احتجت وجودهم، كم مرة استيقظت، وأنت تبكي ولا تعلم أهي دموع فرح أنهم زاروك في منامك.. أم حزنا يقطع أوصال قلبك حينما يطرون في أحلامك وأنت لا تصلهم في واقعك.

كن قويا وقل للذين خانوا عهدهم ونكثوا أيمانهم .. أنك غفرت لهم لوجه الله ولجميل ما كان بينكم يوما.. قل لهم أنك غفرت لأنك لا تستطيع أن تكون سيئا مثلهم..

قم فعليك أن تعتذر أولا لنفسك، لكل وقت ضيعته معهم، قم كن قويا لأجل نفسك فالحياة لن تحزن لحزنك

اعتذر لنفسك في كل مرة تهدر فيها كرامتك حينما تتذكر كل من رحل بمحض ارادته.. اعتذر لنفسك في كل لحظة رغبت فيها
أن تسمع صوتهم .. أن تكون معهم.. أن أردت أن يشاركوك احساس الفرحة.. أو يكونوا معك في لحظة ضعفك فذرفت عيناك حزنا..

اعتذر لنفسك وضع يدك على قلبك واصبر.. صدقني ستعبر.. وسيمضي هذا الالم.. مارس حياتك بعيدا عن كل شخص لم يقدر وجودك يوما.. تذكر أن الله سيعوضك بما هو خير منه..

لا تلتفت فقط أمضي.. لا شيء يستحق أن تلتفت، ابتسم لأجلك كل صباح، وتمسك بكل شخص يقدر وجودك، ويسعى من أجل ابتسامتك التي يرى فيها جمال الكون
قاوم، وانتشل نفسك من الأوهام، فمن عرف قدرك يوما تشبت بك، فلا كمال الا لله، من رأى عيبك تقبلك قبل حسناتك وكملك، من أحبك صدقا حفظك في غيابك قبل حضورك، ولن يتخلى عنك حتى تنجلي سواد الأيام في انكساراتك.. اخرج بأقل خسائر وقل شكرا لأولئك الذين خذلوك، فرحيلهم علمك أن الحياة لن تقف على أحد، وأنه لابد أن تكون شجاعا، كن مدينا جدا لأولئك الذين اسقطوا يدك عمدا على حافة جرف شاهق لا يبلغ البصر منتهاها، وحدهم علموك كيف تمسح دموعك بمفردك، كيف تحتاج وتصبر، أن لا تتعلق بشيء راحل، اعمل لكي تصنع من نفسك مجدا لا يصله أحد.. وأغلق نوافذ قلبك، لعل من يستحقها يوما سيطرقها، لا تبحث عن شخص جديد، فمن يثمنك سيسعى لك، ولا عزاء على الراحلين..