هوامش .. ومـتون : موسم زراعة أكواب الكرك!

عبدالرزّاق الربيعي –

ماذا لو أنّك بعد أن تنتهي من قراءة الصحيفة تمضي إلى حديقة منزلك، ثمّ تحفر حفرة صغيرة، تضع بها الصحيفة، بعد ذلك تهيل عليها التراب، وتسقيها بالماء، لتنبت،بعد حين، نباتات مختلفة؟ هذه ليست فرضيّة، بل واقع في اليابان، فالصحف اليابانية تحتوي على بذور داخل الورق، وبوجود الأجواء المناسبة للإنبات من تربة، وماء، وضوء، وسماد، يمكن أن تنبت البذور، وتنمو، وهذا ما يسمّى بالتدوير، والفكرة نفسها تطرّق إليها شاب عماني في مقطع فيديو تحدّث به عن إعادة تدوير أقداح شاي الكرك، فبدلا من رميها يمكن زراعتها لتنبت خضروات عديدة، الخبر، ومقطع الفيديو ذكّراني بالتشكيليّة البريطانيّة التي زارتني في البيت، وقدّمت لها طبقا من الفواكه، فتناولتْ تفاحة، وحين انتهتْ من أكلها، ولم يتبق بيدها سوى البذور، وما حولها، والقشور، فجلبتُ سلّة المهملات لرميها بها، لكنّها، اعتذرتْ، ونهضتْ من مكانها متوجّهة إلى حديقة البيت، إذ قامت بدسّ تلك البذور، والقشور في التراب، والتفتت لي قائلة « نحن لا نرمي بقايا الثمار في مكبّ النفايات، بل نضعها في الحديقة، فإن نبتت البذور، نكون قد ساهمنا بإنبات شجرة، وإن لم تكن ظروف الإنبات مؤاتية، فتلك البقايا ستتحوّل إلى سماد تتغذّى عليه النباتات الأخرى». وهكذا تتمّ الاستفادة من كلّ مادة في الطبيعة، لتعمير الأرض، وحين نفعل ذلك، فإنّنا نقوم بضمان ديمومتها، ونظافتها، ومن هنا تأتي فكرة تدوير المواد، واعادة استخدامها لتكون قريبة من ذلك، وهي ليست بالجديدة، إذ تمارسها بعض الأسر في المجتمع العربي، فتقلّل من استهلاك المواد،وتعود بالفائدة من خلال تدوير المواد المستعملة، وهذا يدخل في باب التربية الدينية، فهدر النعمة من الأمور المحظورة دينيا، لأن المادة مهما كانت بسيطة، تعود بالفائدة الاقتصادية على الفرد، والمجتمع، وقد حدّثني صديق، عن قيام سكّان بعض المناطق بجمع نوى التمر، وتجفيفه، وطحنه، وصنع قهوة منه،بل هناك من يقوم بمبادلة نوى التمر بالخضروات، والأمر ينسحب على بعض الخيّاطين الذين يجمعون قطع القماش المتبقّية عن الأقمشة بعد تفصيل الملابس منها، ثمّ الاستفادة من تلك القطع في تصنيع حاجات منزليّة كالمساند، والمخدات، أمّا اللحم الزائد عن الحاجة،فيمكن الاستفادة منه، إذ يملّح، ثم يجفّف، ثم يتمّ استخدامه بعد فترة، وفي طفولتنا كانت الوالدة، رحمها الله، لا ترمي بقايا الخبز، بل تجمعها، وتقوم بطبخها، مع وضع إضافات بسيطة، لتضع على مائدتنا وجبة شعبيّة معروفة في الخليج اسمها «محروق إصبعه»،وهذه الفكرة نفسها التي شاعت في الفن الحديث بتدوير المواد الخام في الطبيعة، كأوراق الأشجار المتساقطة، وقطع القماش، وقصاصات الصحف، والأغصان، وما إلى ذلك من مواد لإنتاج أعمال فنيّة تلفت الأنظار، وتباع في المعارض بمبالغ باهظة.
إنّ تدوير المواد المستعملة يسهم بشكل كبير في حلّ مشاكل البيئة، وايجاد فرص عمل، وتحقيق إضافة اقتصادية، فكثير من المواد المستعملة التي لا يتمّ الاستفادة منها تضيع هدرا، وتؤثّر على البيئة سلبا،لذا،فإن التفكير بإعادة تدوير جميع المواد المستعملة،والمخلّفات ربما يخلق أنشطة اقتصادية موازية، والمساهمة في التخفيف من أضرارها على البيئة،مما يزيد في تحسين مستوى الصحة العامة.
وقد تنبهّت المجتمعات المعاصرة إلى خطر المواد المتبقية على البيئة،فخصّصت أماكن لكلّ مادة يتم الاستغناء عنها، فللبلاستيك موقع في الحاوية، وكذلك للورق، والعلب التي يتمّ تجميعها في أماكن تدوير النفايات،ثم يعاد تدويرها من جديد، وضخّها في السوق للاستهلاك،وقد ظهر تجّار، ومستثمرون هم تجّار الخردة، تقوم تجارتهم على اقتناء غير المرغوب فيه من المواد، فيقوم التاجر بتصنيفه، وتجهيزه لاعادة بيعه كمادة مستعملة، وفي بعض الدول، كأمريكا يضع أصحاب البيوت مخازن خارج البيوت على شكل محلّات صغيرة يخزّن فيها ما يتبقى من مواد مستهلكة، ثم يتم بيع المواد الموجودة في المخزن في المزاد.
فكم يوجد في المساكن من مواد غير مستعملة كالملابس، والأطباق يمكن اعادة بيعها، أو التصدّق بها!.
وكم من الصحف التي ترمى، ولا تزرع، كما يفعل اليابانيون، وأكواب الكرك كما دعا إلى ذلك الشاب العماني في مقطع الفيديو!.