دبليو إس ميرون بعيدا عن العالم وفي قلبه «2»

893123حوار: إدوارد هيرش –
ترجمة: أحمد شافعي –

• ما الذي جذبك ابتداء إلى الترجمة؟
– في الثامنة عشرة كان يصعب العثور على شيء أكتب عنه. كنت أكتب كثيرا ولكن كان واضحا لي تماما أن ما أكتبه ليس فيه الكثير. يكون لديك وأنت في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة ما تتصور أنه مشاعرك، وتكون هذه مشاعرك فعلا، لكنها تكون شديدة البعد عن كلماتك، فاهم، وكلماتك نفسها تخرج في فوضى. بالترجمة أمكنني أن أعمل فعليا على شيء بحيث لا أولي انتباهي لشيء عدا فعل الكتابة، كتابة شيء ما، ووضع الكلمات في مواضعها الصحيحة، مقبلا عليها من الجهة الأخرى، جهة الـ«كيف».
• متى بدأت تترجم الشعر القديم والبدائي؟
– أعتقد أنني لم أبدأ في ترجمته إلى أن تجاوزت الثلاثين بالتأكيد. وقبل ذلك كنت أود دائما أن أتعلم لغة شفاهية، لغة لا تكتب. ولا أعرف ما الذي في تعليمي أو مزاجي وشخصيتي هو الذي حال طويلا دون أن أفعل ذلك. عندك مثلا قصائد لغة الكراو [وهي إحدى لغات سكان أمريكا الأصليين] التي ترجمتها سنة 1970 أو 71، كانت جميعها نتاج عمل روبرت لوي الميداني على الناطقين بتلك اللغة في الثلاثينيات من القرن العشرين. وكان لديّ إحساس جارف تجاه الكراو، شأن الشعر الهندي الأمريكي عموما، وكثير من الشعريات الشفاهية التي كنا نتكلم عنها بينما كانت هي تختفي. وأرى أن هذا الاختفاء يضاهي حرق مكتبة الإسكندرية على سبيل المثال. لكنني لم أشرع مطلقا في تعلم أي من هذه اللغات حتى وقت قريب بعض الشيء. ذهبت إلى ريف الكراو حينما كنت أعمل على تلك الترجمات، وحاولت أن أعرف إن كانت أعمال أخرى قد نفذت على الكراو بعد روبرت لوي. وتبيَّن أن ما تم إنجازه قليل للغاية، إن كان منه أي شيء أصلا. لم ينجز غير عمل قليل للغاية على النحو في تلك اللغة، أما جمع المزيد من المادة فلم يحدث منه شيء، ولوي نفسه لم يكن قد جمع غير صفحات قليلة من الأغنيات. وهكذا لم يتبق غير هذا من تراث هائل. الأمر أشبه ربما بأن يكون لدينا صفحتان أو ثلاث من هيريك Herrick، وصفحة من [جون] دون Donne واثنتان أو ثلاث من كيتس وتكون تلك هي كل ما تبقى من الأدب الإنجليزي. طبعا أشعر بامتنان لهم [أي للذين جمعوا تلك المواد]، لكنني لا أملك إلا أن أشعر بالجزع حيال ما أتصور أنه ضاع. ولم تكن الكراو هي الوحيدة. فقد كانت واحدة من ثقافات كثيرة عظيمة. المرء ينظر إلى أغنيات الكراو هذه، ويعرف أنها الأخيرة من تراث قوي عميق هائل. نحن تسببنا في ضياع تلك الأشياء. الأشياء التي ضاعت، ولا سبيل إلى استعادتها من جديد.
• هل تعتقد أن أعمالك المبكرة وربما اهتمامك القوي بالترجمة، تشير إلى أي فتور حيال كونك شاعرا أمريكيا؟
– لا، لم أفكر قط في الأمر بهذه الطريقة. مرّ عليّ وقت بالفعل حاولت فيه النظر في هذه السؤال. ولكن الترجمة لم تتسلل إليه قط، أعني أن الترجمة بدت دائما مجرد طريقة لتوسيع الإمكانيات، فاهمني، لكي لا أتوقف. لقد بدا لي الشعر الأمريكي في الأربعينيات، وهو الشعر الذي نشأت فيه، متصلبا إلى حد ما. أعني أنه كان أشبه بالعيش في صندوق، وكنت أعرف أنني لا بد أن أخرج من ذلك. محاولتي التعرف على معنى أن أكون شاعرا أمريكيا كانت الشيء الذي فعلته في السنوات التي عشتها في إنجلترا راغبا بشدة في الرجوع إلى أمريكا. كنت أعرف يقينا أنني لست شاعرا إنجليزيا. لكنني كنت لم أزل غير مدرك معنى أن أكون شاعرا أمريكيا. شيء لطيف أننا لم نعد مرغمين على التفكير بتلك الطريقة. ولكننا كنا لا نزال مرغمين على التفكير في الأمر في الأربعينيات.
• كيف حدث أن عرفت [الشاعر البريطاني] روبرت جريفز؟ وأي علاقة أقمتها معه حينما عملت مدرسا في الأسرة؟
– يعني، كانت علاقة عائلية. وظيفة التدريس الثانية التي حصلت عليها كانت في البرتغال مع العائلة الملكية البرتغالية. كنت أتلقى أربعين دولارا في الشهر. وكانوا يوفرون لي منزلا ووجبات وما إلى ذلك، ولم تكن لي مصروفات على الإطلاق. وفي الصيف ذهبت إلى إسبانيا في قطارات الحليب عاقدا العزم على مقابلة روبرت جريفز، فذهبت ببساطة وطرقت بابه. كنت أقيم في بيت في ميناء سولر، ورتب جريفز لي إقامة في أحد بيوت القرية الخاوية لنقضي الوقت معا. وبينما كنت هناك أخطره المدرس الذي كان ينبغي أن يأتي للتدريس لولده أنه لن يستطيع المجيء، فسألني روبرت «هل تريد الوظيفة؟» وقلت «أكيد». وهكذا حصلت عليها، بضربة حظ.
• وكم طال عملك لديه؟
– عملت لديه لعام واحد، لكنني رجعت فعشت في القرية جزءا من شتاء آخر قضيته في ترجمة The Poem of the Cid بتكليف من بي بي سي. منذ وفاة روبرت أحاول أن أجمع أشياء عنه. لم يكن أيسر أهل الأرض معشرا. لم نتناغم معا، أعني، ليس بشكل ممتاز. كانت قدرته على التاغم مع الآخرين سيئة للغاية، لا سيما مع الشباب، ولا سيما الشعراء، ولم نفترق حينما افترقنا بأفضل الأشكال.
• وأين كانت المشكلة؟
– كان الأمر أن الدائرة بالغة الضيق، فحينما كانت تقع إساءة طفيفة، كانت تصبح جسيمة. حاولت مرات بعد أن تركت روبرت أن أرأب الصدع لأنني كنت أعرف أنه في حقيقة الأمر لم يكن من سبب لئلا نكون صديقين، لكن روبرت كان قد قرر أننا لن نكون صديقين. قال: إنه ولد وليس لديه ناقل السرعة العكسي. كنت سأستاء من الأمر أكثر بكثير لو لم يكن كثيرون غيري قد مرّوا معه بمثل تلك التجربة.
• استشعرت تأثير إليوت في بعض أعمالك. هل عرفته شخصيا؟
– نعم في أوائل الخمسينيات، في لندن. إليوت كان رجلا طيبا للغاية. في تلك الأيام كنت أدخن، وأحب السجائر الفرنسية، وكان الناس يهدونه السجائر الفرنسية ولم يكن يدخنها. فكان يفتح درجا كلما ذهبت إليه ويعطيني جملة منها. وكان ذلك أمرا جللا في لندن في مطلع الخمسينيات، وكنت أتأثر كثيرا لأنه يتذكر ذلك. كنا نجلس لنستدعي ذكريات أمريكا، وكان لديه جانب يستشعر الحنين إلى الولايات المتحدة، وكنت أنا أشعر في لندن بحنين إلى الوطن أيضا. جرت بيننا أحاديث كثيرة رائعة – عن نهر أوهايو وعن عائلته في شارع لويس بالميسيسيبي وعن القوارب النهرية. غريب جدا تصور أن تكون له علاقة بذلك العالم كله. كان يتكلم عن دلتا كوين، ذلك القارب البخاري الذي ظل يقطع النهر ذهابا وإيابا حتى سنوات قليلة مضت. كان يريد فعلا أن يمضي في رحلة على متنه. وكنت في تلك الأيام أريد أن أكتب مسرحيات شعرية، في العشرينيات من عمري. ولكنني بعد فترة بدأت أشعر أن المسرحيات لا تمضي بطريقة جيدة، وأن الشعر ليس عونا لها بالقطع. طوال ذلك الوقت الذي شهد انغماسي في المسرح الشعري، لم أتعلم أي شيء عن المسرحيات. كلمته عن ذلك. قلت إنني أفكر في التوقف عن كتابتها شعرا وأجرب محاولة كتابتها نثرا. قال «شوف، أنا أيضا فكرت في مثل ذلك، ولكن لو كنت لأكتب أي مسرحيات بالنثر، فكثيرون غيري قادرون على كتابتها أفضل مني».
• إلى أي مدى كان [دبليو إتش] أودن مهما لك كشاعر وكإنسان؟
– كنت أكن لأودن إعجابا هائلا. وأحب بعض شعره. لكن أحدنا لم يعرف الآخر جيدا على المستوى الشخصي. أعتقد أننا لم نلتق فعليا غير مرتين. عندي من أودن بعض الرسائل الأبوية الرائعة التي ترجع للفترة التي كان يكتب فيها مقدمة ديواني الصادر في سلسلة ييل للشعراء الشبان. ولكننا لم نصبح صديقين قط. الأمر أن طريقينا لم يتقاطعا. كنت أرهبه كثيرا. فخجلت أن أعرِّفه بنفسي. كنت أراه يتنزه في القرية حين كنت أعيش هناك، ولكنني لم أتقدم لأربت على كتفه، وأتصور أن هذا ما كان ينبغي أن أفعله. مرة كان مسافرا، وكنت أتنزه مع ألن جينسبرج في القرية فقال ألن إن لديه مفتاح شقة أودن. سألني «هل نذهب ونتفرج على شقة أودن؟» وقال «أنا أقدس هذا الرجل» قلت «وأنا أيضا مثلك. هيا بنا». وذهبنا، ولا بد أن أقول إنني لم أر في حياتي فوضى كالتي رأيتها هناك. كان واضحا أنه لا يوجد شيء نظيف أو ناج من الغبار. كان في الشقة آخرون يقيمون معه، وكان واضحا أنهم لا يقلون فوضوية عنه. سأله أحدهم حينما رجع كيف يرتب تلك الفوضى، فقال «أبدا، كل ما نفعله أننا نقشر الطبقة العلوية فتأخذ معها ما تأخذ وانتهينا».
• هل تعتقد أن نزعة بدوية تكونت فيك عبر نضجك بمرور السنوات؟
– محتمل. ولكنني أعتقد أنني كنت دائما أرغب في السفر. أعني وأنا صغير للغاية، أتذكر بهجتي العظيمة بوجودي في كنيسة أبي، وبالسماح لي أحيانا بالصعود إلى مكتبه ومشاهدة المراكب في النهر وتخيل المضي إلى البحر. كان حلم السير وولتر رالي القديم Sir Walter Raleigh ، حلم الإبحار. كان ذلك من الأسباب التي دعتني إلى قراءة كونراد عندما بلغت الرابعة عشرة. كونراد كان من أوائل الكتاب الذين جعلوني أرغب في الكتابة.
• وجِّهت إليك انتقادات لاستبعادك «أدوات الثورة الصناعية» من أعمالك، لا سيما أعمالك الأولى، ما قولك في هذا النقد؟
– لعله عدل. لا يحدث مطلقا لما يكتبه المرء أن يكون كاملا في عقلانيته، أو نتاج خيار مدروس. طالما أحسد الشعراء الذين تبدو لأعينهم لمسات التاريخ أيسر في التعقب مما تبدو لي. لعل الصعوبة في حالتي ناجمة عن حقيقة أنني وإن عشت في المدن صغيرا لم يكن مسموحا لي أن أنغمس فيها كثيرا وأنني كنت أشعر فيها بالاغتراب. كنت دائما أشعر أن حالي اختلف تماما بمجرد أن أخرج من المدن أو أرجع إليها. ولكن هذا أنتج طوال سنين كثيرة حالة توازن حقيقي، لأنني كنت أستشعر الحاجة إلى المدينة المطلقة، وهي بالنسبة لي نيويورك، وبالحاجة أيضا إلى النقيض التام، أي الريف، حيثما يتسنى لي العثور عليه، وكان الاحتياجان دائمي التجاذب لي.
• كتاباك الخامس والسادس «الهدف المتحرك» و«القمل» مختلفان بعنف عن الكتب السابقة عليهما. على مستوى تقني، هناك انقطاع عن تراث الأربعينيات والخمسينيات الشكلي، هناك التشطير والمقاطع، وبساطة المعجم والتركيب. وبعد نحو ثلثي «الهدف المتحرك» تتوقف فجأة عن استعمال علامات الترقيم. ماذا حدث؟
– في الخمسينيات، انتابني إحساس بأنني ببساطة قد بلغت نهاية طريق معين من الكتابة. لم أرفضه، لكنه لم يعد مشبعا لي. فمرت عليَّ فترة تقترب من سنتين لم أكتب فيها غير القليل من الشعر. ثم فجأة، جاءت القصيدة الأولى في الهدف المتحرك، كتبت نصف الكتاب تقريبا في أسابيع قليلة، وكانت جميع القصائد نابعة من دافع جديد ومختلف لم يسبق لي أن عرفت أنه يتكون في ذاتي. كنت في أوروبا، وكنت أعلم أنني لو رجعت إلى الولايات المتحدة، فسيكون لزاما عليّ أن أنخرط في عمل أكاديمي أو شيء من هذا القبيل، وهو ما لم أكن أرغب فيه، ومع ذلك، عدم الرغبة في البقاء أكثر من ذلك في انجلترا، وتوترات الرغبة في تغيير حياتي، وعدم معرفتي كيف أفعل ذلك، كل ذلك تراكم ونتيجته تمثلت في إطلاق نوع جديد من الكتابة، وفي كثير من صور الجزء الأول من الهدف المتحرك وقصائده. كتبت الجزء الثاني من ذلك الكتاب بعدما رجعت إلى نيويورك وعشت في Lower East Side. لعل التخلي عن علامات الترقيم كان نتيجة قراءة سنين كثيرة للشعر الإسباني والفرنسي. بدا ذلك فجأة جزءا من تراث يخصني إن أردت. أيضا بت أومن بأن للشعر علاقة أقوى للغاية بالكلمة المنطوقة من علاقة النثر. والترقيم له علاقة أساسية بالنثر وبالكلمة المطبوعة. بت أشعر أن الترقيم أشبه بتثبيت للكلمات في الصفحة بالمسامير. ولما كنت أرغب بدلا من ذلك في حركة الكلمة المنطوقة وخفَّتها، فقد كان التخلي عن الترقيم خطوة في الطريق إلى ذلك، أن أجعل حركة الكلمات تخلق ترقيمها بأنفسها، مثلما تفعل في الكلام العادي.
• مرّ [الشاعر الأمريكي] جيمس رايت بأزمة مماثلة في عمله في الوقت نفسه تقريبا. هل ترى رابطا بين ما حدث لك وما حدث له؟
– أوه، نعم. وإن لم يكن أحدنا على دراية بما يفعله الآخر. كان آخرون – مثل لويس سيمبسن وروبرت بلاي – يتحركون في الاتجاه نفسه. وكان شعراء البيت حاضرين أيضا. لم يكن ذلك تأثيرا من بعضنا على بعض بقدر ما كان إحساسا بنفس الأشياء. كان واضحا تمام الوضوح أن الأشياء التي أحسها قيودا شكلية هي أشياء قابلة للانكسار في نهاية المطاف. لم يكن لتلك القيود وجود أصلا. لم يكن لزاما علينا أن نستمر في إعارتها انتباهنا. هناك أمر آخر في ذلك الوقت، ولا أعرف أحدا وصفه بعمق، وربما ليس بوسع أحد وصفه، ولكننا جميعا كنا في السن نفسه، وكلنا مررنا به في الوقت نفسه تقريبا، كلنا أعرضنا عن الطريقة المحترمة في تناول الأشياء. كلنا تخففنا من عدة الأدب المعهودة وقلنا، يااه، ليس لكل هذا أهمية، المهم بحق هو كتابة قصيدة من نوع مختلف. وذلك رائع. بطريقة ما أتمنى لو أن الشعراء الأصغر سنا منا يمرون بمثل تلك التجربة. أحب فكرة التخلي – ولو لشهور قليلة لا أكثر – عن كل الافتراضات المتعلقة بما يصنع القصيدة وما يصنع الأديب كمهنة وما يصنع كل هذه الأشياء، والحياة بدونها جميعا لفترة.
• أتساءل إلى أي مدى ترى نفسك منتميا إلى جيل محدد من الشعراء المشتركين في تجارب متماثلة؟ لقد أهديت بعض أعمالك على سبيل المثال إلى جالواي كينيل وريتشارد هوارد وأنطوني هيكت، وكتبت مرثية مؤثرة تشبه الهايكوات في جيمس رايت.
– أشعر بأنني جزء من ذلك الجيل. ولكنني لا أشعر بأنني أنتمي إلى أي مدرسة أو أسلوب أو حركة أو أي شيء من هذا القبيل. ولم أشعر بذلك قط. في أواخر الخمسينيات، كان يفترض أن الشعر الأمريكي كله منقسم إلى معسكرين. ولم أر لذلك معنى على الإطلاق. فطالما أحببت شعراء متباينين تماما – روبرت كريلي ودينيس ليفرتوف وجيرالد ستيرن وريتشارد هوارد وأنطوني هيكت وغيرهم – دونما شعور بأن في ذلك خيانة أو استحالة. ويؤسفني أن أرى غيري من الشعراء والنقاد يصرون على أن الشعر لا بد أن يكون من نوع معين وإلا فما هو بشعر.

يتبع

نشر الحوار في مجلة ذي باريس ريفيو، عدد 102، ربيع 1987، وهو الحوار الثامن والثلاثون في سلسلة فن الشعر.